توفيق الحكيم وعودة الوعى! (5) - رجائي عطية - بوابة الشروق
الخميس 28 أكتوبر 2021 9:04 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لانطلاقة الأندية المصرية في بطولتي دوري أبطال إفريقيا والكونفدرالية؟


توفيق الحكيم وعودة الوعى! (5)

نشر فى : الأربعاء 2 أكتوبر 2019 - 8:50 م | آخر تحديث : الأربعاء 2 أكتوبر 2019 - 8:50 م

ظنى أن الأستاذ توفيق الحكيم لو تفطن إلى

«مذبحة القضاة» التى جرت فى عام 1969، لتقدم كتابه عن «عودة الوعى» خمس سنوات، فقد كانت هذه المذبحة ضربًا فى الصميم للسلطة القضائية، وإهدارًا صارخًا لاستقلال القضاء، وانتهاكًا لا مثيل له لمبدأ الفصل بين السلطات، وتقويضًا لكل قيم العدل والحرية.
ففى الوقت الذى يحمّل فيه الفقهاء من علماء القانون ـ يحمّلون القضاء والقضاة فى الدولة القانونية المتمدينة ـ كامل مسئولية حماية العدالة، أصدر الرئيس جمال عبدالناصر فى 31 أغسطس 1969 عدة قرارات جمهورية تحت شعار «الإصلاح القضائى»، قضى فى أحدها
(82 / 1969) بحل مجلس القضاء الأعلى وإنشاء مجلس أعلى للهيئات القضائية، وقضى القرار الجمهورى الثالث (83/ 1969) بأكبر حيلة ارتُكبت فى حق العدالة لفصل القضاة غير المرضى عن عدم انصياعهم للسلطة التنفيذية فلم يعجب النظام أنه غداة تصريح الرئيس بإدانة السمنى ــ أصدرت محكمة الجنايات حكما ببراءته، وجرت الحيلة بإصدار القرار الجمهورى (83 / 1969) بإعادة تشكيل الهيئات القضائية، واكتملت الحيلة ـ بعد إلغاء تعيين جميع رجال القضاء تحت عنوان إعادة تشكيل الهيئات القضائية ـ بأن أصدر الرئيس جمال عبدالناصر القرار الجمهـورى رقم 1603/ 1969 بمـا أسمـاه «إعادة تعيين رجال القضاء والنيابة العامة فى وظائفهم»، ولكن هذا القرار العجيب أغفل تعيين مائة وسبعة وعشرين من رجال القضاء والنيابة العامة غير المرضى عنهم بداهة، وقضى القرار الجمهورى رقم 1605 / 1969 بتعيين ستة وثلاثين من هؤلاء المعزولين فى وظائف حكومية أخرى، وبتاريخ 13/9/1969 أصدر وزير العدل تنفيذًا للقرارات الجمهورية القرار الوزارى رقم 927 / 1969 بإنهاء خدمة الواحد وتسعين من رجال القضاء الذين لم يشملهم القراران الجمهوريان
(1603 و1605 / 1969)، وبإحالتهم إلى المعاش، هكذا بقدرة قادر، بلا دستور ولا قانون ولا شرعية ولا أى احترام للقضاء ولا لمقومات الدولة القانونية.
وتابع ذلك لجاجة عجيبة فى المصادرة على حق كل واحد من المحالين ـ اقتدارًا ـ إلى المعاش فى استعمال حق الدعوى، وهو حق دستورى، بالطعن أمام محكمة النقض فى القرار الباطل بالإحالة للمعاش، إعمالا لأحكام المادتين رقمى 90 و 91 من قانون السلطة القضائية الصادر بالقانون رقم 43 /1965.
وفى هذه اللجاجة العجيبة، دفعت الحكومة
(الموجهة) بعدم اختصاص محكمة النقض بنظر هذه الطلبات أو الطعون، بقالة إن المحاكم لا تملك إلغاء القانون رقم 83 /1969 أو إبطال أحكامه، لأنه صادر بقرار جمهورى بقانون، وذلك عملا بمبدأ الفصل بين السلطات، وهو المبدأ الذى سفكه القرار الجمهورى الصادر من قمة السلطة التنفيذية ضد السلطة القضائية، ثم بقالة إن القرار الجمهورى رقم 1603 / 1969 المطعون فيه هو قرار تعيين وأن قرارات التعيين تخرج عن اختصاص محكمة النقض، ودعنا مما تضمنه القرار من عدم إعادة تعيين أى فصل 127 من رجال القضاء!!! وكانت ثالثة الأثافى التماحك العجيب بأن كل طالب عند رفض طعنه لم يكن من رجال القضاء، بزوال صفته، وهو هو ذات ما أجراه القرار الباطل المطعون عليه!!!
ولمواجهة هذه اللجاجة، طويت الطلبات المعدلة على رفض دفع الحكومة بعدم اختصاص محكمة النقض بنظر الطلب، وبإلغاء القرار الجمهورى بالقانون رقم 83/1969 بإعادة تشكيل الهيئات القضائية، فضلا عن القرار الجمهورى رقم 1603 /1969 بإعادة تعيين رجال القضاء والنيابة العامة فى وظائفهم والذى أسقط 127 عين منهم ستة وثلاثين فى وظائف حكومية أخرى، وصدر من ثم قرار وزير العدل رقم 927/1969 المطعون عليه ـ بإنهاء خدمة الواحد وتسعين من رجال القضاء والنيابة العامة وإحالتهـم ـ بلا أى سند ـ إلى المعاش!!!
وكان واضحًا كفلق الصبح، على نحو يستحيل على صاحب القرارات ومستشاريه ـ
ألاّ يتفطنوا إلى اعتداء القرارات على الدستور والقانون، وعلى استقلال القضاء، وعلى حقوق المعزولين. فقد كان القرار الجمهورى بقانون 83 / 1969 معيبًا بمخالفة الدستور والقانون شكلا وموضوعًا، منعدمًا لا أثر له فى القانون، ومعيبًا أيضًا بتسلط السلطة التنفيذية ممثلة فى رئيسها الأعلى رئيس الجمهورية ـ على السلطة القضائية، بالتعدى على استقلالها، وفصل عدد كبير من رجال القضاء والنيابة العامة على غير سند من الواقع والدستور والقانون.
على أن الأخطر من هذه السقطات الدستورية والقانونية، والتعدى على استقلال القضاء، وإقامة مذبحة للقضاء ـ أخطر منها الأسباب التى بررت لرئيس الجمهورية ومساعديه الإقدام على هذا العمل.
فوراء كل رجل من رجال القضاء والنيابة العامة الذين تعرضوا لهذا الفصل التعسفى غير المسبوق، وراءه قصة، وإذ لا يتسع المجال لإيراد كل قصة من هذه القصص لهذا العدد البالغ مائة وسبعة وعشرين، فإنه يجمع بين كل هذه القصص، القيام بمقتضيات رسالة ومهمة رجل القضاء، بما يرضى ضميره ويتفق مع أحكام القانون، والعدالة. والعزوف عن الاستجابة إلى رغبة النظام الحاكم فى إلحاقهم بالاتحاد الاشتراكى أو بالتنظيم الطليعى السرى الذى رأى رجال القضاء أن كلا منهما عمل حزبى لا يتسق مع رسالة العدالة التى يحملونها ومقتضيات الحيدة والتجرد فيها، وعدم الاستجابة لطلبات أو إيحاءات التصرف فى القضايا على نحو معين ترغبه السلطة التنفيذية، ولن يصعب على القارئ أن يرجع إلى المؤلفات العديدة التى طويت على تفاصيل هذه الأحداث، ومحاولات التدخل فى أعمال القضاء، وما نجم عن ذلك من تكوين آراء ملبوسة لا تستند إلى الحق والعدل والإنصاف إزاء من عصفت بهم القرارات الجمهورية وقرار وزير العدل الذى أعمل ما ورد بها وأنهى خدمة رجال القضاء والنيابة العامة بهذا العدد، وبإحالتهم إلى المعاش!!!
وقد نشرت جريدة الوطن الكويتية بعددها 3/2/1986، صورة ضوئية لوثيقة عليها تأشيرة نائب رئيس الجمهورية المسئول عن قطاع القضاة قبيل مذبحة القضاء ــ نصها:
«عزيزى سامى (شرف): طيه كشف مقترح لملء المناصب الحساسة فى وزارة العدل بعد التطهير (؟!!)، مقترح من نفس المجموعة التى تعمل معى (؟!!)، علمًا بأن الأكثرية منهم فى (كذا) رؤساء المحاكم أو المفتشين القضائيين، ويعملون فعلا فى نفس هذه الوظائف. مع تحياتى».
والوثيقة الثانية، فأيضًا من نائب رئيس الجمهورية، ونصها:
«عزيزى سامى (شرف): طيه كشف المطلوب تطهيرهم من القضاء مقترح من المجموعة التى تعمل معى (؟!!) بواسطة رئيس النيابة... الذى كان سكرتيرًا لنادى القضاة قبل الانتخابات الأخيرة. مع تحياتى».
وصورة الوثيقتين منشورة ص 107 بكتاب المستشار يحيى الرفاعى: «استقلال القضاء ومحنة الانتخابات».
أما حكاية الانتخابات، فقد كان معلومًا للقاصى والدانى أن الحكومة بأمر الرئيس أرادت أن تتحكم فى نادى القضاة، استهدافًا للهيمنة عليهم، فتقدمت الحكومة بقائمة بمرشحيها لمجلس إدارة نادى القضاة فى الانتخابات، ضد القائمة المؤيدة لبيان القضاة الذى أقرته جمعيتهم العمومية فى 28 مارس 1968، والذى لم تفلح مساعى السيد شعراوى جمعة بتأجيله فى لقائه ـ بغرفة المداولة ـ بالمستشار ممتاز نصار بمحكمة النقض يوم 26 مارس 1968، وجاءت نتيجة انتخابات نادى القضاة يوم 21 مارس 1969 ـ جاءت كاسحة، بنجاح جميع أعضاء قائمة البيان، نجاحًا ساحقًا، وهم:
المستشارون ممتاز نصار. شبل عبدالمقصود. عبدالوهاب أبو سريع. ورؤساء المحاكم والقضاة: يحيى الرفاعى. جمال خليفة. حسن غلاب. سليم عبدالله. محمود بهى الدين عبدالله. وأعضاء النيابة: مقبل شاكر. كمال زعزوع. أحمد فؤاد عامر. مصطفى قرطام. حسن عابد.
كان هؤلاء هم أعضاء مجلس الإدارة الجديد لنادى القضاة، الذين انتخبهم القضاة يوم 21 مارس 1969، بإجماع منقطع النظير تأييدًا لبيان 28 مارس 1968 والمبادئ والمثل التى تضمها.
والتفاصيل بكتاب «معركة العدالة فى مصر» للمستشار ممتاز نصار. دار الشروق. نوفمبر 1974.
وقامت الدنيا ولم تقعد.
فكانت المذبحة التى قيض للعدالة أن تخرج فيها منتصرة، وأن تخصص أكبر قاعة لمحكمة النقض باسم المستشار عادل يونس رئيس محكمة النقض الذى طالته المذبحة، والمستشار محمد عبدالسلام النائب العام الذى أزيح من منصبه، فضلا عن المستشار محمد وجدى عبدالصمد.
ومع أن المذبحة سارت بأنبائها الركبان، إلاّ أن عودة الوعى تراخت حتى تفاقمت الأحداث والنتائج وكتب توفيق الحكيم ما أقام الدنيا ضده!
ولم تهدأ أو تسكن قط محاولات التطويع والهيمنة على القضاء وضرب استقلاله لحساب السلطة التنفيذية، وسوف يرى القارئ أثرًا من هذه الآثار فى واقعة أورد الأستاذ توفيق الحكيم تفاصيلها ومحاضر التحقيق التى شملتها، فى الكتاب الموازى: «وثائق فى طريق عودة الوعى!».

التعليقات