سيدى بشر - جميل مطر - بوابة الشروق
الأحد 5 ديسمبر 2021 3:29 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

سيدى بشر

نشر فى : الثلاثاء 16 نوفمبر 2021 - 8:35 م | آخر تحديث : الثلاثاء 16 نوفمبر 2021 - 8:35 م
منذ وعيت فى الثالثة أو الرابعة من عمرى وحتى غادرت القاهرة لأتسلم عملى فى عاصمة الهند كنت مع عائلتى نقضى كل صيف فى منتجع سيدى بشر. أذكر أننى ذات صيف نظمت رحلة شارك فيها عدد من رفاق الحى لنقضى معا فى المصيف نصيبا من صيف، نخدم أنفسنا بأنفسنا، نطبخ ونغسل ونرتب الغرف ونشترى حاجاتنا. تطوعت لأداء مهمة الطبخ باعتبارى عضوا قديما فى جمعية الكشافة بمدرسة الخديوى إسماعيل. اخترنا «شاليه» بسيدى بشر يتسع لعددنا ملحقة به حديقة صغيرة اتسعت بدورها لنلعب فيها الكرة الطائرة ونقضى فيها سهراتنا نتسامر بلعب الورق وطاولة النرد والاستماع إلى عزف على قيثارة مع غناء. كان الشاليه يبعد عن البحر مسافة لا بأس بها وعن محطة القطار حوالى ثلاثة كيلومترات. يفصلنا عن المحطة مساحة صحراوية تتخللها كثبان رملية تتغير فى اليوم الواحد مرات بتغير اتجاهات الرياح وتغزوها عند المغرب قطعان الذئاب تقضى بعض ساعات الليل تعوى. على الناحية الأخرى مساحة صحراوية أخرى تنتهى عند طرق موحشة أغلبها غير ممهد ولكنها السبيل الوحيد إلى الكورنيش وشاطئ البحر. وبما أننى كنت من اختار الشاليه والموقع قضيت جانبا من الليلة الأولى أحاول تهدئة قلة خافت فتمردت مهددة بحزم حقائبها مع شروق الشمس والعودة إلى القاهرة. نجحت عندما ضغطت على أوتار الرجولة وأصداء الفضيحة التى سترافق العائدين مدى حياتهم فى حى يعشق سكانه النميمة الناعمة والمحببة، وأحيانا جارحة. شكلنا من بيننا حراس ليل وجمعنا من أطراف الحديقة حطبا وأشعلنا نارا هى وطقطقة الحطب كافيتان لطرد الذئاب والأشرار. بالمناسبة نسيت أن أذكر أنه لم يكن بيننا من تجاوز السادسة عشرة من العمر والغالبية فى الخامسة عشرة.
•••
صباح اليوم العاشر من أيام الرحلة ركبت القطار متجها إلى وسط البلد لأداء مهمة خاصة. أنهيت المهمة وتبضعت مؤنا ولوازم للأيام المتبقية لنا وبدأت مشوار العودة. فى تمام العاشرة كنت فى محطة مصر، محطة للقطارات المتوجهة غربا حتى العريش وشرقا حتى أبوقير مرورا بسيدى بشر وجنوبا حتى القاهرة ومنها حتى أسوان. كانت التسمية تثير فضولنا، لماذا يسمونها محطة مصر وهى فى قلب الإسكندرية. ركبت القطار على خط أبوقير. أذكره جيدا. قطار يخلو من أى مظهر من مظاهر الرفاهية. ولكن نظيف. فى اللحظة التى تحرك فيها القطار جاءت راكبة لتجلس فى المكان الخالى بجانبى. لم أهتم لانشغالى بقراءة خبر مثير فى صحيفة أخبار اليوم. قرأته ثم رحت أبحث عن روايات أخرى لنفس الخبر فى المصرى والأهرام. أعرف عن هذا القطار أنه يخدم ركابه كخدمة الترام ولا أبالغ إن قلت وبنفس السرعة أو أقل. أغلب ركابه أثناء العام الدراسى من التلاميذ وبخاصة فى مواعيد حضورهم وانصرافهم. وأكثرهم فى الأوقات العادية من أصحاب المصالح العادية يركبون وينزلون وفى الغالب لم يدفعوا شيئا. المحطات متقاربة والمحصل لا يظهر فى العربة الواحدة إلا مرة كل خمس أو ست محطات.
تصورت أن صاحبتنا وهى البسيطة فى ثيابها وحذائها قد تكون من الركاب الذين يسارعون بالنزول فى أول محطة قبل وصول المحصل. اقترب المحصل وكاد يحدث ما توقعت. وجدتها تنظر لى نظرة رجاء، أن أساعدها فلا تنفضح. انتظرت حتى اتأكد. طلب المحصل منها التذكرة فرأيت فى عينيها خوفا مؤكدا. سارعت بالدفع نيابة عنها متعللا بأنها معى ولكن وصلت محطة مصر متأخرة وخفنا أن يفوتها القطار فركبت وهو يتحرك.
•••
بعد سؤال منى وقضمتين أو ثلاث من كعكة بالسمسم تكلمت والدموع فى عينيها. هى ابنة وحيدة لأم بلا زوج. تلميذة فى مدرسة بالحى الذى تسكن فيه والأم تعمل. مرضت الأم قبل يومين ولم تخرج للعمل فاضطرت الابنة للخروج من البيت ومن الحى بحثًا عن عمل. هى لا تجيد عملا بعينه سوى ما تعودت أن ترى ما تقوم به أمها فى البيت. كثيرا ما كانت الأم ترفض أن تساعدها ابنتها فى تنظيف البيت. أقصى ما كانت تسمح به لا يخرج عن غسل الصحن الذى أكلت منه وترتيب غرفة نومها. الأولوية دائما للمذاكرة. لا تخرج من بيتها فى الإجازة الصيفية إلا نادرا. كل صديقاتها زميلات فى مدرسة الحى. هواياتها محدودة، تقرأ ما تحصل عليه من صديقاتها وتستمع إلى ما تبثه الإذاعة من موسيقى وأغانٍ. قالت لأمها ذات يوم: إن ابن صاحب البيت طلب منها إعارته كتابا بعينه رآها تحمله بعد أن تنتهى من قراءته. أجابت الأم متوسلة والدموع فى عينيها، «ليتك يا ابنتى تؤجلين التعارف مع شبان الحى إلى ما بعد الشهادة». نظرت إليها وقلت مازحا: أنا لست واحدا من شبان الحى، أنا مختلف. قالت: أنت بالتأكيد مختلف. أخذتنى الحماسة فدعوتها لزيارتنا فى الشاليه والتعرف إلى سبعة آخرين، هم أيضا مختلفون عن الشبان الذين تعنيهم أمها. «تساعدينا فى ترتيب المكان بلمسة أنثوية وتعدين معى ثم تتناولين معنا وجبة الغداء وتشربين الشاى ونصطحبك إلى المحطة لتعودى إلى أمك راضية وسعيدة».
•••
استقبلتنا فى حديقة الشاليه وجوه مرحبة ووجوه عابسة ووجوه مترددة وكلها متسائلة. قمت بواجبات التعريف ومقدمات التعارف. أضفت أنها «عندما عرفت بالجهد الذى أقوم به فى هذا الشاليه وبعد أن سمعت شكواى عن تقصيركم وكسلكم عرضت المساعدة فاستجبت». طلبت أن تدخل لتعاين أحوال الداخل فرحبت رغم اعتراض البعض خجلا مما ارتكبوه من آثام فى حق غرف نومهم وقاعة الجلوس. عرضت على واحد منهم مرافقتها. بقيت فى الحديقة مع الباقين أجيب على أسئلتهم وكلهم حريصون على معرفة انطباعى عنها وعن حياتها مما سردته على مسمعى فى القطار. فجأة اقترب أحدهم منى وقال هامسا «كيف تطمئن عليها فى وجودنا، مجموعة من عديمى التربية وناقصى الأخلاق»، أجبت بصوت أعلى من الهمس «وبما أنك مختلف عن الباقين عينتك حارسا تحرسها من شرورهم حتى عصر اليوم حين تتولى بنفسك مهمة توديعها على سلم القطار».
بعد قليل خرج الصديق المكلف باطلاعها على حال الشاليه من الداخل، قال «شمرت عن ساعديها وأخرجتنى بعد أن طلبت منى إبلاغكم برجاء عدم الدخول لأى غرض كان حتى تخرج هى إليكم». واستطرد قائلا: «فى الحقيقة لم أقابل شخصا من عمرنا على هذا المستوى من الثقافة والاطلاع. قرأت كتبا لم أسمع عنها وتتابع بانتظام مجلة الرسالة الجديدة ولا تفوتها كتابات يوسف السباعى وإحسان».
استعاد الشاليه رونقا، أو هكذا تخيلنا حاله قبل ثلاثين عاما. شكرناها ودعوناها لترافقنا فى نزهتنا اليومية إلى الشاطئ. عدنا بعد النزهة لتناول غداء كنا أعددناه سويا، هى وأنا، قبل أن نغادر إلى البحر. تمددنا بعد الغداء فى الحديقة لنشرب الشاى ونحكى حكايات. سمعناها تسرد حكايات لم نسمعها من قبل عن مجتمعات النساء.
قالت وهى تودعنا عند باب الشاليه وإلى جانبها صاحبنا المكلف بحمايتها «صحيح أنتم مختلفون. أنتم نموذج لم يدخل بعد إلى حياتى. جددتم أملى فى المستقبل وعززتم إصرارى على مواصلة تطوير قدراتى وتحصين شخصيتى». عاد زميلنا من المحطة ينبئنا بأنها رفضت باكية هديتنا المتواضعة فاضطر إلى دسها فى جيبها مع تذكرة القطار. عاد متأثرا ومنفعلا.
•••
تخرجنا. سافر منا من سافر وتزوج من تزوج واختلفت طرقنا. عدت من الخارج لأقضى وعائلتى الصغيرة وقتا غير قصير بالقاهرة. ذات يوم رن الهاتف على مكتبى تبلغنى السكرتيرة أن سيدة على الهاتف تطلب التحدث معى فى أمر مهم. رفعت السماعة. لم أصدق ما سمعت. سمعت صوتا أنيقا وناعما يقول فى نبرة واضحة «أنا فتاة سيدى بشر. يكفى أم أزيد».. أجبت بصوت كالصراخ، يعنى حتما غير أنيق، «لا تزيدى. أين أنت وكيف ألقاك». قالت نلتقى فى نادى الجزيرة غدا فى مثل هذه الساعة. ستجدنى عند ملاعب الاسكواش.
•••
هناك حيث اقترحت بالأمس رأيتها جالسة وعلى المقعد المجاور ملابس رياضية بيضاء ومضرب وأشياء أخرى. دعتنى لأجلس على المقعد الثالث المواجه لها. قالت: «خفت أن تخلط بينى وغيرى من عضوات النادى إن اخترت أحد المقاهى المزدحمة أو المطعم». أجبت على الفور: «ما كنت لأخطئ فى التعرف عليك».. نعم تغيرت من الخارج ولكن احتفظ الداخل بنفسه طاغيا ومهيمنا ومنعكسا على وجهك. إن نسيت يا صديقتى ما كنت لأنسى داخلك الذى دافع عنك أمامى فى القطار وأمام أصدقائى فى الشاليه بكبرياء هى نفسها التى أراها أمامى الآن. أو أنسى هذا الطموح الذى دفعك لمعرفة ماذا يريد كل منا أن يفعل بنفسه من أجل المستقبل. أو أنسى هذه الرغبة فى المعرفة، يومها لم تتركى شاردة لم تستفسرى عنها أو رغبة فى داخل كل منا لم تدققى فيها. لن أنسى نظرتك الفاحصة فى عيوننا بحثا عن مكنون نظرة من أحدنا توقفت لأكثر من ثانية على وجهك أو شعرك أو جسدك.
قالت: «تؤكد لى بكلماتك اليوم ما قرأته فى وجهك فى قطار أبوقير، وفى الطريق إلى الشاليه عبر صحراء سيدى بشر وفى تقديمى إلى أصدقائك لحظة وصولنا وفى تعاوننا خلال إعداد وجبة الغداء لنا جميعا ثم فى وداعك لى على باب الشاليه وأنا أستعد لمغادرة صحبتكم (التاريخية). تسألنى عيناك، لماذا التاريخية؟. أجيبك وأنا أقطر فخرا ورضاء. كنتم بأسلوب تعاملكم معى وبحكاياتكم وبسرد تفاصيل طموحاتكم التى بدت بالنسبة لى فى ذلك الحين أسطورية، كنتم فى واقعكم أيضا نماذج أسطورية. يومها وبعد أن ودعت حارسى الوديع الذى كلفتوه بحراستى جلست فى القطار أفكر وأسجل، أفكر فى مصير لا يقل طموحا وأسجل خطوات الوصول إليه.
«صديقى.. أنا الآن أستاذ مساعد بالجامعة وأدير مركزا للدراسات وأشارك بالتمويل والإرشاد جمعية أهلية أممية هدفها حماية حقوق المرأة. لا أسعى لمنصب حكومى وقد عرض أكثر من مرة. أريد أن يصبح أولادى الاثنين وقد خطوا بعيدا فى المكانة والعلم. اطمئنك، أنا متزوجة من رجل أنا اخترته فوافق مرحبا وسعيدا. لم يندم يوما، هذا هو ظنى. ولم أندم يوما، أقولها عن ثقة وصدق.
«فى النهاية.. أعترف أننى لم أبحث عنك. كنت دائما هناك. أقابل تلاميذك وأسمع حكاياتهم معك فتتأكد مرة بعد أخرى مكانتك عندى. أسأل عن أصدقاء سيدى بشر فردا فردا فأسمع عن إنجازات ونجاحات فيسعد قلبى وتزداد عزيمتى قوة. ثم قررت أن ألقاك. ألقاك لأبلغك بأن أمى لم ترحل من هذه الدنيا إلا بعد أن أطمأنت أن المستقبل الرغد وصل وهى حية ترزق. وألقاك لأشكرك أنت وأصدقاءك. ألقاك لأشكركم على يوم لم أمر بمثل جماله وثرائه».
جميل مطر كاتب ومحلل سياسي