رجعت الشتوية - تمارا الرفاعي - بوابة الشروق
الجمعة 14 مايو 2021 10:52 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


رجعت الشتوية

نشر فى : الخميس 5 نوفمبر 2015 - 1:15 م | آخر تحديث : الخميس 5 نوفمبر 2015 - 1:15 م

يفاجؤنا الخريف متسللاً ذات يوم جمعة إلى بيوتنا عبر شباك ربما نسيناه مفتوحا قبل أن ننام. نستيقظ على نسمة باردة تداعبنا فنشد الغطاء آملين أن تنسانا والدتنا لدقائق إضافية، ولا تستعجلنا فى الذهاب إلى المدرسة. نفتح أول عين فنرى أنفسنا فى سرير ليس سرير الطفولة. نفتح العين الثانية فيتلاشى باص المدرسة وسندويشة اللبنة ورائحة صابون الحلاقة الليمونى الآتى من عند والدنا.

للخريف مذاق آخر، ثمة ما يموت ببطء وجمال، عشاء أخير صاخب يتقلص فتجد نفسك وحيدا على مائدة هجرها الأصدقاء. فى المدينة الفوضاوية الخالية تقريبا من الشجر، تداعب رائحة الأرض المبللة بالمطر أنوفنا، تتمشى الغيوم بدلال فى السماء، رمادية وسمينة. نستيقظ يوما فنعرف أن الصيف قد ولى وولى معه ذلك الشعور بعدم الاكتراث، الذى يتهيأ لنا أنه غالبا ما يصاحب الصيف.

•••

فى صباح كهذا، تغنى فيروز «رجعت الشتوية» فتعيدنى إلى مطبخ بيتنا فى دمشق، يستحضر صوتها رائحة النعناع الأخضر وزيت الزيتون، فأسمع طرطقة الأوانى وصوت دق الجوز بمدقة خشبية صغيرة. هذا موسم الباذنجان، حين تنهمك الدمشقيات بصنع المكدوس، فتحفرن الباذنجان الصغير بغرض حشوه بالجوز والفليفلة وإغراقه بزيت الزيتون النىء فى مطربانات تكون بيته لشهور السنة القادمة. أذكر المطربانات الكبيرة التى كانت تقريبا بطولى وأنا طفلة، متراصفة على حافة شباك المطبخ فى بيت جدتى. المكدوس أكلة شامية بامتياز، وضيف يومى على طاولة الإفطار فى دمشق، حيث يتم التقاط باذنجانة أو اثنتين من المطربان مع رعاية أن يسكب بعضا من زيتها عليها فى الطبق، فتغمس فيه قطعة الخبز. الزيت أحمر من أثر لون الفليفلة الحمراء، وجلد الباذنجان يذوب فى الفم بعد عدة أسابيع من كبسه فى زيت الزيتون.

فى موسم الباذنجان، يلبس الأطفال قميص الفانيلا القطنى تحت ملابسهم، إيذانا بعودة الشتاء وإيمانا من أمهاتهم بضرورة تدفئة المعدة بالفانيلا. نخرج من البيت صباحا نجرى فتلهث وراءنا أمنا «ما تنسوا تاخدوا جاكيت»، نتجاهلها ونندم لحظة خروجنا للشارع. ننظر للأعلى فنرى وجهها يتلاشى وراء البخار المتجمع على زجاج النافذة.

•••

«يا حبيبى الهوى غلاب، عجل وتعى، السنة ورا الباب» تنادى فيروز، سنة أخرى مبنية للمجهول يعيشها السوريون فى الداخل وفى الشتات. خريف آخر يفرش أمامهم أوراق أحلامهم التى تساقطت فيضطرون أن يدوسوا عليها حتى يستمروا فى الحياة. تتكرمش صور من الماضى تحت أرجلهم، تتطاير أمامهم، يتلاشى معها البيت والجدة والدخان الخارج من ابريق الشاى على النار. تتراقص ذكرياتهم أمام أعينهم فيشيحون بوجههم عنها حتى لا تعطلهم عن التركيز. يحتاج السورى اليوم صبر أيوب وعضلات هرقل ليواجه خيبته وفقدانه. حتى أنه بدأ ينسى بعض تفاصيل حياته السابقة: هل كانت صورة العائلة فى إطار على الحائط أم على الطاولة؟ هل كانت مواعين الطعام فى رف على يمين الثلاجة أم على يسارها؟ هل البقال الذى فى آخر الشارع يبيع أيضا الخضارالطازجة أم فقط المواد المغلفة؟

هى تفاصيل قد تبدو تافهة وصغيرة فى ضوء الحرب الطاحنة التى تتعرض لها البلد، لم يبقَ لا أخضر ولا يابس وما زال البعض مصر على أن يتذكر مكان اللوحة فى منزله. يجتمع قادة العالم وعرابى الحرب فى عاصمة تلو الأخرى ليناقشوا سوريا وسوريا خرجت من يد أهلها، كل ما يريده أهلها اليوم هو الحفاظ على بعض ما يتذكرونه عن أول يوم للعيد فى بيت العائلة الكبير، أو صوانى المعمول بالفستق التى تخرج من فرن المطبخ فيذهب أول طبق منها لبيت الجيران «لأنه عيب ما نضيف الناس بالبناية».

يداعب الخيال ذاكرة السورى فينتج عن زواجهما صورا ممزوجة، نصفها حقيقى ونصفها الثانى متخيل. قد تكون الحارة أضيق من تلك التى نتذكرها، قد تكون الخالة العجوز أقل فظاظة من تلك التى فى ذهننا، قد تكون حياتنا السابقة فى ذاكرتنا ونحن فى الغربة أجمل مما كانت عليه فعلا حين كنا هناك. نتمسك بقصص لم نعرها انتباها من قبل، نسأل عن أقرباء رحلوا من زمان، نعيد نسج قصتنا وسرد حياتنا كلما التقينا بشخص يسألنا «شو أخبار البلد من عندك؟». السؤال أصبح مجازيا فلكل سورى قصة ولكل عائلة كنز من الذكريات تخاف عليه من الاهتراء من كثرة ما فتحته آخر أربع سنوات، حتى أصبحت ربما أكثر جملة تعبر عن حال السوريين هى «رافقتكم الذكريات».

تمارا الرفاعي كاتبة سورية
التعليقات