أهلاااًا جدّتي - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الأحد 9 مايو 2021 1:43 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


أهلاااًا جدّتي

نشر فى : الخميس 8 أبريل 2021 - 8:00 ص | آخر تحديث : الخميس 8 أبريل 2021 - 8:04 م

نحن الآن في صيف سنة ما من سنوات الستينيات داخل سيارة أجرة في طريقها من القاهرة إلى إحدى قرى محافظة كفر الشيخ مسقط رأس أبي. تنحشر أمي معي أنا وأخواي في الكنبة الخلفية للسيارة، فيما يجلس والدي إلى جوار السائق. الرحلة التي تستغرق من ساعتين ونصف إلى ثلاث ساعات متعبة جدًا بسبب الزحام في الكنبة الخلفية والخناقات المعتادة بين الأشقاء، أما الجزء الأخير من الرحلة فهو لعنة. الطريق غير ممهدة إلى قرية أبي، وكان هذا يجعلنا نتنطط في الهواء من مطب ترابي لآخر كما يتنطط أبناء هذه الأيام على لعبة "الترامبولين"، مواشي تقطع الطريق دون سابق إنذار وأطفال يبزغون من الحقول بلا رقيب، فروع أشجار ملقاة على الجانبين وحر رهيب. لكن ذلك وأكثر منه كان يهون كلما اقتربنا من مقصدنا فأروح أُمّني النفس بصيحة ترحيب جدّتي الشهيرة تكبُر وتكبُر حتى تملأ كل فراغاتي... أهلاااًا، هكذا ممطوطة كانت تنطقها. عندما تسمع جدتّي صوت موتور السيارة وقد اقتربت من البيت الكبير، ستخرج علينا فاتحةً ذراعيها على الآخر وسنسقط بينهما على التوالي، وسنرد عليها ب: أهلاااًا أخرى تليق بها بعد أن نستعير منها حرارتها.. أو نحاول. كانت جدّتي امرأة قوية احتمَلت رحيل أبنائها واحدًا تلو الآخر واحتفظَت بقدرتها على الابتسام، وكنتّ أستلطف شكلها جدًا وهي تبتسم بعد أن خلا فمها من الأسنان وصارت ملامحها أطيب. لو قلتُ إن هذه الأهلاااًا المتبادلة كانت من أحبّ الأشياء إلى قلبي في إجازة الصيف بقرية أبي ربما لن يصدقني أحد، لكن على أي حال كان هذا هو شعوري. في حفاوة جدّتي كانت توجد حميمية ولهفة وخفة ظل، وعلى المستوى الشخصي كانت تشيع في داخلي إحساسًا بالأهمية لأن هناك من يشتاق لرؤيتي. لا أذكر أن جدّتي دلّلتني يومًا ولا هي دلّلت أحدًا من الأساس، دائمًا كانت هناك قضايا كبرى لا نفهمها تشغلها وتنتظر أن يأتي أبي لتناقشه فيها، لكنها كانت تُحسن الاستقبال والترحيب، ومع أن نبرة الترحيب كانت تهدأ قليلًا بمرور أيام الزيارة لكنها كانت حاضرة بترددات مختلفة كلما رأتنا. وحتى حين كنتُ أرتكب إحدى حماقاتي المزعجة كأن أدفئ الكتاكيت الجديدة داخل البلّاص فلا يطلع عليها النهار، وكانت جدّتي تُعنّفني بشدّة وآخذ على خاطري، لم يكن زعلها يطول لأن القلوب المُحبّة تمتص الأخطاء بسرعة. ذهبَت جدّتي عند ربنا كما قالوا لنا وكاد الفضول يقتلني وأنا أحاول تخيُل مشهد استقبال جدّتي في السماء، هل قالت لها الملائكة أهلاااًا كما اعتادت هي أن تقول لنا وردّت عليها بمثلها؟ هل تساقطَت جدّتي بين أجنحة الملائكة كما كنّا نتساقط نحن الثلاثة بين ذراعيها؟ هل تحبها كل الملائكة كما أحبتنا جميعًا؟. في كل المرات التي ترددتُ فيها على البيت الكبير بعد هذا التاريخ كان كل شيء على حاله، رائحة الفرن المميزة وكف فاطمة المعلّق على الجدار، حجرات مبيت الطيور والطابق الثاني الممنوع علينا صعوده لأن فيه أثاث عمي العريس حتى بعد أن لم يعد عريسًا، كل شيء كما هو إلا هذه الأهلاااًا الشهيرة، وإن ظل هناك في استقبالنا ما يقترب من حرارتها، فالناس أيام زمان كانوا يحسنون التعبير عن مشاعرهم. 

***

اختفاء الشيء من الوجود لا يعني اختفاءه من داخلنا، خصوصًا إن كان هذا الشيء يلامس جزءًا من طبيعتنا وتكويننا النفسي، ولذلك ظللتُ طويلًا في حالة انتظار.. انتظار أن أتبادل مع الآخرين أهلاااًا كمثل تلك التي اعتدتُ عليها وألِفتها فيحدث هذا أحيانًا، وأحيانًا أخرى لا يحدث، وهو أمر طبيعي على أي حال كما أنه محكومٌ بالتطور. أما أنه أمر طبيعي فلأننا يجب ألا نتوقع في علاقاتنا اليومية حميمية كمثل حميمية لقاءاتنا مع الأهل اشتياقًا ولهفة، وأما كونه محكوم بالتطور فلأن ضيق الوقت وإيقاع العصر وضغوط الحياة جميعها أسباب أخذت تسحب الحرارة من العلاقات الإنسانية وتنزل بها إلى ما دون مستوى الترحيب درجات. ومع الطفرة الكبيرة التي شهدتها وسائل التواصل الاجتماعي حدث أمران، اتسعت شبكة معارفنا أفقيًا لكنها في الوقت نفسه تقلصَت رأسيًا أو في العمق. أصبح مألوفًا أن يكون لنا أصدقاء افتراضيون بالمئات وربما حتى بالآلاف دون أن نعرف شيئا عن أكثرهم: ماضيهم، هواياتهم، أفكارهم إلا بقدر ما يقدموه لنا هم عن أنفسهم من معلومات وصور عبر وسائل التواصل، ثم يحدث أن تظهر لنا مواقف كاشفة نتبيّن معها أن هؤلاء "الأصدقاء" ليسوا كما توهّمنا، بينما أن الحميمية التي تسكن أهلاااًا وأمثالها لا تظهر إلا في مقام صدق وعند انطباق الصورة على الواقع. 

***

ألا يوجد أمل في أن يعود الدفء لعلاقات البشر؟ بلى يوجد ثمة أمل، صحيح جاءت كورونا لتقطّع الأوصال وتسّد الطرقات وتُشتّت الشمل، لكنها في الوقت نفسه غرسَت بذور التمرد في نفوس البشر. فرضَت كورونا الإغلاق العام فرفض البشر وتظاهروا، قضَت بتباعدهم فاجتمعوا وتجمهروا، منعَت الأفراح والعزاءات فقاموا بالواجب وزيادة، أوجبَت لبس القناع فلوّنوا الأقنعة وزركشوها وتحولوا بها من وسيلة إخفاء إلى أداة تعريف. سبحان الله، عندما كان التواصل المباشر متاحًا هرب منه البشر إلى التواصل غير المباشر وتسمّروا أمام الشاشات، وعندما ارتفعت تكلفة التواصل المباشر أقبل عليه الناس بشدّة وطلبوه، واليوم لن تجد كبيرًا أو صغيرًا لا يحّن إلى حياة ما قبل.. قبل كورونا، ويحدّثك بصدق عن دفء اللمّة ومتعة التلاقي مع الأهل والأصحاب. أعادت كورونا توصيل السلك الكهربائي بيننا وبين مشاعرنا القديمة وعلاقاتنا القديمة وحياتنا القديمة، ولست أدري على أي شكل ستأتي نتيجة الصراع بين العالَم الافتراضي وعالَم الواقع ولا علم لي بالمساحة التي سيحتّلها كلٌ منهما في حياتنا، لكني أوقن أن كل من ذاق حلاوة ترحيب أهل زمان سيظل يحلم دومًا باستعادتها .

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات