عن الحروب والديون والعملة «الصعبة» (2) - محمود محي الدين - بوابة الشروق
الثلاثاء 16 أبريل 2024 6:01 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

عن الحروب والديون والعملة «الصعبة» (2)

نشر فى : الأربعاء 15 نوفمبر 2023 - 8:35 م | آخر تحديث : الأربعاء 15 نوفمبر 2023 - 8:35 م
هل سيستمر الدولار فى هيمنته فى هذا العالم المضطرب شديد التغير؟ تختلف دوافع هذا السؤال من سائل لآخر، وهو سؤال قديم متكرر منذ سيطر الدولار على الساحة الدولية. فهو العملة المفضلة للبنوك المركزية بما يجعله اليوم عملة احتياطى دولى بنسبة 60 فى المائة بعدما كانت 70 فى المائة فى عام 2000، رغم أن نصيب الولايات المتحدة فى الاقتصاد العالمى لا يتجاوز حاليا 25 فى المائة. كما أنه وسيط للمبادلة وتسوية المدفوعات الدولية بما يزيد على 40 فى المائة وكانت هذه النسبة تقل عن 35 فى المائة فى عام 2012. والدولار هو عملة القروض الدولية الأولى، إذ ارتفعت حصته من عقود الديون الدولية من 45 فى المائة تقريبا فى عام 2007 حتى اقتربت من 65 فى المائة فى عام 2020. ولمن يريد تحديثا دوريا لهذه الأرقام فمصادرها هى بنك التسويات الدولية وصندوق الدولى وسويفت، وقد استند إليها الاقتصادى أسوار براساد لبحث مدى استمرار الدولار فى هيمنته، وله كتاب مرجعى مهم فى مستقبل النقود تناول فيه تأثير الثورة الرقمية على العملات والتمويل.
هيمنة الدولار كانت محل انتقاد من حلفاء الولايات المتحدة قبل غرمائها وأعدائها. ففى الستينيات من القرن الماضى أثار الفرنسيون ما أطلقوا عليه الامتياز السخى للولايات المتحدة كدولة مصدرة للعملة المهيمنة. فالمعاملات الدولارية يساندها القطاع المالى الأمريكى بعوائد مجزية ويتمتع البنك الفيدرالى بريع للإصدار يزيد بزيادة حاملى الدولار كما تسوى الولايات المتحدة التزاماتها الدولية بعملة محلية. كما يمكنها استخدام عملتها فى فرض العقوبات الاقتصادية كما فعلت مع إيران وروسيا وأفغانستان. كما أنه بتوسع الاستخدام الدولى لعملتها بما يتجاوز حجم اقتصادها المحلى ونصيبه من الاقتصاد العالمى، تستطيع بسياساتها النقدية والمالية أن تؤثر فى الأوضاع الاقتصادية الدولية من خلال قناة الدولار.
فتحجيم الدولار أمر كان من دوافع الأوروبيين لإيجاد عملة موحدة، وتمناه الروس بخاصة بعدما كان من أمرهم معه بعد تسليحه؛ ويرى الصينيون استمرار سيطرته تجاوزا لتعدد الأقطاب الاقتصادية العالمية.
كما دعا أخيرا الرئيس البرازيلى إجناسيو لولا دا سيلفا خلال قمة باريس فى شهر يونيو الماضى إلى أهمية مراجعة الإفراط فى الاعتماد على الدولار. وهو ما سانده فيه الرئيس الجنوب أفريقى سيريل رامافوزا بتحبيذ استعمال العملات المحلية فى التجارة الدولية. بينما دعت الصين المتصدرة للتجارة الدولية إلى المزيد من استعمال عملتها الرنمينبى. وقد تحولت روسيا بالفعل لاستخدام العملة الصينية كإحدى عملات الاحتياطى وفى تجارتها الدولية بعد تجميد 300 مليار دولار من أصولها بعد حربها مع أوكرانيا. إذن هناك دعاوى وطموحات قديمة وجديدة لزعزعة مكانة الدولار، وهى تأتى مدفوعة بالتنافس الاقتصادى الدولى وتحجيم قوته فى وقت السلم، ولمنع تسليحه فى وقت الحرب.
هيمنة الدولار كعملة صعبة مستمرة، فرغم انخفاض نسبته فى إجمالى الاحتياطى الدولى فإنها الأعلى بما يعادل ثلاثة أمثال نصيب اليورو الذى يمثل 20 فى المائة من إجمالى الاحتياطى الدولى. كما أنه من اللافت زيادة حصة الدولار فى تسوية المدفوعات وكعملة لعقود السلع الأساسية والديون الدولية فى فترة أقدمت فيها الولايات المتحدة على إجراءات تضعف تلقائيا ثقة المتعاملين فى عملتها بخاصة بعد ارتفاع معدلات التضخم فيها وظهور الدولار مسلحا فى المعتركات الدولية. ولا تفسير لذلك إلا الاعتبار الأول المتمثل فى حالة الاعتياد، وهو أمر أشار إليه أيضا الرئيس البرازيلى لولا دا سيلفا؛ فكلما أثير موضوع استبدال بديل من البدائل بالدولار أثار ذلك مخاوف بعض الناس، رغم تأثيره السلبى على تجارة البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. والاعتبار الثانى هو النسبية، فأداء الاقتصاد الأمريكى أفضل من منافسيه رغم كل مشكلات الاقتصاد الأمريكى، بخاصة مع زيادة ديونها بما تجاوز 31 تريليون دولار فى بداية هذا العام، وإخفاق البنك الفيدرالى فى التعامل المبكر مع تضخم الأسعار بعد فترة من الإغداق السخى بتيسير نقدى غير مسبوق فى أثناء فترة احتدام وباء كورونا.
رغم كل هذا تستمر هيمنة الدولار إذا بسبب الأداء الاقتصادى النسبى رغم مساوئه والاعتياد المساندين بما أكدت عليه جانيت يلين، وزيرة الخزانة الأمريكية، فى يونيو الماضى، أنه من الصعب على الدول أن تجد بدائل مناسبة لعملة سيطرت على التجارة لعقود «فهناك أسباب جيدة لاستخدام الدولار بتوسع فى التجارة، فلدينا أسواق مالية عميقة وذات سيولة ومنفتحة وتحكم بالقانون وأدوات مالية طويلة الأجل».
من سنن الكون تغيره بدفع الناس بعضهم ببعض، كما تأتى أحقاب مشهودة يتغير فيها فى أيام وشهور ما كان يستغرق عقودا من الزمن الرتيب. ومن دروس نزع الإسترلينى عن العرش، الذى يعتليه الدولار الآن، أثر الحروب والديون والأداء الاقتصاد الكلى فى مكانته العالمية كعملة صعبة وهو ما استعرضناه فى المقال السابق، وهى عوامل تجب متابعتها بدقة فى الحالة الأمريكية وازدياد الوزن النسبى لاقتصادات عالم الجنوب وتكتلاتها.
واليوم، هناك تأثير غير محدود لتكنولوجيا المعلومات فى تطوير العملات الرقمية سواء الخاصة المشفرة، أو ما يجرى الإعداد لإصدارها بتوسع من قبل العملات المركزية وأهمها ما يجرى الإعداد له من بنك الصين المركزى منفردا وبالتعاون مع بنوك مركزية أخرى. كما أن هناك الترتيبات الثنائية المتزايدة للتجارة بالتسوية بعملات محلية من دون المرور بالدولار كعملة معبرية.
وإلى أن نتناول فى مقال قادم تفاعل هذه العوامل فى تحديد مستقبل الدولار ينبغى تأكيد أن اجتهادات وحيل تحديد سعر العملة الوطنية للدولة مقابل الدولار ليست بديلا عن أسس تحديد قيمتها التى تعتمد على الارتقاء بالاقتصاد الوطنى استثمارا وإنتاجا وتنافسية وتصديرا. فالانتقال بين العملات الصعبة من واحدة إلى أخرى لن يحسن شيئا فى اقتصاد سيئ الأداء شكلا أو مضمونا.
التعليقات