زلازل «الفوضى الخلاقة» - سمير العيطة - بوابة الشروق
الجمعة 19 أبريل 2024 11:19 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

زلازل «الفوضى الخلاقة»

نشر فى : الأحد 4 فبراير 2024 - 8:10 م | آخر تحديث : الأحد 4 فبراير 2024 - 8:10 م
أخذت جمهورية جنوب إفريقيا وحدها، وليست أية دولة عربية، المبادرة فى الشكوى على إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية لارتكابها جريمة الإبادة الجماعية. إن هذه المبادرة شكلت منعطفا ضخما وصف بالـ«زلزال» على صعيد الجغرافية ــ السياسية العالمية. وليس لكون أن محكمة العدل الدولية قادرة على إلزام إسرائيل بوقف الحرب، بل لأن البلد الذى عاش طويلا نظام تمييز عنصرى (أبارتايد) وتحرّر منه هو الذى يرفع الدعوى ويفضح إسرائيل كنظام تمييز عنصرى يرتكب إبادة جماعية.
ليس هناك إدانة صارمة من المحكمة لأن زمن القانون أبطأ بكثير من زمن الحرب والإبادة. ولكنّ قرارات المحكمة، وبشبه إجماعٍ من القضاة، حول إجراءات احترازيّة كانت وحدها كفيلة، لو أن هناك حقّا ما يسمى «مجتمع دولى»، لأن يأخذ مجلس الأمن قرارا يُلزِم إسرائيل بوقف الحرب. لم يحصل هذا كما فى حال 45 مشروع قرار لمجلس الأمن أدانوا إسرائيل واستخدمت ضدها الولايات المتحدة حقها فى النقض. هكذا لم يتمّ الأخذ بقرارات الجهاز القضائى ولا الـ«الجهاز التشريعى» للأمم المتحدة، وهذا الأخير هو الجمعيّة العمومية، التى صوتت أيضا لوقف الحرب. ليظهر جليا خلل التركيبة الأساسية للأمم المتحدة، أن مجلس الأمن وأعضاءه الدائمين هم وحدهم أصحاب القرار... هذا إذا تم تنفيذه. فكم من قرارات ضربت بها إسرائيل عرض الحائط.

• • •

كان رد إسرائيل على هذا الزلزال الجنوب إفريقى والقضائى اتهّام 12 موظّفا فى منظمة غوث اللاجئين، الـUNRWA، بين ثلاثة آلاف ما زالوا محاصرين فى غزّة، بأنّهم شاركوا فى عملية طوفان الأقصى فى 7 أكتوبر 2023. هكذا ودون تحقيق وبعد إعلان الأمين العام مقتل أكثر من 150 موظفا للأمم المتحدة فى حرب الإبادة وفى خضم الأزمة الإنسانية الكارثية للشعب الفلسطينى قطعت الولايات المتحدة وألمانيا وسويسرا وكندا وهولندا وبريطانيا وإيطاليا وأستراليا وفنلندا وفرنسا واليابان تمويلها للمنظمة الدولية. هذا علما أنّ مساهمات هذه الدول تشكل معظم تمويل المؤسسة الأممية. وهكذا دون أن تُعلِن أية دولة عربية قادرة أنها ستعوض هذه المساهمات.
شكل هذا زلزالا آخر فى الجغرافية ــ السياسية مع سرعة قرارات أحادية الجانب تجاه آلية أو زمن قضائى وتجاه مؤسسة للأمم المتحدة. زلزال لم يجعل الأمين العام يدافع بقوة عن إحدى مؤسساته، رغم أن الـUNRWA أوقفت عمل المتهّمين الـ12 بانتظار التحقيق. هذا وفى الوقت الذى وضعت فيه محكمة العدل الدولية حرية تأمين المساعدات لأهالى غزّة كأحد قرارات إجراءاتها الاحترازيّة.
هذا الزلزال الثانى له أيضا دلالاته. فصحيح أن عملية «طوفان الأقصى» أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمى، لدرجة أنها ستلعب دورا فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وهذه سابقة لأى حدث خارجى فى تاريخ الولايات المتحدة، إلا أن مجموعة من الدول النافذة تذهب بالمقابل مع إسرائيل إلى... تصفية هذه القضية الفلسطينية.
لا تلعب الـUNRWA دور تقديم خدمات الدولة الأساسيّة للشعب الفلسطينى، من تعليمٍ وصحّة وغيرهما، فى غزة وحدها بل أيضا فى الضفة الغربية، حيث تحتجز إسرائيل تمويل «السلطة الفلسطينية»، وفى الأردن ولبنان وسوريا وغيرها، التى تحملت أعباء كبيرة منذ 1948 وأضحت اليوم كمؤسسات دول... «هشة». بالتالى ستذهب تداعيات وقف التمويل إلى أبعد بكثير من فلسطينيات وفلسطينيى غزّة.
وواضح أنّه لا يُمكِن تصور أن ما تسعى إليه الولايات المتحدة من تطبيع كامل بين إسرائيل ودول الخليج، وخاصة المملكة العربية السعودية، والمفترض أن يُبتّ به خلال شهرين، دون أخذ القضية الفلسطينية إلى أرضيّة مختلفة عما هى عليه واقعيا منذ 1948.
تتحدّث الدول النافذة نفسها التى قطعت التمويل أن الأرضية هى حل الدولتين عبر مؤتمر دولى، واضح أنه لن يكون للأمم المتحدة سوى مقعد رمزى فيه. فى حين تعلم جيدا أن غزة هى المكان الوحيد التى يمكن أن يكون لهذه الدولة أرضها، إذ لا مستوطنات، وبالمناسبة بفضل التضحيات الكبرى التى قدّمها فلسطينيّو غزّة لسنين طوال. أما فى الضفة الغربية، فستتطلب معادلة الدولة والشعب والأرض أن يتم إلغاء نظام التمييز العنصرى وتفكيك المستوطنات، كلها أو معظمها، وعودة عن اعتراف الولايات المتحدة بضم القدس الشرقية إلى إسرائيل.
لا يبدو أن هذا هو حقيقة المنحى المتبع حاليّا. حتى ولو أُنجِز وقف إطلاق النار الذى يتم التفاوض عليه. فى حين تتسارع وتيرة حربين فتحتهما حرب غزة، وتخوضهما الولايات المتحدة، حرب فى اليمن وباب المندب، وحرب فى سوريا والعراق.
اللافت أن الخروج من الإبادة الجماعية إلى السلام والحلول يتطلّب فى هذه المرحلة من التاريخ التعامل مع هيمنة منطق مبنىّ على أسس متطرفة ودينية ومذهبية لدى جميع الأطراف. منطق يهودىّ ــ سياسىّ متطرف فى إسرائيل، لم يعُد مقبولا من قبل الكثير من يهود الولايات المتحدة. ومنطق مناهض للإسلام فيما يسمى الغرب بشكل عام ضمن توجّهٍ يمينى سائد، تحالف فيه اليمين المتطرّف مع الحركة الصهيونية، على عكس تاريخ بدايات تلك الحركة. هكذا أضحت ألمانيا، المسئولة تاريخيا عن المحرقة اليهودية هى الأكثر تحمسا لدعم حكومة إسرائيلية متطرفة. وفى المقابل، صعد الإسلام السياسى الإخوانى بدعم من تركيا وقطر، بعد تراجع الإسلام السلفى المتطرف. وصعدت الشيعية السياسية بدعم من إيران. وتعاظم زخم القومية الكردية المتطرفة بدعم من هذا وذاك.
فكيف يتم تحكيم العقل عندما يتصرف الجميع بمنطق فئوى وليس بمنطق الدول والشعوب على تنوعها، انطلاقا من الولايات المتحدة التى يُعلن وزير خارجيتها أنّه يتصرّف كيهودى... وليس كوزير خارجية الولايات المتحدة.
• • •

هكذا يبدو أن العالم اليوم فى فترة من التاريخ لا يحكُم مجرياته سوى منطق القوة والنفوذ والصمود، دون أية اعتبارات إنسانية أو لقانونٍ دولى. وهذا يبدو جليا من الصراع حول أوكرانيا إلى القضيّة الفلسطينية وإعادة صياغة العالم العربى ووصولا إلى الصراع بين الولايات المتحدة والصين. لم يعُد للأمم المتحدة فيه من دور سوى تخفيف المعاناة الإنسانية ولو مرحليا بانتظار تغيُّر موازين القوى، وما يرمز إليه مشهد الصراعات القائمة.
منطق القوّة هذا ليس حكرا على الدول وجيوشها ومؤسساتها، بل يمرّ أيضا عبر ميلشيات وحروب غير متكافئة، لا تكسب الدول بالضرورة معاركها مهما بلغ مدى جبروتها. فهل كسبت إسرائيل كـ... دولة معركتها مع غزة رغم حجم قوتها والدعم الخارجى؟ ليس أكيدا.
لقد تحققت «الفوضى الخلاقة» وبشكل أوسع مما هدف إليه منظّروها. وفرضت منطق القوة فى كل مكان، حتى داخل الدول التى دعت إليها... بانتظار وعى على مستوى عالمى للخروج من منطق «الفوضى» و«الهشاشة».
سمير العيطة رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية ــ ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب
التعليقات