الثلاثاء 22 مايو 2018 9:47 م القاهرة القاهرة 33.9°

الأكثر قراءة

شارك برأيك

هل ترى أن دمج وتحالف الأحزاب سيفيد في انتعاش المشهد والحياة السياسية في مصر؟

دراسة تاريخية: قانون التجمهر المطبق حتى الآن ألغي عام 1928

ارشيفية
ارشيفية
كتب: محمد بصل
نشر فى : الثلاثاء 31 يناير 2017 - 11:16 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 31 يناير 2017 - 11:16 ص

كشفت دراسة قانونية تاريخية أعدها مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان بعنوان «نحو الإفراج عن مصر»، بطلان العمل حتى الآن بقانون التجمهر رقم 10 لسنة 1914 الذي تدين على أساسه المحاكم المصرية حتى الآن المتهمين في قضايا التظاهر، بل وتستند له النيابة العامة في إعداد قرارات الاتهام حتى الآن؛ وبدرجة أكبر من قانون التظاهر الصادر عام 2013.

وفجرت الدراسة مفاجأة تاريخية مفادها أن هذا القانون المطبق حتى الآن صدر من رئيس الوزراء الأسبق حسين رشدي عام 1914 دون تفويض من الخديو عباس حلمي الثاني، وبالمخالفة للنظام التشريعي المقرر آنذاك تحت ضغط الاحتلال البريطاني، كما أن مجلس النواب ومجلس الشيوخ قررا إلغاءه مطلع عام 1928، لكن الملك فؤاد الأول امتنع عن نشر قانون الإلغاء في الجريدة الرسمية بالمخالفة لدستور 1923 القائم آنذاك.

وأدى هذا التحايل على الدستور إلى استمرار سريان القانون الملغي دون سند تشريعي سليم، لحد إدخال تعديلات مشددة عليه في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر الذي أصدر تعديلًا عليه بالقانون 87 لسنة 1968 بإضافة مادة جديدة برقم (3) مكررا إلى القانون الأول رقم 10 لسنة 1914، مؤداها مضاعفة الحد الأقصى للعقوبة المقررة لأية جريمة منصوص عليها فى قانون العقوبات، إذا كان مرتكبها أحد المشاركين فى الاجتماع العام أو المظاهرة أو التجمهر، على ألا تتجاوز مدة الأشغال الشاقة المؤقتة أو السجن، بعد المضاعفة، 20 سنة. وتوقيع عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة إذا قام المتظاهر بالتخريب العمدي لمبان أو أملاك عامة أو مخصصة لمصالح حكومية أو مرافق عامة أو وحدات اقتصادية أو شركات القطاع العام، مع إلزام المتهم بدفع قيمة الأشياء التي قام بتخريبها، وهي أشد عقوبات فرضها المشرع المصري بشأن التظاهر.

وتلقي الدراسة الضوء على ظروف إصدار القانون بضغط وتدخل من سلطات الاحتلال البريطاني، في سياق قانوني مشوه وملتبس، وفي ظل وضع سياسي غير مستقر، عززه عدم وضوح الوضع القانوني لمصر في القانون الدولي، حيث كانت مصر تحت السيادة الاسمية للدولة العثمانية، ولكنها خاضعة من الناحية العملية لبريطانيا. وكانت السياسة المصرية الداخلية ساحة للنزاع بين المصالح السياسية المتضاربة لأطراف مختلفة خاصة إبان الحرب العالمية الأوليى.

وصدر القانون مخالفًا لطرق إصدار القوانين وفقًا لأحكام القانون النظامي لسنة 1913، حيث استغل حسين باشا رشدي رئيس مجلس النظار (رئيس مجلس الوزراء) غياب الخديو عباس حلمي الثاني خارج البلاد، وأصدر القانون بدعوى امتلاكه تفويضًا بذلك، رغم أن التفويض الصادر من الخديو كان يقتصر على إصدار الأوامر وليس التشريعات، كما صدر بالمخالفة للقانون النظامي 29 لسنة 2013 الساري آنذاك، الذي نص على وجوب التشاور أولًا مع الجمعية التشريعية قبل سن أية قوانين.

ووفقاً لاطلاع باحثي المركز على وثائق من الأرشيف الوطني البريطاني ومكتبة الجامعة الأمريكية بالقاهرة ودار الكتب المصرية، تبين أن القانون صدر كجزء من سلسلة استراتيجيات كان القصد منها الضرب بيد من حديد على تصاعد المظاهرات والغضب الوطني بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى، الأمر الذي أصاب المسئولين البريطانيين والمصريين بالخوف من التمرد، وتكشف المراسلات البريطانية التي تنشرها الدراسة في ملحق خاص عن حالة من الذعر والقلق من ثورة قادمة، خاصة بعدما انتشرت شائعات بحصول قادة الحركة الوطنية المصرية على وعد بمبالغ طائلة من العثمانيين إذا تعاونوا في دخول القوات العثمانية لمصر ، فضلًا عن تواتر التقارير حول استمرار تدفق الضباط والجنود العثمانيين لمصر متخفين، لصنع الدسائس ضد بريطانيا، كما أفادت وزارة الداخلية بأن: "بعض الأتراك، من الحركات العمالية، ممن وفدوا لمصر مؤخرًا، يترددوا على مقهى بجوار مسرح الشيخ سلامة، وبعضهم هنا في مهمة خاصة، وعلى اتصال برفاقهم في بورسعيد"، بالإضافة لتقارير أعدتها الشرطة حول مؤامرات من دول المحور، من بينها أن 250 ضابطًا ألمانيًا بسوريا يخططون لهجوم على مصر عبر العريش بالتعاون مع الأتراك.

وأوضحت الدراسة أن القانون لم يكن معيبًا فقط في طريقة صدوره، بل أيضًا في مضمونه، حتى أنه وفي أول مناقشة له، بعد إقراره، في برلمان 1924، أوصى البرلمان بإلغائه، لكن نظرًا لقصر عمر هذا البرلمان لم يتخذ قرارًا نهائيًا بشأنه، فاستمر العمل به، وفي 15 يناير 1926 اقترح عضو مجلس النواب عن كفر الدوار محمد يوسف بك مشروع قانون بإلغاء قانون التجمهر على أساس أنه صدر في وقت استثنائي، وهو بداية الحرب العالمية الأولى، ووصفه بأنه من الأحكام العرفية، استعمله رجال السلطة التنفيذية مصادرة لحرية الأفراد وتنكيلاً بهم، وتم قبول الاقتراح.

وتبين من دراسة مضابط مجلس النواب خلال تلك الفترة، أن المجلس قرر في 27 فبراير 1927 مشروع إلغاء قانون التجمهر إلى لجنة الداخلية لتقييم القانون، وفي 13 ديسمبر 1927 عقدت اللجنة اجتماعًا لبحث مشروع القانون، حضره وكيل وزارة الداخلية علي باشا جمال الدين، وتبين من المضابط أن وكيل الوزارة أبلغ اللجنة بأن الحكومة ليس لديها مانع من إلغاء قانون التجمهر، معلنة موافقتها على مشروع القانون المقدم بإلغائه. وفي 20 ديسمبر 1927 وافقت لجنة الداخلية بإجماع الآراء على مشروع قانون بإلغاء قانون التجمهر.

وذكرت اللجنة في تقريرها، أن "قانون التجمهر المذكور صدر في 18 أكتوبر سنة 1914 وكان السبب الذي دعا المشرع إلى إصداره حالة الحرب العامة".

وحيث إن القانون لا يتفق مع الحرية الشخصية المكفولة بالدستور ولا يتماشى مع العصر الحاضر، الذي لا يسمح فيه البرلمان بوجود مثل هذه القوانين المقيدة للحرية والمخالفة للدستور، الذي كفل للمصريين حق الاجتماع في هدوء وسكينة، خصوصًا وأن قانون الاجتماعات العامة والمظاهرات في الطرق العمومية معروض على المجلس الآن. وعلى ذلك رأت اللجنة بإجماع الآراء الموافقة على إلغاء قانون التجمهر المذكور، والموافقة على مشروع القانون المقدم بإلغائه، وهي تعرضه على المجلس لإقراره طبقًا للقواعد الدستورية.

وبعد موافقة مجلس النواب على مشروع قانون إلغاء قانون التجمهر؛ أحاله لمجلس الشيوخ والذي بدوره أحال القانون للجنة الأمور الداخلية، التي وافقت بإجماع الآراء على مشروع القانون بإلغاء قانون التجمهر، وأحالته لجلسة عامة بمجلس الشيوخ، ووافق عليه بإجماع الآراء (74 صوتا) في 30 يناير 1928، وذلك وفقًا لتفاصيل مضبطة الجلسة 14 للمجلس يوم الإثنين 30 يناير 1928 صفحة 245، التي أرفق بها أسماء النواب الموافقين.

ثم أحيل مشروع قانون الإلغاء للملك فؤاد للتصديق عليه ونشره بموجب المادة 34 من الدستور، وبحسب المادة 35 من دستور 1923 كان للملك خياران؛ الأول: الاعتراض على القانون وإعادته للبرلمان مرة أخرى للمناقشة والموافقة بأغلبية ثلثي أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، والثاني فهو مرور شهر، من تاريخ إرساله، دون إبداء الملك أي اعتراض، ومن ثم يعد القانون مصدقًا عليه وصدر، وهذا ما حدث في قانون إلغاء التجمهر، إذ مر شهر ولم يعترض الملك وهو ما يعني صدور قانون الإلغاء بقوة الدستور.

ويدلل على ذلك محادثة تمت بين رئيس الديوان الملكي في 6 مايو 1928واللورد لويد المندوب السامي البريطاني، ذكر فيها أن فترة الشهر تنتهي في 9 مايو، وأبلغ لويد بذلك وزير الخارجية البريطاني السير أوستن تشامبرلين بوثيقة عثر عليها الباحثون في الأرشيف البريطاني.

وتكشف المراسلات بين الملك والإنجليز، أنه طلب منهم التدخل لوقف تمرير قانون الإلغاء، وفي 6 مايو 1928 (قبيل انتهاء مدة الشهر) أرسل الملك في حالة من الذعر رئيس الديوان إلى اللورد لويد ليشتكي من أنه إذا لم يوقع على إلغاء قانون التجمهر فسوف يصبح قانونًا في ظرف 3 أيام، إلاّ أن وزير الخارجية تشامبرلين أصدر تعليماته للورد لويد برفض الطلب الملكي، وذلك بنص وثيقة أخرى مؤرخة في 8 مايو 1928.

والواقع أن إلغاء قانون التجمهر كان أمرًا حتميًا بالنسبة للإنجليز أنفسهم، على الرغم من أنهم أشرفوا على إصداره، حيث تكشف مراسلات تعود لأبريل 1928 (أي بعد إقرار مجلس الشيوخ على مشروع قانون الإلغاء) أن اللورد لويد أبلغ تشامبرلين بأن "قانون الاجتماعات العامة والتظاهر رقم 14 لسنة 1923 يناسب الأهداف البريطانية، وأنه من الصعب تبرير الدفاع عن قانون التجمهر (القمعي والمكتوب بروح استبدادية) للجمهور الديمقراطي الإنجليزي" وبناء على ذلك وافق تشامبرلين على استبعاد قانون التجمهر من مضمون الإنذار الذي تعتزم الحكومة البريطانية توجيهه لمصر حال تعديل قانون الاجتماعات العامة والتظاهر.

وجدير بالذكر، أن قانون التظاهر الحالي الذي صدر في عهد الرئيس السابق المؤقت المستشار عدلي منصور ألغى العمل بقانون التظاهر الصادر سنة 1923، في حين أنه لم يلغ قانون التجمهر الذي تكشف الدراسة أنه كان يجب إلغاؤه بقوة دستور 1923 بعد إقرار مجلسي النواب والشيوخ مشروع قانون لإلغائه.

وأضافت الدراسة أن المادة 26 من دستور1923 اعتبرت النشر في الجريدة الرسمية شرطا أساسيا لنفاذ القوانين، لكن قانون إلغاء قانون التجمهر تعرض للتحايل من قبل الملك فؤاد، حيث لم يصدره في الجريدة الرسمية رغم أنه لم يعترض عليه ولم يعده إلى مجلسي النواب والشيوخ، بل إن تعنت الملك ضد القانون والبرلمان الذي أقره لم يتوقف عن هذا الحد، ففي 19 يوليو 1928 أمر الملك بحل مجلسي النواب والشيوخ وعطل المادتين 89 و155 من الدستور.

واستعرضت الدراسة، التي تصدر في الذكرى 89 لموافقة مجلس الشيوخ على إلغاء قانون التجمهر وشارك في إعدادها باحثة متخصصة رفضت ذكر اسمها والباحث القانوني محمد الأنصاري والمحامية مها يوسف وراجعها كل من مدير مركز القاهرة بهي الدين حسن ومدير برنامج مصر محمد زارع ونائب مدير المركز زياد عبدالتواب، عددًا من الأحكام القضائية الحديثة والقديمة التي أسست إدانة المتهمين بناء على مواد قانون التجمهر؛ أبرزها أحداث يناير 1977، وأحداث مجلس الشورى نوفمبر 2013، ومظاهرات محكمة عابدين نوفمبر 2013، ومظاهرات جامعة الأزهر، ومظاهرات الاتحادية يونيو 2014.

ونظرًا لارتباط هذا القانون الذي تصفه الدراسة بـ"الملغي دستوريًا والباطل تطبيقه منذ عام 1928" بحالات الآلاف من المواطنين المتهمين أو المدانين بناء على مواده، أقام مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان دعوى قضائية، اليوم الثلاثاء، أمام محكمة القضاء الإداري للمطالبة بنشر قانون إلغاء قانون التجمهر في الجريدة الرسمية، وما يترتب على ذلك من آثار أخصها وقف العمل بقانون التجمهر.

وجاء في الدعوى أنه بصرف النظر عن شبهات عدم الدستورية في طريقة إصدار القانون عام 1914، إلا أن الحقيقة التاريخية الصلبة التي لا جدال فيها أنه ولد باطلًا على أيدي سلطة الاحتلال، وأن السلطة التشريعية المصرية المنتخبة ألغته، وأن سلطة الاحتلال أعلنت تبرؤها منه باعتباره عارًا لا يليق بعشرينيات القرن الماضي، وعلى الرغم من ذلك استمر العمل به في جميع العهود اللاحقة.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك