الضربة القاضية - داليا شمس - بوابة الشروق
الأحد 8 فبراير 2026 12:21 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد أزمة إمام عاشور.. ما تقييمك لعقوبة الأهلي؟

الضربة القاضية

نشر فى : السبت 7 فبراير 2026 - 5:55 م | آخر تحديث : السبت 7 فبراير 2026 - 5:55 م

صورة ترامب فى هيئة ملاكم، متشبها بشخصية روكى الشهيرة، والتى وضعها من فترة على حسابه بشبكة تويتر (المعروفة حاليا باسم إكس) تختصر المسافات وتلخص الكثير من المعانى. هناك علاقة خاصة جدا تربط بين الرئيس الأمريكى والممثل سيلفستر ستالون الذى جسد شخصية الملاكم روكى فى سلسلة من الأفلام وصل عددها إلى سبعة أجزاء، كان أولها سنة 1976. فى العموم تم توظيفها سياسيا بدرجة كبيرة، فقد عكست منذ إصدارها وضع الولايات المتحدة الأمريكية داخليا وخارجيا على مدار سنوات طويلة وطريقة تعاملها مع الواقع، لكن اعتُبِر الجزء الرابع الذى ألفه ستالون بنفسه عام 1985 هو الأكثر دعائية وتم تصنيفه ضمن أفلام البروباجندا التى برع الجمهوريون فى استخدامها لتوجيه رسائل سياسية معتمدين على وسائل الترفيه والقوة الناعمة. لأن الملاكم الذى لا يتميز بطريقة لعب فنية ينجح فى الانتصار على خصومه بسبب تركيزه على مفهوم القوة وقدرته على المثابرة والتحمل. ومن خلاله تهزم أمريكا على الشاشة كل أعدائها الذين اختارتهم لنفسها فى عهد رونالد ريجان وسنوات حكمه التى اتسمت بالمحافظة والتقليدية إلى حد كبير، فقد هزم روكى نظيره الروسى على الحلبة، كما انتصر للرجل الأبيض بعد سنوات من تصدر أبطال ونجوم الملاكمة أصحاب البشرة الداكنة والأصول الإفريقية، خاصة محمد على كلاى الذى ناضل لدعم الأقليات وحركات التحرر، كما حجم دور المرأة بما يتناسب مع الأفكار الذائعة وقتها وإعلاء القيم الذكورية.


بدأ إصدار سلسة الأفلام فى عهد الرئيس الجمهورى جيرالد فورد خلال فترة كان المجتمع الأمريكى فى أزمة بعد ضربات متتالية: فضيحة ووترجيت (1972) وتداعيات ارتفاع أسعار النفط (1973) ونهاية حرب فيتنام (1975)، وكان على روكى أن يعيد الثقة إلى شعب يريد أن يستجمع قواه ويتأهل للبطولة. وهو ما تحقق عبر الجزء الرابع من الفيلم خلال الحرب الباردة وعهد ريجان ــ الرئيس الجمهورى ــ فكان بمثابة إعلان عن قرب تفكك الاتحاد السوفييتى السابق وسقوط جدار برلين. وعلى هذا النحو، استمر روكى فى مواكبة الأحداث صعودا وهبوطا وعمل على ترسيخ صور بعينها تتناسب مع الأهداف السياسية لكل مرحلة وترويها بشكل درامى، حتى يمكننا القول إنه حدث نوع من التماهى بين الحلبة السياسية وحلبة الملاكمة، وهو أمر له جذور تاريخية قديمة ترجع لأيام الإغريق واليونان، إذ ارتبطت اللعبة بالتدريب على الأشكال القتالية والاستعداد للحرب، وشكلت نوعا من المواجهة الممسرحة وفق طقوس وقواعد محددة. وذلك قبل انتشار الملاكمة الإنجليزية الكلاسيكية التى عرفها العالم منذ القرن الثامن العشر وتم اعتمادها كرياضة أوليمبية منذ عام 1904.


• • •
دعم الممثل سيلفستر ستالون حملة ترامب الانتخابية كمرشح للحزب الجمهورى وقارب بين مسيرته والمشهد الافتتاحى للجزء الأول من سلسلة «روكى»، الذى تركز فيه الكاميرا على لوحة فنية تصور قيامة السيد المسيح، قبل أن تنتقل إلى البطل على حلبة الملاكمة. شبه ستالون حينها ترامب بالمسيح وروكي، واعتبره بطلا أسطوريا قادرا على أن يغير وجه العالم، وقارنه أيضا بالرئيس جورج واشنطن، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية وأول رؤسائها. أما ترامب، فقد أعلن فى يناير 2025 عن اختيار ستالون (79 عاما) سفيرا خاصا لهوليوود، ثم قام بتكريمه فى شهر أغسطس الماضى خلال احتفالية جوائز مركز كينيدى، تقديرا لمسيرته الاستثنائية وتأثيره فى الثقافة الأمريكية عبر أدواره «الأيقونية» فى سلسلتى «روكى» و«رامبو». وهو أمر منطقى تماما، إذ يجسد ترامب سياسة القوة ذات الميل الاستعراضى الذكورى والنزعة القومية الواضحة تحت شعار «أمريكا أولا». أسلوبه يشبه كثيرا «روكى» و«رامبو»، أداء هجومى، بل عدوانى أحيانا، وقدرة على تحدى القوانين والمؤسسات التقليدية، وخطاب مباشر يسعى لمغازلة الناخب أو المواطن الذى يدغدغ مشاعره التباهى بالقوة والعضلات.


وصفه سيلفستر ستالون فى أحاديثه بأنه يتصرف على غرار أبطال أفلام السينما حيث تمتزج الدراما والإثارة والمغامرة. وهو ما يؤكده أيضا المراقبون والمحللون السياسيون الذين يبرهنون على استخدام ترامب لرمزية شخصيات مثل روكى ورامبو للدلالة على قدرة بلاده على خرق جميع القواعد المتعارف عليها من أجل إحراز الفوز فى النهاية. لذا فقد أعلن صراحة إعجابه الشديد بلعبة الملاكمة والأفلام العظيمة التى تناولتها خلال كلمة ألقاها لتكريم ستالون، ويطل علينا من وقت لآخر على حساباته الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعى وهو يرتدى ملابس أبطالها. يحلم كغيره من السياسيين أن يسدد الضربة القاضية إلى خصومه، فيشل حركتهم ويسقطون على الأرض أمام عينيه وعلى رءوس الأشهاد، فتكون هزيمتهم علانية ومسجلة للتاريخ.


• • •
الرغبة فى التفوق وتجاوز الحدود وتسجيل النقاط وإحراز الفوز فى أى صراع تتملك البشر وخاصة من يعملون بمضمار السياسة، لذا تجذب بعضهم لعبة الملاكمة بما تشتمل عليه من حنكة وتحديد أهداف استراتيجية وتحقق وعنف مُقَنن ومُمَوه. وقد رأينا فى الآونة الأخيرة صورا للعديد من الرؤساء والقادة بالقفازات والزى الرياضى يسددون الضربات واللكمات الخطافية لكيس الملاكمة. وأحيانا تنتشر هذه الصور قرب موعد الانتخابات وخلال الأزمات. من ناحية يحاولون التقرب إلى الشعب أو الظهور على هيئة أبطال، ومن ناحية أخرى تساعدهم على التخلص من الضغوطات وتفريغ الطاقة، هم أيضا بحاجة للتدريب على كبح الغضب والسيطرة على النفس وحسن إدارة الوقت وتوخى الحذر. وبشكل عام لوحظ تصدر الملاكمة للمشهد السياسى منذ عام 2010، مع بروز حركة «الياقات البيضاء» التى أعادت للعبة بعضا من أصولها الأرستقراطية بعد أن ارتبطت لسنوات بعامة الناس وصارت رمزا للصعود الاجتماعى، بالمعنى الذى تناولته أغنية «إتقدم» فى فيلم «النمر الأسود» لعاطف الطيب.


حركة «الياقات البيضاء» جعلت الملاكمة ممارسة أنيقة من جديد، «رياضة شيك»، وصار الساسة والرؤساء يتعمدون الظهور بالقفازات لتحسين صورتهم لدى الشعب، بدلا من الركض والتنس كما فى السابق. ارتدى الفرنسى إيمانويل ماكرون القفازات ومن قبله فرانسوا هولند وجاستن ترودو، رئيس وزراء كندا الأسبق، وتلقى الرئيس بوتين قفاز ملاكمة من الألماس كهدية خلال زيارته لمعرض الرياضة الحديثة منذ عدة سنوات. وبما أننا بصدد مرحلة مختلفة من الصراع الروسى الأمريكى، فسننتظر لكى نكتشف من سيسدد الضربة القاضية. نتابع الفيلم كى نرى إذا كان روكى سيحقق الانتصار أم سيسقط مترنحا على الحلبة، فحاليا المنافسة بين الخصمين اللدودين تترك النهاية مفتوحة.

التعليقات