إذا كان للدراما المصرية هذا الحضور الفنى الكبير فى العالم العربى، فإن الفضل يعود لأجيالٍ كثيرة متتالية، أولها هذا الجيل المؤسس للدراما التليفزيونية من الكتّاب والممثلين والمخرجين، الذين عملوا فى هذا الفن الجديد، وقدَّموا أعمالًا مبكرة دخلت المنازل، وأثّرت فى المشاهدين حتى اليوم.
من بين أبناء هذا الجيل المخرج الكبير محمد فاضل، ابن الإسكندرية، الذى درس فى كلية الزراعة، لكنه عشق المسرح، وتبنّاه المخرج الرائد العظيم نور الدمرداش، وكان يخرج مسرحياتٍ لطلبة الجامعة، فمنح فاضل فرصة أن يكون مساعده فى المسرح أولًا، ثم فى التليفزيون، لينطلق ويصنع بصمته الخاصة بأعمالٍ أصبح بعضها من كلاسيكيات الدراما التليفزيونية على مرّ العصور.
لذلك سعدت كثيرًا بصدور هذا الكتاب عن دار ريشة، وعنوانه «أن ترى الحياة وكأنها دراما من إخراج محمد فاضل» للكاتب يوسف الشريف، مسجّلًا سيرة المخرج الكبير. ولم يكتفِ المؤلف بحصاد حوارات طويلة مع فاضل استغرقت عدة ساعات، بل أضاء على الكثير من الأحداث التاريخية التى وردت فى الذكريات، كما صنع يوسف الشريف بناءً سرديًّا مشوّقًا على شكل حلقات متتالية، فكأنها سيرة أستاذ الدراما التليفزيونية وقد صارت مسلسلًا ممتعًا ومتماسكًا.
جاء الكتاب حافلًا بالمعلومات والكواليس والأسرار، وأعجبنى بشكل خاص أن فاضل (من مواليد عام 1938)، الذى عاصر أحداثًا وطنية وتاريخية فارقة، قد مزج بين مسيرته الشخصية والفنية وبين مسيرة الوطن نفسه. ولم يكن هذا المزج صعبًا عليه، لأنه، وقد عرفته عن قرب، من جيلٍ مثقف يمتلك الوعى والرؤية، ولأن مسلسلاته نفسها تكاد تترجم دراميًّا التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المصرية، خاصة أنه تعامل مع «أسطوات دراما» يمتلكون الوعى نفسه والهمّ الإنسانى والوطنى، مثل: عاصم توفيق، ومصطفى كامل، وأسامة أنور عكاشة، ومحسن زايد، وعصام الجمبلاطى.
بحثت فى «الذكريات» عن إجابة هذا السؤال المهم:
كيف كسب طالب الزراعة رهان النجاح فى مجال الدراما؟
السر ببساطة فى عدة عناصر، أولها، وقبل كل شىء، هذا الحب العارم للفن. ورغم أنه ذهب إلى كلية الزراعة، فإنه انتمى بشكلٍ كامل للمسرح، وعرفه ممثلًا ومخرجًا ومساعدًا لمخرج كبير جاء من القاهرة ليقدّم خبرته لطلاب الجامعة.
لولا هذا الشغف ما كان الجهد والعمل الشاق؛ يكفى أن أذكر، مثلًا، أنه كان يسافر من دمنهور، حيث يعمل فى مجال الإرشاد الزراعي، إلى القاهرة لكى يمارس مهمته مساعدًا للإخراج. ولم تُحسم هذه الازدواجية إلا بعد تعيينه فى مسرح التليفزيون، الذى أطلق مواهب وقدرات شابة كثيرة فى مجالات فنية شتّى.
العنصر الثانى هو التعلّم، بل والاستمرار فى التعلّم. وكان التعليم وقتها يقدّم تأسيسًا جيدًا لمن يريد امتلاك مفاتيح البحث والمعرفة. ولا شك أن مولد فاضل فى أسرة تحرص على التعليم رغم كثرة الأبناء والبنات قد ساعده على ذلك، لكنه أكمل المشوار طوال حياته، سواء بالاستفادة المباشرة من أستاذه نور الدمرداش فى العمل على السيناريو المكتوب، مثلًا، مع المؤلفين، أو عن طريق بعثات للتدريب على الإخراج التليفزيونى. ولا ننسى أهمية التعلّم بالمشاهدة، وأعتقد أن الجيل الذى نضج فى سنوات الستينيات من القرن العشرين كان يجد منافذ ثقافية شبه مجانية أتاحت له معرفة واسعة تتجاوز الدراسة الأصلية.
العنصر الثالث هو الطموح المرتبط بالإمكانات، فقد فهم هذا الجيل درس «الابتكار» فى إطار الممكن والمتاح، وبأقل الإمكانات، ولكن بطموح كبير.
لم يبدأ فاضل بمسلسل طويل، بل بسهرات تليفزيونية لفتت الأنظار إلى موهبته، إلى درجة أن الرئيس عبد الناصر أعجبته سهرة أخرجها فاضل عن أبى ذر الغفاري، فأرسل إليه مكافأة مالية وعبارات شكر وتحية.
وفى إطار الإمكانات المتاحة، وُلد المسلسل الشهير الجرىء «القاهرة والناس»، بموضوعاته الحيّة وقتها، وبحرية نسبية، وبمجلس تحرير ضمّ فاضل وعاصم توفيق ومصطفى كامل، ولم يكن العمل خاضعًا للرقابة. وتدهشنا حتى اليوم معالجات المسلسل الذكية، وكل هذه المواهب التى خرجت منه، مثل نور الشريف، وأشرف عبد الغفور، وفاطمة مظهر، ونادية رشاد.
الطموح هو الذى جعل فاضل يفكر ويبحث عن المعالجات الدرامية، لا أن ينتظرها. فى الكتاب، مثلًا، سنجد اقتراحاته على أسامة أنور عكاشة باستلهام مسرحية «أنتيجون» فى عمل مصرى، وهو ما سيتحقق بعد ذلك بسنوات من خلال رائعة «عصفور النار»، واقتراحه أيضًا باستلهام قصة «اللؤلؤة» لشتاينبيك فى حلقات «وقال البحر». ويتحدث فاضل فى الكتاب عن اقتراحه بخصوص نهاية مسلسل «الراية البيضا»، التى منحت العمل طابع التحريض على مواجهة القبح.
وبسبب الطموح الفنى امتد نشاط فاضل إلى الأفلام التليفزيونية والسينمائية، بل والتسجيلية أيضًا. وما زلت أذكّره بمادة صوّرها مع الراحل الكبير بليغ حمدى فى منتصف السبعينيات، ويمكن أن تصبح فيلمًا تسجيليًّا مهمًّا. وكان هذا المشروع قد توقّف، لكن مادته النادرة ما زالت موجودة.
ولا أنسى تجربة مسرحية فريدة وطموحة عندما قدّم مسرحية فى مقهى، وحظيت هذه التجربة بكتابات نقدية طويلة وموسّعة. وكان فاضل وقتها مخرجًا تليفزيونيًّا متحققًا، لكنه كان يريد أن يبتكر ويضيف. وهو نفس الشغف الذى دفعه لإنتاج وإخراج فيلم «كوكب الشرق». وبسبب ظروف عرض الفيلم وديون فاضل للبنك، كاد أن يتعرّض للسجن، لكنه لم يندم أبدًا على تحقيق ما حلم به، مؤمنًا بأن المغامرة جزءٌ أساسى من الفن.
رهان فاضل الأهم كان دومًا على القيمة، وعلى مناقشة مشكلات المجتمع، وعلى اختيار الأنسب له وفقًا لظروفه وما يقتنع به. كثيرون لا يعرفون أن مسلسلاتٍ شهيرة عُرضت عليه لإخراجها، مثل «الشهد والدموع»، و«السيرة العاشورية»، و«نصف ربيع الآخر»، و«زينب والعرش»، ولم يتحقق ذلك لأسباب مختلفة، لكنه كان سعيدًا دومًا بتحقيق مشروعات أخرى مهمة ومعتبرة.
هذه حكاية عن قوة الدراما التى صنعت حياة مخرج كبير، ومنحته مادة ثرية لمسلسلاته الباقية.