الحرب في أوكرانيا.. والاستقرار في الشرق الأوسط - عزت سعد - بوابة الشروق
السبت 2 مارس 2024 6:01 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

الحرب في أوكرانيا.. والاستقرار في الشرق الأوسط

نشر فى : الخميس 16 مارس 2023 - 8:20 م | آخر تحديث : الخميس 16 مارس 2023 - 8:20 م
ينظر الكتاب والمحللون الغربيون، وكذلك قادة كثر مثل المستشار الألمانى أولاف شولتس، إلى الحرب فى أوكرانيا على أنها نقطة تحول تاريخية وخاتمة للفصل الذى بدأ بنهاية الحرب الباردة. فكما فعلت الولايات المتحدة عندما واجهت الاتحاد السوفيتى خلال الحرب الباردة، «فقد أخذت زمام المبادرة فى التصدى لهجوم بوتين الصارخ على الحضارة». ويعتقد بعض هؤلاء ــ ومنهم كريستوف هيوسجن رئيس مؤتمر ميونخ للأمن وكبير مستشارى السياسة الخارجية للمستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل ــ أن العديد من الدول تدعم الولايات المتحدة فى حرب أوكرانيا على مضض، وأنه لكى تجد واشنطن استجابة حقيقية من المجتمع الدولى ككل، أو أغلبيته على الأقل، «يجب عليها الالتزام بالتمسك بالمعايير والقوانين التى تحدد النظام الدولى القائم على القواعد»، مشيرا فى ذلك إلى أن الولايات المتحدة «قوضت فى بعض الأحيان القانون الدولى فى خيارات سياستها الخارجية».

لكى يدلل هيوسجن على تجاهل الولايات المتحدة للقانون الدولى، أشار إلى تجربته خلال سنوات عمله مندوبا دائما لألمانيا لدى الأمم المتحدة فى نيويورك، عندما حذّرته ــ وزملاءه الأوروبيين ــ نيكى هايلى سفيرة الولايات المتحدة لدى المنظمة من عواقب التصويت بنعم لقرار للجمعية العامة يدين خطة الولايات المتحدة نقل سفارتها فى إسرائيل من تل أبيب إلى القدس، مؤكدة لهم أن قائمة بأسماء سفراء الدول التى ستصوت على إدانة الخطة، ستبلغ للرئيس دونالد ترامب شخصيا.

ويضيف هيوسجن، الذى ذكر أنه «ذُهل» من سلوك زميلته الأمريكية وأنه كان حريصا على إفهامها أنها تطالبه بتجاهل القانون الدولى، وأنه خلال فترة عضوية ألمانيا غير الدائمة فى مجلس الأمن عامى 2019 ــ 2020، انتهكت الولايات المتحدة مرارا وتكرارا قرارات المجلس، بما فى ذلك الانسحاب من الاتفاق النووى الإيرانى، والاعتراف بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان والاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، كما انسحبت الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية واتفاقية باريس لتغير المناخ ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو).

خلص هيوسجن من كل ذلك إلى القول بأن «النظام الدولى القائم على القواعد» لن يسود إلا إذا التزمت به الولايات المتحدة وأن قيادتها على المسرح العالمى لا تتعلق فقط بإبراز القوة العسكرية «فالدبلوماسية الملتزمة تدعم النظام القائم على القواعد»، موضحا أن الحرب فى أوكرانيا تمثل مفترق طرق آخر لهذا النظام ولدور الولايات المتحدة فى الشئون العالمية. ويضيف أنه حتى يمكن للرئيس بايدن أن يرعى «تحالفا عالميا» من الدول التى تلتزم باحترام القانون الدولى، فإن الأمر يتطلب من الولايات المتحدة تغييرا فى عقليتها.
• • •

مما لا شك فيه أن منطقة الشرق الأوسط كانت، وما تزال، مسرحا للانتهاكات الصارخة لقواعد القانون الدولى من قبل الولايات المتحدة، والتى لم يذكر هيوسجن سوى البعض منها، وبالتالى لا يجب أن نندهش من حقيقة أن دفاع روسيا عن موقفها ارتباطا بالحرب فى أوكرانيا، سواء فى اتصالاتها الثنائية أو فى الأطر المتعددة الأطراف، يتركز بصفة أساسية حول استدعاء تلك الانتهاكات الغربية بقيادة أمريكا بدءا بحرب العراق عام 2003 ومرورا بالعملية العسكرية للناتو فى ليبيا فى مارس 2011، وصولا إلى ما آلت إليه الأوضاع فى فلسطين المحتلة، حيث القتل اليومى مستمر، وتوسيع الاستيطان وهدم المنازل متواصل، واقتحامات الأقصى مستمرة والحصار الخانق وشن العدوان العسكرى على قطاع غزة مستمر، والفصل العنصرى يتعمق، وطمس قضية اللاجئين ومحاولة تصفيتها ماضية على قدم وساق.

المراقب للسياسة الخارجية للولايات المتحدة إزاء قضية الاحتلال الإسرائيلى لفلسطين ــ باعتبارها العامل الرئيسى لعدم الاستقرار فى المنطقة ــ يجد أنها سياسة متعددة المسارات، تتحاشى الخلافات مع إسرائيل بل وتخطب ودها، تستهدف فرض أمر واقع يصعب معه، بل يستحيل، تحريك الأوضاع فى المنطقة:

أما المسار الأول فيتمثل فى مواصلة تسليح إسرائيل بأحدث ما تنتجه الصناعة العسكرية الأمريكية من أسلحة ومعدات، بما يحفظ لإسرائيل تفوقها النوعى على كل الدول العربية مجتمعة. وقد أدى التصنيع العسكرى المشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل والتعاون غير المقيد بينهما فى مجال التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، إلى صيرورة إسرائيل لاعبا عالميا فى هذا المجال وأتاح لها مكاسب استراتيجية هائلة منها تسابق دول كبرى، مثل الهند والصين وأغلب الدول الأوروبية الرئيسية للحصول على الأسلحة والتقنيات العسكرية الإسرائيلية، ناهينا عن التغلغل الإسرائيلى فى أفريقيا أمنيا وعسكريا بتشجيع مباشر وغير مباشر من الولايات المتحدة.

الجدير بالذكر هنا أن الحليف الأمريكى يعلم أكثر من غيره أن إسرائيل تصدر سلاحها وتوفر خدمات عسكرية وأمنية، بما فيها تكنولوجيات المراقبة التى تلوم الصين على بيعها، ناعتة ذلك بـــ«الاستبداد الرقمى»، لمن يدفع بما فى ذلك اللاعبين من غير الدول.

وفى الوقت الذى تتكبد فيه معظم بلدان المنطقة خسائر فادحة وتواجه تحديات صعبة ارتباطا بتداعيات الحرب فى أوكرانيا على اقتصاداتها، خاصة مشكلات الأمن الغذائى وارتفاع أسعار الطاقة ومعدلات التضخم غير المسبوقة، وتشير تقديرات غربية موثوقة إلى استفادة إسرائيل الهائلة من التداعيات الأمنية للحرب. فقد أدت هذه الأخيرة إلى قيام معظم الحكومات الأوروبية بمضاعفة إنفاقها الدفاعى، ومن ثم كثفت مشترياتها من الأسلحة الإسرائيلية، لتجاوز أوروبا منطقة آسيا والمحيط الهادئ باعتبارها أكبر سوق لصادرات الأسلحة الإسرائيلية. وبسبب تنامى المخاوف الجيوسياسية نتيجة للحرب، تراجعت الأسباب السياسية التى أدت إلى امتناع بعض الحكومات الأوروبية فى السابق عن شراء السلاح الإسرائيلى. وتجىء ألمانيا ــ التى تضطلع بدور مركزى فى الدفاع الأوروبى ــ فى مقدمة الدول التى أقبلت على الأسلحة الإسرائيلية حيث اتفقت مبدئيا على شراء نظام الدفاع الصاروخى الباليستى المعروف باسم ARROW 3 مقابل مليارى يورو من إحدى الشركات الإسرائيلية.

أما المسار الثانى للسياسة الخارجية الأمريكية فى المنطقة، فيتمثل فى تبنى دبلوماسية قسرية تقوم على الضغط على الدول العربية، وغيرها، للتطبيع مع إسرائيل وأحيانا التلويح بتقديم بعض المزايا الاقتصادية والسياسية الأمنية مقابل ذلك. ويدخل فى ذلك المبادرات الرامية إلى إدماج إسرائيل فى المنطقة مثل «قمة النقب» فى إبريل 2022، ومن قبلها «الناتو الشرق أوسطى». وعادة ما تستخدم إسرائيل هذه المبادرات للتدليل على تراجع القضية الفلسطينية على الأجندة الإقليمية والدولية.

ويتمثل المسار الثالث فى الحقيقة المؤسفة والمتمثلة فى أن الولايات المتحدة ــ التى لا تخجل من تقديم نفسها على أنها زعيمة النظام الحر «القائم على القواعد» ــ كانت وما تزال اللاعب الرئيسى فى إجهاض كل محاولات الاعتراف بفلسطين المحتلة كدولة مستقلة ذات سيادة، رغم أحقيتها فى ذلك وفقا لقواعد النظام الدولى القائم على القواعد. وخلال العقود الأربعة الأخيرة بذلت الولايات المتحدة جهودا حثيثة وضغوطا مكثفة لتبييض إسرائيل فى الأمم المتحدة وإدماجها فى النظام الدولى المتعدد الأطراف رغم جرائمها اليومية، ورفضها القاطع جميع المبادرات الرامية إلى إيجاد حل عادل للصراع.
• • •

وليس سرا أن الولايات المتحدة حذّرت السلطة الوطنية الفلسطينية مرارا من أنه إذا ما أصرت على موقفها بشأن التقدم لمجلس الأمن الدولى بطلب قبولها عضوا كامل العضوية فى الأمم المتحدة، فإنها ستستخدم حق النقض بما يمنع صدور قرار فى هذا الشأن.

وفى سياق موقفها المخزى ــ والمثير للسخرية بحكم حديثها الدائم عن حل الدولتين ــ اعترضت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا ضمن 26 دولة ــ على قرار الجمعية العامة الصادر فى آخر ديسمبر الماضى، والذى يطلب من محكمة العدل الدولية رأيا استشاريا حول تحديد «العواقب القانونية لانتهاك إسرائيل المستمر لحق الشعب الفلسطينى فى تقرير المصير»، بالإضافة إلى إجراءاتها «لتغيير التركيبة الديموغرافية لمدينة القدس وطابعها ووضعها». وقد عكس نمط التصويت على القرار (تأييد 87 دولة واعتراض 26 وامتناع 53 دولة عن التصويت) حجم الضغوط الأمريكية الهائلة على الدول الأعضاء فى الأمم المتحدة فى إطار السياسة الأمريكية الحريصة على إفلات إسرائيل من العقاب على جرائمها.

وفى الوقت الذى لم تفعل فيه المحكمة الجنائية الدولية أى شىء يذكر لصالح ضحايا الجرائم ضد الإنسانية من الفلسطينيين، منذ اللجوء إليها قبل خمسة عشر عاما، أعلن المدعى العام الأوكرانى فى 3 مارس الجارى أن بلاده تستعد لفتح مكتب للمحكمة الجنائية الدولية، مشيرا إلى تسجيل «أكثر من 70 ألف جريمة حرب روسية» فى أوكرانيا. ويسعى الاتحاد الأوروبى منذ فترة لتشكيل محكمة جرائم حرب للنظر فى جرائم مدعى بارتكابها من قبل روسيا، وهو اختصاص يملكه فقط مجلس الأمن وفقا لاختصاصاته بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

ومنذ تولى الحكومة اليمينية المتطرفة الحالية الحكم فى إسرائيل، توافد كبار المسئولين من الإدارة الأمريكية على إسرائيل (جيك سوليفان مستشار الأمن القومى لبايدن فى 8 يناير الماضى وويليام بيرنز مدير وكالة المخابرات المركزية فى 26 يناير، وأنطونى بلينكن وزير الخارجية نهاية يناير ثم رئيس الأركان الأمريكى ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارك ميلى وحاليا وزير الدفاع لويد أوستن فى مارس الجارى). ورغم ما أبداه أركان الإدارة من «قلق وانزعاج» بسبب تصعيد الحكومة الإسرائيلية والمستوطنين جرائمهم ضد الفلسطينيين وتصريحات بعض وزرائها حول «محو قرية حوارة».. إلخ، إلا أن دلائل عديدة تؤكد أن كل هذه الزيارات مرجعها الأساسى القلق من أن يؤدى التصعيد الحاصل فى الأراضى المحتلة إلى الخروج عن السيطرة بما يجبر واشنطن على توظيف جهود دبلوماسية ووقت ترى أن الأولى به ساحات أخرى وتحديدا الحرب فى أوكرانيا والتنافس مع الصين. وفضلا عن ذلك، تتخوف الإدارة الأمريكية من إمكانية أن تقوم إسرائيل بتصعيد الجبهة مع إيران دون تنسيق، خاصة مع ضعف سيطرة نتنياهو على الائتلاف الحاكم.

وفى التقدير لن تضع إسرائيل حدا لمنظومة الظلم الحالية إلا عندما تنزع الولايات المتحدة، وحلفاؤها التابعون، عنها تلك الحصانة غير المشروطة التى قادت إلى هذه الأوضاع غير الإنسانية والمشينة التى يعيشها شعب تملكه الشعور بالرعب والقلق والغضب والإحباط على مرأى ومسمع من حماة «النظام الليبرالى الدولى القائم على القواعد».
عزت سعد مدير المجلس المصري للشؤون الخارجية
التعليقات