الإنسان ببساطة وعمق - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الإثنين 26 يناير 2026 7:53 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار حسام حسن في الإدارة الفنية للمنتخب؟

الإنسان ببساطة وعمق

نشر فى : السبت 24 يناير 2026 - 7:45 م | آخر تحديث : السبت 24 يناير 2026 - 7:45 م

يخطر لى دائمًا أن أصعب ما فى الكتابة، وفى الفنون عمومًا، هو البساطة، وإخفاء الصنعة، وقمة الصنعة عندى إخفاء تلك الصنعة.


وهذا كتاب نشرته دار ممدوح عدوان ودار سرد، بعنوان «وكان مساء...»، يتضمن مختارات من قصص هاينرش بُل، الكاتب الألمانى الفائز بجائزة نوبل عام 1972، انتقاها سمير جريس بذوق رفيع، وترجمها بإتقان تعوّدناه منه، ليهدينا كتاباتٍ بعضها يمكن أن تضعه بين أفضل القصص القصيرة فى تاريخ هذا الفن الصعب، بالإضافة إلى كونها جميعًا عناوين على تلك البساطة التى تخفى، إذا تأملتَ، صنعةً مدهشة وملهمة.


يرى جريس -فى مقدمته للكتاب- أن إضافة بُل الباقية عبر الزمن فى قصصه القصيرة، وليست فى رواياته، ويعتبره أحد أبرز كتّاب التيار الأدبى الجديد بعد الحرب العالمية الثانية، جنبًا إلى جنب مع أسماء مثل «جونتر جراس» و«إنتسنسبرجر»، وتمثّل أعمال هؤلاء ما يوصف بـ«أدب الأنقاض»، ارتباطًا بتعبيرهم عن أطلال مجتمع مدمر، بالإضافة إلى رصدهم الدقيق للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية بعد الحرب.


تعبّر المختارات تمامًا عن ذلك، بل إن كلمة «الأنقاض» تتكرر فى أكثر من قصة. يُضاف إلى ذلك أن بُل يحكى فى بعض القصص عن جنودٍ عائدين من الحرب وقد فقدوا أطرافهم، محاولين أن يتكيّفوا مع ظروفهم، وينتقل فى قصص الخمسينيات وبداية الستينيات إلى أحوال مجتمع ما بعد الحرب وسماسرته، وشعاراته التى تمجّد العمل الدائم، وتتحدث طوال الوقت عن المستقبل، وتحاول أن تنفض عن ثوبها الجديد وحل النازية، وميراث الذنب والهزيمة.


قد تظن أن الحكايات كئيبة وسوداء بحكم موضوعاتها وزمنها، لكن بُل اعتمد عدة «تقنيات» جعلت القصص ممتعة؛ أولها «البساطة» التى يدخل بها إلى حكايته، ثم تلك المعالجة الساخرة لكثير من القصص، بالإضافة إلى براعته فى تطوير الحدث بالقدر الكافى، وصولًا إلى لحظة استنارة عميقة المغزى، رغم أنه يبدأ عادةً من مقدمات عادية تمامًا، ورغم أنه يلتقط شخصيات مهمشة فى كثير من الأحيان.


والأهم من ذلك أن هذه القصص المختارة من كتاباته على مدى عدة سنوات تمتلك رؤية متماسكة، سواء بالتعاطف مع مصابى الحرب وإدانة ظروفهم البائسة بعد عودتهم، أو بتلك النظرة الانتقادية لهذا الهوس المحموم بالإنتاج والعمل، بما يدمّر العواطف واللمسات الإنسانية، بالإضافة إلى انتقاد سيطرة النزعة الاستهلاكية، وفضح بعض عناصر الفساد، ومهازل الصعود السريع.


نلاحظ فى بعض القصص أن تدهور أحوال العائدين من الحرب يقابله صعود آخرين لا علاقة لهم بالحرب، وكأن ثمة من حارب، وثمة من جنى الثمار، وهى مفارقة تكررت كثيرًا فى الرواية المصرية، وفى أعمالنا الدرامية عمومًا.


تتشابه التجارب والحروب وما بعدها، ولكن لا شىء يغنى عن قراءة قصص بُل، ومكره الفنى فى السرد البسيط العميق، ولا شىء يُعادل سخريته الحادة التى يضمّنها حكايات مثيرة للشجن والتأمل، ومفعمة بالمواقف العاطفية والمؤثرة أحيانًا.


أمثلة هذه البساطة الممتنعة تشمل كل القصص تقريبًا؛ ففى قصة «ساقى الغالية» يبحث جندى سابق فقد ساقه عن زيادة فى المعاش، فيجادله مسئول العمل لكى يقبل وظيفة لا تناسبه، فيرد الجندى بنفس المنطق الحسابى للموظف، لكى يحسب له الأموال التى وفّرتها ساقه المفقودة للوطن، ثم يرفض الجندى الوظيفة.


وهذا جندى آخر فى قصة «عند الجسر» جعلوه يحصى المارّة العابرين للجسر، فأخذ يروّض هذه العبثية بمراقبته لفتاة أحبها؛ عندما تمر يتوقف العدّ، والزمن، والحساب، فتستعيد العواطف بعض المعنى من مجتمع الجنون.


الجندى العائد يظهر مرة أخرى فى قصة «وداع»، هذه المرة ليودّع حبيبة ذاهبة إلى السويد بعد أن وجدت رجلًا آخر، وفى القصة البديعة «أيها الجنرال إذا وصلت إسبر...» يعود الجندى مصابًا إلى مدرسته، وقد تحوّل أحد فصولها إلى حجرة عمليات، تختلط الصور والأزمنة، ولا تبقى أمامه إلا عبارة كتبها منذ ثلاثة شهور بالطباشير، تشهد على مأساة جنود إسبرطة، وتذكّرنا بهزيمة جنود ألمانيا.


يطالب الجندى العائد فى قصة «قم.. قم وانهض» من حبيبته المختفية داخل قبرها أن تقوم وتُبعث، فيطارده صوتها طالبًا منه أيضًا أن يقوم، وكأنه مجاز الوطن والمواطن فى محاولة أخيرة للبعث رغم الدمار. لكن النهوض بعد الحرب تحوّل إلى فوضى جديدة: العائد من الحرب فى قصة «الشغل شغل» يدهشه غنيّ الحرب الذى يبيع ويشترى كل شىء، والخال العائد فى قصة «خالى فريد» لا يجد وسيلة للرزق والثراء سوى بيع الزهور، بينما كان ابن أخيه يمارس السرقة للحصول على الخبز والفحم.


وظائف غريبة يكتب عنها بُل، لعل أعجبها فى قصة «الضحّاك»؛ صاحب هذه الوظيفة يُستأجر لكى يضحك فى المسرحيات، ولكى يسجل أشكالًا وألوانًا من الضحكات، لكن المشكلة أن الضحّاك لا يضحك فى بيته، ولم يعد يعرف كيف يستدعى ضحكته الطبيعية الخاصة، بدلًا من ضحكاته المصنوعة.


فى قصة «هنا تيبتن» وظيفة أخرى غريبة: رجل مهمته أن يعلن فى ميكروفون محطة القطار عن مدينته، حتى ينزل السياح ويزورونها!


تبدو الحياة وقد فقدت معناها وطعمها، وفى قصة «وكان مساء.. وكان صباح» يقتنع زوج بلحظات رومانسية بسيطة تنقذه من حياة رتيبة فارغة، وفى قصة «كما يحدث فى الروايات السيئة» تشهد تماثيل العذراء فى منزلين مهزلة أخلاقية ومفاوضات لإرساء مناقصة يستفيد منها الجميع.


وبينما تتحوّل لحظة استدعاء شاب للجيش فى قصة «البطاقة البريدية» إلى لوحة مكتوبة ومطرّزة بالشجن، نقرأ فى قصة «سيحدث شىء» سخرية حادة من هوس العمل والفعل، فينقلب بطل القصة إلى التأمل، ويعمل بوظيفة حامل زهور فى الجنازات!
فى رائعة «ميزان آل باليك» يلخّص بُل المأساة فى اكتشاف صبى لخلل فى ميزان محاسبة الفقراء على محصولهم، وثورتهم بسبب ذلك.


هنا عنوان الحكاية فى كل زمان ومكان: أن ندافع دائمًا عن العدل، وعن إنسانية الإنسان.

محمود عبد الشكور كاتب وناقد سينمائي وأدبي مصري
التعليقات