سقط سهوًا - داليا شمس - بوابة الشروق
الإثنين 18 يناير 2021 12:13 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع وصول منتخب مصر لنهائي كأس العالم لكرة اليد؟

سقط سهوًا

نشر فى : الأحد 6 أبريل 2014 - 6:20 ص | آخر تحديث : الأحد 6 أبريل 2014 - 2:02 م

أترك نفسى لخيالات الموت والعزاء وأنا أطالع صفحات الوفيات فى الجريدة اليومية. قليلا ما تجد صورة ميت مقبل على الحياة.. معظمهم يبدو عليه الوقار.. نزل عليهم وقار الموت وكأن الصور أخذت فى الاستوديو نفسه، وكتبت إلى جانبهم عبارات افتتاحية للعظة مثل إن لله وإنا إليه راجعون أو مع المسيح ذاك أفضل جدا.

طريقة الكتابة والصيغ البلاغية للرثاء تختلف بالطبع من عصر لعصر لكن لا تخلو من النمطية، والنعى الكلاسيكى يشمل خمسة أجزاء: الإعلان عن اسم المتوفى، لمحة بسيطة عنه أو وظيفته، معلومات عن العائلة الأحياء منهم والأموات، ثم فى النهاية موعد العزاء والصلاة والعنوان التلغرافى، إلا أنه فى كثير من الأحيان يتم اختصارها، ويقتصر عدد الكلمات على ما قل ودل نظرا لارتفاع التكلفة. أما إذا قرر الأهل وضع صورة أو شريط أسود أو برواز لتحديد المساحة، فلا مجال هنا لضغط النفقات ولا رغبة فى ذلك، وهذا مفهوم لأن الموت على هذه الصفحات هو مناسبة اجتماعية، حتى لو حزينة.

•••

وماذا لو سقط اسم أحدهم سهوا من نعى آخر؟ البعض يعطى للأمر أهمية رغم ربكة الموت، ويضطر إلى استدراك الخطأ، فيدفع المزيد من المال ويوضح فى اليوم التالى أن فلان سقط سهوا، وأنه من أعيان البلد ورجالات الأسرة المهمين، على سبيل رد الاعتبار.. وكأن عدم ذكر اسم هذا الشخص أو ذاك يجعله غير موجود فى سجل الأحياء والأموات، لأن صفحات التعازى ترصد علاقات ومصاهرات ومجاملات وتربيطات عمل ومصالح.. ومجرد متابعة ما ينشر عند وفاة إحدى الشخصيات العامة قد يمكننا جزئيا من الوقوف على أحد أبواب التاريخ السرى للمجتمع ودراسته على نحو شيق، فالوجوه التى يعلوها شريط الحداد الأسود كان لها سلسلة من العلاقات المتشابكة لا يمكن أن تسقط سهوا ولا بالتقادم. صعود طبقة.. معاناة أخرى كموظفى الجريدة الذين ينشر نعيهم بالمجان فى نهاية الخدمة.. ظروف اقتصادية تجعل صفحات الوفيات تبحث عن زبائن، مثلما حدث مؤخرا، فى حين لا يجد المعلن مساحة مناسبة أيام الرخاء.. كلها إشارات حول أوضاع فترة زمنية ومن عاصروها.

•••

وبما أننا نعيش زمن الإنترنت فقد حلت المواقع الإلكترونية محل الصحف الورقية فى العديد من الدول الغربية، وأصبح بإمكان أهل المتوفى اللجوء إلى هذه الصفحات المتخصصة للإعلان عن موعد دفن ذويهم وتأبينه بشكل قد يبدو أكثر تفاعلية.. وهنا يلزم الدارس لصفحات التعازى أن يبحث بطريقة مختلفة فى أرشيف الموتى ليجد ضالته، ويكون صورة أقرب إلى الواقع الذى رغم كونه متغيرا إلا أنه يظل يعبر فى مصر عن مجتمع شرقى يهتم بالمشاعر والمظاهر والرياء. لا يوجد لدينا مثلا من قرر أن يعترف فى نعيه ــ الذى كتبه بنفسه ــ بما اقترفه من آثام وخطايا فيقول إنه لم يحصل قط على درجة الدكتوراه وإنه لا يستحق لقب دكتور الذى طالما ناداه به الناس، كما فعل ــ فال باترسون ــ أحد المتوفين فى الولايات المتحدة الأمريكية قبل عدة سنوات. وقد وضع صورة ضاحكة، لأنه يريد أن يتذكره المقربون بهذه الابتسامة الساخرة.. أما نحن فنفضل الميلودراما والاختباء تحت عباءة الموت.

•••

الدارس للفترة الحالية والمعاصر لها سيعى جيدا كلام الشاعر فؤاد حداد عن أيام العجب والموت، ويفهم أيضا ما يقوله عندما يذكر فى قصيدة «أمل» «أن الجو مش أخضر والموت ماهوش فى صفحة الوفيات»، بل الموت يحدق بالكثيرين فى كل مكان، على الطرقات والشرفات والشوارع، وأن هناك بشرا يسقطون سهوا كل يوم دون أن يستدرك أحد الخطأ، وأنه «لابد من اتنين، الجوع وناكل، العطش ونشرب، الحياة والموت، الهزيمة وننتصر».

التعليقات