المعافرة أسلوب حياة - داليا شمس - بوابة الشروق
الأحد 25 يناير 2026 1:17 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار حسام حسن في الإدارة الفنية للمنتخب؟

المعافرة أسلوب حياة

نشر فى : السبت 24 يناير 2026 - 7:40 م | آخر تحديث : السبت 24 يناير 2026 - 7:40 م

 

تستدعى الناقدة والكاتبة الصحفية الكبيرة عبلة الروينى نمور القاص السورى، زكريا تامر، لكى تلخص مسيرتها المهنية وصيغة المعايشة مع الواقع التى حكمت علاقتها بالآخرين، فبعد مشوار طويل من الشد والجذب والمعافرة كان إصرارها أن تكتب دوما ما تريد و«هم ينشرون ما يريدون»، وأن تحتفظ بصلابة «الامتناع عن أكل التبن». وهى تشير هنا إلى مجموعة زكريا تامر القصصية «النمور فى اليوم العاشر»، يوضع لها التبن لتأكل، لكن النمور بطبيعتها لا تأكل التبن، تمر الأيام ولا يقدمون لها سوى التبن.. بعد عشرة أيام من التجويع والألم، تضطر النمور قهرًا إلى أكل التبن، بعد أن فقدت ما تبقى لها من ملامح وخصوصية، أما هى فقد اختارت ألا تأكل التبن مهما حدث، ودون إحساس بالغضب أو الظلم. تردد المعنى ذاته بطرق متنوعة عبر كتابها الذى صدر أخيرًا عن دار الشروق «لا سمع ولا طاعة»، مؤكدة: «عندما أنظر إلى الوراء.. أشعر بالكثير من الرضا». تشرح آثار المنع ومناخ التضييق العام على أسلوبها وعلى جهازها العصبى، فتقول إن ذلك كله كفيل أن يعرقل الروح ويؤدى إلى تراجع الشغف والطموح ويفسد الكتابة. ثم تعود وتكرر«لا كتابة دون حرية» فى مواضع مختلفة من مؤلفها الذى يروى بالأساس سيرتها المهنية، لكنه دون شك يقدم شهادة مهمة على المشهد الثقافى والصحفى خلال الفترة التى ترصدها بدقة بعينى طائر. ذلك الطائر المحلق على الدوام الذى كانته ولم تزل، إذ بدأت فصلها الأول بمقاربة مع إيكاروس، الطائر الأسطورى الذى تملكته رغبة شديدة فى التحليق قرب الشمس وملامسة حدود السماء، و"رغم أن أشعة الشمس أذابت الأجنحة الشمعية، ليعود الطائر دائما إلى أرض الواقع"، فإن حلم الطيران والتحليق بعيدا ظل يروادها، كلما ازداد القيد والحصار تضاعف إصرارها على مقاربة الشمس.


• • •
هذا الملمح الأساسى فى شخصيتها جعلها غير صالحة لتكون كادرا منتظما داخل أى جماعة سياسية، وغير صالحة للاندراج تحت أى عنوان، كما تشير بوضوح وهى ترسم ببراعة وسلاسة صورتها الذاتية، ومعها يأتى ذكر الكثيرين ممن صادفتهم من كبار المثقفين مثل لويس عوض وأنور عبدالملك ومحمد عودة وإبراهيم فتحى. تروى لنا عنهم وعنها. منذ الصفحات الأولى للكتاب تُعرِف نفسها للقارئ الذى ربما لا يعرفها، لكنه قطعًا سيستمتع بحكايتها التى تسردها بحنكة الكاتبة الصحفية التى تجيد ترتيب الأفكار وتنطلق من نقطة إلى أخرى بسهولة ويسر. نتابعها وهى تلميذة صغيرة فى مدرسة فرنسية للراهبات، تضع رأسها فوق «الديسك»، وتغمض عينيها وتذهب إلى الحلم. تتحرك فى الطابور وتردد النشيد وتفضل أن تذهب إلى الكنيسة مع زميلاتها المسيحيات بدلا من أن تلعب فى الفناء «لا منع و لا إجبار حتى لا يشعر أحد بالتمييز»، ببساطة كانت تحب الصور الملونة على جدران الكنيسة والموسيقى والغناء، فهما جزء لا يتجزأ من تكوينها... ثم يأتى دور المراهقة المتفوقة التى تكتشف تدريجيًا عوالم المؤلفين الكبار: توفيق الحكيم الذى فتح لها أبواب المسرح ومحبته، وطه حسين الذى جعلها تدرك مبكرا قيم الحق والعدل والحرية، ونزار قبانى الذى كانت تحفظ أشعاره وتعشق جرأته. كانت لها دومًا علاقة وثيقة بالشعر، ففى السادسة أو السابعة من عمرها اعتادت الجلوس إلى جوار والدها فى طقس يومى مصحوب بالحكايات وأشعار بيرم التونسى التى لا تزال تحفظ الكثير منها، ثم تمر السنوات وتتزوج أمل دنقل، «أمير شعراء الرفض»، وأحد أبرز مثقفى جيل الستينيات، الذى يظهر كطيف فى الكتاب، يأتى ذكره فى مواقف مختلفة دون إلحاح، لكنه غائب حاضر طوال الوقت. جمعتهما قصة حب فريدة، قبل أن يخطفه ملاك الموت فى الثمانينيات. نشعر بأنها تفتقده كما تفتقد والدها المهندس الميكانيكى الصارم المفتون بالشعر وصوت عبدالوهاب.


تقدم نفسها باستمرار بوصفها ابنة الحقبة الناصرية التى نشأت فى زمن المكتبات العامة وأكشاك الموسيقى وحركات الاستقلال، أسهم كاسترو وجيفارا ونهرو ومانديلا وصلاح جاهين وعبدالحليم حافظ فى تكوينها. سيدة تقف فى المنتصف بين أغنيتين «والله زمان يا سلاحى» و«أنا لك على طول»، وتتساءل وهى فى عقدها السابع: «هل كان مشوارى رومانسيا إلى هذه الدرجة؟». أطلقت على الفصل الذى خصصته لتجربتها فى صحيفة «أخبار الأدب» عنوان «كتابة تشبه كاسترو»، فالمطبوعة الثقافية الأسبوعية التى أسسها الكاتب جمال الغيطانى عام 1993 مثلت مشروعًا تقدميًا بفضل مرونته فى ضبط المسافة بين الثقافة والسلطة، وذلك رغم صدورها عن مؤسسة يمينية، وهى «الأخبار». دخلت عبلة الروينى هذه المؤسسة كمتدربة عام 1977، لذا تعرف جيدًا ما لها وما عليها، تروى فى كتابها: «لم أكن شيوعية، ولم أصبح.. لم أكن شيئًا، مجرد فتاة تخرجت قبل أسابيع فى قسم الفلسفة بكلية الآداب، قليلة الخبرة، كثيرة الدهشة، ترتدى الأحمر دون وعى بدلالاته الخطيرة!». هذا التنميط صاحبها على مدى مسيرتها المهنية التى امتدت 45 عامًا، فقد اعتبرها الرقباء المتتالون «صاحبة توجه»، كأنها «امرأة لها ماضٍ»، كما تقول ساخرة من أدائهم الميلودرامى، «تحافظ بأمانة على جهامة ثقافة اليسار».


• • •
اشتغالها بالثقافة سمح لها بأن تظل خارج المتن، على هامش الهامش، لكن حين بدأت فى كتابة عمود يومى بعنوان «نهار» فى جريدة "الأخبار" صارت تشتبك أكثر مع موضعات اجتماعية وسياسية، وبالتالى ازدادت وتيرة المنع والحذف. حاولت اعتماد نظرية «تبريد اللغة»، وهى تقنية جمالية يلجأ إليها بعض الشعراء، يتخلون عن الحليات والزخارف بحثًا عن نقاء اللغة، وتسمح فى حالتها بتمرير الفكرة فى هدوء، لكن ذلك كان ضد طبيعتها وأصابها بالجفاف. التزمت بالحفاظ على مسافة من كل المؤسسات التى تعاونت معها ومن مسئوليها، لكنها فى النهاية اضطرت إلى التوقف عن الكتابة وغادرت بيتها «الأخبار» للمرة الأخيرة دون ضجيج ولا ندم فى نوفمبر 2024، بعد معافرة طويلة مع ممثلى الرقابة العشوائية على مر العصور، فالرقيب ليس مجرد شخص، لكن عقلية ومناخ وحسابات ومصالح. أفردت الروينى فصلًا كاملًا لفترة حكم الإخوان المسلمين الذين أقصوها من منصبها كرئيسة تحرير لأخبار الأدب، فصل تتحدث فيه عن «الفئران المذعورة» وعن علاقة المثقف بالسلطة وقرار نزوله إلى الشارع وكسر حاجز الخوف.

التعليقات