فوق سجادة صلاة رقيقة لا تعزلها عن الحصى، ضمّت ساقيها لتفسح مكانًا لزميلتها، ووضعت كراستها على ركبتيها، بينما كانت الرياح تحرك أطراف الخيمة وتثير الغبار حولها.
جوري محمود، ابنة العاشرة وطالبة الصف الرابع الابتدائي، اعتادت أن تحمل سجادة الصلاة معها إلى خيمتها التعليمية بين ممرات النزوح في دير البلح، لتجلس عليها.
وتصف الطفلة لـ«الشروق» يومها الدراسي: «أصعب شيء أننا نكتب ونحن منحنيات طوال الوقت فوق التراب؛ ظهورنا تتألم قبل منتصف الحصة، وإذا تحركت زميلتي يسقط قلمي أو تتسخ كراستي. كنا نشعر أننا نكافح لنبقى جالسات بدل أن ننتبه لما يقوله المُعلم».
الطفلة جوري أمام خيمتها التعليمية في دير البلح بقطاع غزة
فصول خارج الخدمة.. أين يجلس الأطفال؟
جوري واحدة من مئات الآلاف من الطلبة الذين استقبلوا العام الدراسي 2026/2027، في التاسع عشر من سبتمبر، وسط عدوان إسرائيلي على قطاع غزة مستمر منذ نحو ثلاث سنوات. غير أن الطريق إلى هذا اليوم يعود إلى نحو عام مضى؛ فعقب دخول اتفاق الهدنة حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر 2025، اتسعت محاولات استئناف التعليم داخل خيام ومراكز إيواء تفتقر إلى أبسط مقومات الفصل الدراسي. لكن عودة الدراسة لم تحل مشكلة أبسط من الدرس نفسه: مكان الجلوس.
وراء غياب المقعد غيابٌ أثقل؛ إذ أحصت وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، في تقرير أصدرته في السابع من أكتوبر 2026، استشهاد أكثر من 19 ألف طالب وطالبة من طلبة المدارس، وإصابة نحو 28.6 ألفًا آخرين، إلى جانب استشهاد أكثر من 800 من العاملين فيها.
أطفال فلسطينيون يفترشون الأرض بعدما حوّل العدوان مدارسهم إلى ركام ومراكز إيواء
ولا تنتظر من نجا من الطلبة أبنية تعليمية سليمة؛ ففي تقديرات لـ«اليونيسف» في أبريل 2026، أصاب الضرر نحو 98% من الأبنية المدرسية في قطاع غزة، ويحتاج أكثر من 93% منها إلى إعادة بناء كاملة أو أعمال تأهيل كبرى.
أما المدارس التي ظلت قائمة فقد تحولت إلى ملاجئ مكتظة بالنازحين، ولم يبقَ فيها من المقاعد والطاولات إلا القليل. سُحق بعضها تحت الركام، وانتهى بعضها الآخر حطبًا للطهي والتدفئة في ظل شح الوقود والحصار.
من ساحات المساعدات.. هاد الخشب لازم يصير مقاعد
في الساحات الترابية المحيطة بنقاط تفريغ «اللجنة المصرية لإغاثة قطاع غزة»، كانت الشاحنات تتوالى، تُفرغ حمولاتها من الطرود الغذائية والمستلزمات الإغاثية والطبية وسط ضجيج المحركات والغبار المتصاعد من العجلات، ثم تغادر لتحل محلها شاحنات أخرى. ومع تكرار المشهد يوميًا منذ الهدنة، تراكمت الطبليات الخشبية عند أطراف الساحات في مرتفعات صغيرة؛ يُسحب بعضها لإشعال النار، فيما تنتظر أخرى المصير نفسه.
على مقربة من أكوام الطبليات، كانت خيمة تعليمية تضج بأصوات أطفال يرددون الدرس جلوسًا على الأرض، بينما ارتفع على بعد أمتار منهم صوت آخر: طقطقة ألواح خشبية تُقتلع وتُكسر لتغذية نيران قريبة. وسط هذا المشهد، توقف معين أبو الحصين، المدير التنفيذي للجنة.
طبليات استُخدمت في نقل المساعدات إلى غزة وأصبحت لاحقا خامة لصناعة مقاعد دراسية
يحكي أبو الحصين لـ«الشروق» عن تلك اللحظة: «المشهد وجعني كتير.. شفت الصغار قاعدين على الأرض والحجر بيكتبوا في دفاترهم، وجنبهم الناس بتكسر الخشب عشان تولّع نار للطبخ. قلت لنفسي هاد الخشب ممكن يكون له دور تاني؛ اتحمل أوزان وسافر مئات الكيلومترات، ليش ما نحوله إلى مقاعد؟».
بعدها، بدأ أبو الحصين وفريقه جمع الطبليات التي يمكن الاستفادة منها، بمساعدة الأهالي في نقل الخشب إلى ورش النجارة.
بين أيدي النجارين.. خشب لا يجرح طفلًا
داخل إحدى ورش النجارة بدير البلح، وسط رائحة نشارة الخشب وضجيج المناشير، ثبّت أحد النجارين لوحًا خشبيًا فوق منضدة النجارة، بينما مرّر آخر آلة الصنفرة على لوح مجاور. وحولهما، كانت طبليات أخرى تُفكك قطعةً قطعة.
يشرح محمد خضر، أحد العاملين في الورشة، لـ«الشروق» كيف تبدأ المهمة: «الخشب مليان مسامير، وشغلنا بيبدأ بنزع كل مسمار، وبعدها نصنفر اللوح مرة واثنين وثلاثة، عشان ما يفضل فيه أي جزء ممكن يجرح إيد طفل أو يقطع ملابسه».
حين تصير الألواح جاهزة، يقصّ النجارون كل لوح على مقاس المقعد، ثم يثبّتون الأجزاء بعضها ببعض، حتى يخرج المقعد من بين أيديهم.
عمال اللجنة المصرية لإغاثة غزة خلال تصنيع مقاعد وطاولات من أخشاب الطبليات
غير أن العمل لم يكن يسير بهذه الوتيرة كل يوم؛ فالكهرباء لا تأتي إلا ساعات محدودة في اليوم، وانقطاعها كان يوقف المناشير وآلات الصنفرة رهنًا بما يتوافر من وقود، فيما عطّل نقص الأدوات ومواد التجميع والتشطيب بعض مراحل العمل. ورغم ذلك كله، تقول أرقام أبو الحصين إن الورش أخرجت 1,170 مقعدًا حتى الآن.
أما أحد النجارين المشاركين في تنفيذ الفكرة، وقد فضّل استخدام اسم «أبو خالد»، فيوضح لـ«الشروق» ما كان يدفعهم إلى مواصلة العمل: «كان في ضغط كبير لأن احتياج الأطفال للمقاعد أكبر من قدرتنا على الإنتاج في وقت قصير. كنا بنحاول ننجز أكبر عدد ممكن بالإمكانات المتاحة، لأننا عارفين إن كل مقعد بنخلصه في أطفال مستنيينه».
السجادة التي طُويت
أمام السبورة المعلقة على قماش خيمة التعليم في دير البلح، كانت المعلمة تمضي في شرح الدرس، فيما جلس الأطفال على الأرض أمامها، حين بدأت الدفعة الأولى من المقاعد الخشبية تصل إلى الخيمة. وما إن لمحها الصغار، حتى ارتفعت أصواتهم بالفرح، ونهض بعضهم وقفز آخرون، وتجمعوا حول العمال.
يستعيد معين أبو الحصين ذلك اليوم بتفاصيله، ومن بين المشاهد التي بقيت عالقة في ذاكرته، لحظة جلوس أول طفل على أحد المقاعد: «أتذكره وكأن الأمر حدث اليوم. مرّر يده على سطحه الخشبي، ثم ابتسم وقال: أخيرًا صار عندي مقعد».
امتد ذلك المشهد، مقعدًا بعد مقعد، إلى خيام تعليمية أخرى. وعلى بعد أمتار قليلة، عاشت جوري التحوّل نفسه؛ تكتب الآن بخط مستقيم، بعدما كانت تكافح لتثبيت كراستها فوق ركبتيها: «شعرت أن المدرسة رجعت لنا، ولو بشكل مختلف».
أطفال غزة داخل خيمتهم التعليمية، وقد أصبح لكل منهم مقعد وطاولة يضع عليها كراسته
في اليوم الذي وصلت فيه المقاعد إلى الخيمة التعليمية، عادت جوري إلى خيمة أسرتها، طوت سجادة الصلاة جانبًا، ثم ظلت تحكي عن مقعدها الجديد. ويقول والدها محمود لـ«الشروق»: «لم أرَ ابنتي سعيدة منذ الحرب أكثر من هذا اليوم».
المقاعد لم تُنهِ أزمة أطفال غزة، لكنها خرجت من قلب الإغاثة نفسها؛ طبليات حملت طرود الغذاء، ثم تحولت إلى مقاعد تحمل كراساتهم. وبينما لا يزال العدوان الإسرائيلي يأخذ من يومهم أشياء كثيرة، بقي للمدرسة مكانٌ هنا، فوق قطعة خشب.