أمريكا والصين: حرب على جميع المستويات ماعدا العسكرية - محمد زهران - بوابة الشروق
الإثنين 6 ديسمبر 2021 9:46 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. إلى أي مرحلة سيصل المنتخب المصري في كأس العرب؟


أمريكا والصين: حرب على جميع المستويات ماعدا العسكرية

نشر فى : الأحد 2 يونيو 2019 - 11:20 م | آخر تحديث : الأحد 2 يونيو 2019 - 11:20 م

بالتأكيد عزيزي القارئ أنك سمعت عن شركة إنتل تلك الشركة الأمريكية التي أُنشأت سنة 1969 وتعتبر حالياً من أكبر شركات تصنيع المشغلات الدقيقة (microprocessors) في العالم وإن لم تعد أكبرها، المشغلات الدقيقة هم أهم قطعة في أي جهاز كمبيوتر فهي المخ بالنسبة لتلك الأجهزة، المهم عندما بدأت شركة إنتل وجودها في هذه الدنيا لم تكن تصنع تلك الشرائح الإلكترونية لكن كانت تصنع شرائح الذاكرة لأجهزة الكمبيوتر، لكنها خرجت من هذا السوق بهزيمة من الشركات اليابانية التي صنعت نفس الشرائح بدقة أكبر وسعر أقل، الدقة الشديدة معروفة عن اليابانيين والسعر الأقل كان بدعم من الحكومة اليابانية، هذا أول ملمح عن الإدارة الأمريكية: إقتصاد السوق ودع المنافسة تستعر فالحكومة الأمريكية لا تدعم شركة بعينها، لنعد إلى شركة إنتل عندما بدأت في تصنيع المشغلات الدقيقة خطر لها أن تدخل في مجال صناعة الساعات الإلكترونية، جيلي يتذكر الساعات الكاسيو وكانت تعتبر تقدم علمي هائل لكن طبعاً لا يتذكرها الجيل الحالي جيل السمارت واتش، إنتل رأت أن سوق الساعات الإلكترونية مثل كاسيو (التي لم تكن قد ظهرت بعد) قد يكون مربحاً وبدأت في تصنيع تلك الساعات منذ سنة 1972 ... وفشل هذا المشروع وإنتهى سنة 1975 ... لماذا؟ لأن الصين دخلت هذا السوق بساعات أرخص كثيرأً من تلك التي تصنعها إنتل، قد تقول ولكن هناك أسواق للأشياء الثمينة  فكما أن هناك من يشترون تليفون محمول بسعر رخيص هناك أيضاً من يشترون الأيفون، هذا صحيح ولكن في سوق الساعات الثمينة هناك شركات لها باع وتاريخ وقاعدة جماهيرية أقوي من إنتل مثل شركة رولكس، وهنا يظهر لنا ملمح آخر: الصين تدخل دائماً أي سوق بمنتجات رخيصة جداً وهذه الأثمان الزهيدة تأتي من عدة عوامل أهمها الأيدي العاملة الرخيصة لا تنس أننا نتكلم عن دولة تعداد سكانها يقارب المليار ونصف، إذا فقد خسرت إنتل في مجال الساعات السوق الرخيصة والسوق الثمينة ... لنتكلم عن الصين قليلاً.

تتميز الصين بقدرتها على حشد الأيدي العاملة كلها نحو هدف معين وبهذا تصل إلى الهدف بأقل التكاليف فهي دولة تركز على المجموع وليس الفرد فيما يتعلق بالمشروعات.

تبدأ الصين في دخول أي سوق من القاعدة (أي السوق الرخيصة) ثم ترتفع إلى الأغلى ثمناً.

عدد السكان الكبير عند الصين يعطي أي شركة صينية سوقاً كبيراً وفي نفس الوقت يعتبر هذا السوق مطمع للشركات الأجنبية، وحيث أن الصين دولة مركزية (عكس الولايات المتحدة الأمريكية)  فحكومتها تستطيع فتح وغلق السوق الصينية أمام أية شركة أجنبية وهذا سلاح قوي، ما نراه مما حدث مع شركة هواوي يعتبر مثالاً جيداً لذلك، أغلقت أمريكا أمام شركة هواوي تكنولوجيا الشركات الأمريكية (شركتي جوجل وآرم بالذات تعتبرا ضربة موجعة لهواوي) فهددت الصين بغلق السوق الصينية أمام شركات مثل آبل، أرباح آبل من السوق الصينية في الربع الآخير من سنة 2018 فقط كانت 2.13 مليار دولار فماذا لو فقدت الشركات الأمريكية السوق الصينية؟ أمريكا علقت قرار عدم تصدير التكنولوجيا الأمريكية للصين لمدة تسعين يوماً.

الاقتصاد الصيني قوي وقائم على الحجم الكبير سواء حجم السوق أو حجم المشروعات، منذ سنة 2012 وحتى نوفمبر 2018 كانت قائمة أسرع 500 كمبيوتر في العالم تتصدرها الصين وكانت أجهزة السوبر كمبيوتر الصينية تعتمد على المشغلات الدقيقة لشركة إنتل، أصدرت إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما قراراً بحظر تصدير تكنولوجيا إنتل للصين، فماذا حدث؟ ظلت الصين تتصدر قائمة أسرع أجهزة السوبر كمبيوتر في العالم ولكن بجهاز سوبر كمبيوتر صيني 100%، أمريكا عادت للصدارة في نوفمبر 2018 ولكن الصين مازات تحتل المركزين الثاني والثالث.

لأن الحكومة الصينية حكومة مركزية فهي تستطيع تحريك قطع الشطرنج على الرقعة الصينية لتحقيق استرتيجية موحدة، فمثلاً الحكومة الصينية قررت أن تكون القوة العظمى في مجال الذكاء الصناعي بحلول عام 2030، ذلك يعني تطوير التكنولوجيا الحالية والعمل على التكنولوجيا المستقبلية وإيجاد الكوادر المؤهَلة في هذا المجال لتولي القيادة في هذا المضمار في المستقبل، فماذا فعلت؟ أولاً الدعم المالي واللوجستي للشركات الصينية العاملة في هذا المجال (مثل علي باب وبايدو) والذكاء الصناعي يعتمد على عدة أشياء منها وجود البيانات (data) والحكومية الصينية لدينا بيانات دقيقة عن مليار ونصف صيني (ماذا يشترون، أين يذهبون للتنزه، ماذا يشاهدون ...) غير ما تمتلكه من بيانات الأجانب داخل وخارج الصين، وبدأت خطة طموحة لإدخال تدريس الذكاء الإصطناعي في المدارس.

ناقشنا في هذا المقال عناصر القوة في الجانب الصيني فماذا عن عناصر الضعف؟ وماذا عن الجانب الأمريكي؟ ... سنتكلم عن ذلك في مقالات مستقبلية

 

 

 

محمد زهران عضو هيئة التدريس بجامعة نيويورك فى تخصص هندسة وعلوم الحاسبات، حاصل على الدكتوراه فى نفس التخصص من جامعة ميريلاند الأمريكية، له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة فى الدوريات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى الأبحاث والتدريس.. له اهتمامات عديدة بتاريخ وفلسفة العلوم ويرى أنها من دعائم البحث العلمى، يستمتع جداً بوجوده وسط طلابه فى قاعات المحاضرات ومعامل الأبحاث والمؤتمرات، أمله أن يرى الثقافة والمعرفة من أساسيات الحياة فى مصر.
التعليقات