يوسف شاهين مخرج الحركة! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الأحد 1 فبراير 2026 7:28 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد أزمة إمام عاشور.. ما تقييمك لعقوبة الأهلي؟

يوسف شاهين مخرج الحركة!

نشر فى : السبت 31 يناير 2026 - 7:15 م | آخر تحديث : السبت 31 يناير 2026 - 7:15 م

سعدتُ بالاحتفال بمئوية مولد يوسف شاهين (1926–2026)، وسعدتُ أكثر لأن إعادة قراءة واكتشاف أفلامه هى جوهر تلك الاحتفالات، بطرقٍ وتنويعات شتى.


على المستوى الشخصى، ومنذ شاهدت صبيّا فى السبعينيات من القرن العشرين أفلام «باب الحديد» و«الأرض» فى التليفزيون، وأنا أستعيد مشاهدة بعض أعماله على فتراتٍ متباعدة، وقد أتوقف عند تحليل مشاهد بعينها، وأكتشف دومًا الجديد، وبصورة تدهشنى كثيرًا.


أحد أول اهتماماتى كان تحليل «تكنيك شاهين السينمائى»، والذى يجعلنا نعرف أن الفيلم من إخراجه، حتى من دون أن نقرأ اسمه عليه. وأبرز ما يميّزه تلك الحركة المستمرة، سواء من ممثليه أو من الكاميرا أو من الاثنين معًا: الممثلين والكاميرا، بل إن شاهين من أفضل من يجيدون هذه الحركة المزدوجة، وربما لا يتفوق عليه فيها من كبار المخرجين سوى برناردو برتولوتشى.


يضاف إلى الحركة داخل الكادر السينمائى، تلك اللقطات القصيرة والسريعة، ومونتاج شاهين وصل فى ثلاثية المراجعة الكبرى، وهى أفلام «الاختيار» و«العصفور» و«عودة الابن الضال»، إلى الانتقالات الباترة والقافزة. وهذه اللقطات القصيرة تضيف بدورها حركة على حركة، وتمنح أفلام شاهين طابع الإيقاع السريع، بل واللاهث أحيانًا.


فى مقالٍ نشرته منذ فترة فى موقع «عين على السينما» عن «تأثير المسرح على سينما يوسف شاهين»، حاولتُ إيجاد تفسير لهذه الحركة المكتسحة، وكتبتُ حرفيًا: «يمكن تفسير هذه الحركة الدائمة باعتبارها انعكاسًا لشخصية شاهين نفسه، فهو شخصية ديناميكية ونشيطة، وكان من المستحيل فعلًا أن تصدق أن هذا الرجل الذى تجاوز سن الشباب يتمتع بتلك الحيوية، سواء فى مواقع التصوير أو فى ندواته ولقاءاته».


نقول دائمًا إننا نرى الفيلم من خلال عين المخرج، فإذا كانت هذه العين فى جسد لا يكف أصلًا عن الحركة، ولا يقنع بالثبات، فإن ذلك سينعكس على أسلوب الإخراج، وما الأسلوب إلا الرجل نفسه. صحيحٌ أن الدراما ومغزاها هى التى يجب أن تتحكم فى اختيار الحركة من عدمها، إلا أنه لا يمكن فى الحقيقة فصل شخصية المخرج عن أسلوبه.


ولكن ليس مستبعدًا أبدًا أن تكون هذه الحركة المستمرة، وطريقة أداء الممثلين التى تضخم الانفعال والصوت، هى أيضًا من تأثير ولع شاهين بالمسرح. فالحركة المسرحية لا بد أن تكون واضحة، حتى يراها آخر متفرج فى آخر الصفوف. لقد تم تبسيط الأداء المسرحى، كما صار انفعال الممثلين أقل مع ظهور أجهزة التسجيل الحديثة، التى تلتقط أدق الهمسات، ولكن ظل المسرح مرتبطًا بالمواقف الدرامية العاطفية القوية التى تثير التصفيق، والتى تؤثر على الجمهور. لا يعنى التعبير عن الانفعال بوضوح أن يكون الأداء مبالغًا فيه بالضرورة، وإنما يعنى أن يكون ظاهرًا وقويًا ومحسوسًا للمتفرج.


عندما أعدتُ مؤخرًا مشاهدة بعض أعمال شاهين، اكتشفتُ سببًا إضافيًا أهم وأعمق فى تفسير هذه الحركة المستمرة، والتى تتجاوز أحيانًا ما تحتاجه دراما المشهد، وقد تجعل الممثلين يلقون الحوار وهم يهرولون، أو يلقون الحوار من خارج الكادر، مما يزيد من الارتباك والتشوش. هذه الطريقة فى الحركة لا يفسرها عندى إلا ولع شاهين الجارف بالأفلام الموسيقية، فهو لم يتوقف أبدًا عن تقديم التحية للميوزيكال عمومًا.


لا أقصد بذلك الاستعراضات والأغانى فى أفلامه، ولا فيلمه «عودة الابن الضال»، الذى وصفه فى الأفيش بأنه «مأساة موسيقية»، ولا إهداء فيلمه «اليوم السادس» إلى جين كيلى، ولا حتى استعراض محسن محيى الدين البديع فى الفيلم أمام داليدا. ولكن أثر افتتان شاهين بالأفلام الميوزيكال الحافلة بالاستعراض وحركة الكاميرا، قد امتد أولًا شعوريّا إلى بنية تكنيك شاهين نفسه، فجعله مخرجًا «ميوزيكال»، ولكن عبر الدراما!


هذا الولع بترجمة كل شىء إلى حركة هو فى الحقيقة منطق «مصمم الرقصات» بالأساس، ولذلك كان شاهين يفكر دائمًا فى ترجمة الدراما إلى حركة، وليست حركة ممثليه أو كاميراه، أو الحركة المزدوجة للاثنين معًا، إلا المعادل البصرى لولع شاهين الشخصى بالرقص. وقد ظهر وهو يرقص فى «اسكندرية كمان وكمان».. إنه ببساطة «صوت الراقص فى داخله»، والذى لم يتوارَ أبدًا طوال حياته.


وجد هذا الشغف منفذًا فى تلك الحركة، والمذهل أن نرى ذلك مثلًا فى فيلمه الأول «بابا أمين»، بل ربما يمكننا الآن تفسير براعة شاهين فى معارك فيلم «الناصر صلاح الدين»، باعتبارها مشاهد حركية كبرى راقصة أخرجها مخرج ميوزيكال، يمتلك حساسية فائقة بالموسيقى وبالإيقاع، وبالجمل الحركية المحسوبة.


المعارك عمومًا فى جوهرها ليست سوى لوحات حركية راقصة دموية، هكذا كان منطق كوروساوا مثلًا فى تقديم معارك فيلم «ران» العظيمة، ولكن فى نفس الفيلم لقطات كاملة لشخصيات جالسة وتتكلم دون حركة ظاهرية، أما شاهين فقد جعل الحركة عنوانًا لكل شىء: للمعارك، وللاستعراضات، وللأغانى، وللمشاهد الدرامية العادية!


لقد تجاوز حتى كبار مصممى الرقصات الذين تحوّلوا إلى مخرجين، مثل بوب فوس وستانلى دونين عالميًا، وعلى رضا مصريًا، إذ إنه من النادر أن نرى الحركة المستمرة عندهم خارج مشاهد الاستعراضات. ودونين مثلًا أخرج أنواعًا مختلفة بعيدًا عن الميوزيكال، وإذا كان على رضا يفكك مشهدًا شهيرًا فى فيلم «قضية عم أحمد» إلى جمل حركية راقصة، فإنه هو أيضًا الذى أخرج أفلامه الميلودرامية بطريقة كلاسيكية تمامًا.


قد يتحرك الممثلون عند شاهين بصورة واقعية، وقد يهرولون أو يتقافزون، ولكنهم يظلون دومًا جزءًا من لوحة حركية استعراضية مستمرة، وبانضباط صارم فى التكوين، كما فى الأوبرا أو الباليه.


لم يصنع شاهين فيلمًا استعراضيا غنائيا أبدًا من الألف إلى الياء، ولم يُخرج أى أوبرا، ولكن الراقص العنيد فى داخله ترجم الدراما إلى استعراض حركى لا يتوقف، ودون موسيقى أو غناء فى معظم الأحيان.


كانت الحركة هى صرخة شاهين عاشق الميوزيكال، وهى رقصاته التى لم يقدمها أبدًا بنفسه على المسرح، فاقتحمت الشاشة رغمًا عنه.

محمود عبد الشكور كاتب وناقد سينمائي وأدبي مصري
التعليقات