روسيا تتحدى السياسات الغربية للحد من صادراتها الغازية - وليد خدوري - بوابة الشروق
الخميس 9 يوليه 2020 9:33 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

روسيا تتحدى السياسات الغربية للحد من صادراتها الغازية

نشر فى : الإثنين 16 ديسمبر 2019 - 8:20 م | آخر تحديث : الإثنين 16 ديسمبر 2019 - 8:20 م

يتوفر لدى روسيا الاحتياطى الغازى الأضخم عالميا. وقد اتفقت روسيا منذ منتصف عقد الثمانينيات بتزويد الدول الأوروبية بإمداداتها الغازية، فشيدت الأنابيب الطويلة المدى ومحطات الضخ لإيصال الغاز، التى بلغت تكاليفها المليارات من الدولارات. استمر تدفق الغاز إلى أوروبا بشكل طبيعى ومستقر حتى هذا العقد. عارضت الولايات المتحدة بشدة الاتفاق الروسى الأوروبى الاستراتيجى منذ الثمانينيات. رغم ذلك، فقد هيمنت الإمدادات الغازية الروسية على سوق الغاز الاوروبية لسببين رئيسيين: توفر الامدادات الروسية الضخمة لتلبى الطلب المتزايد على الغاز فى أوروبا. بمعنى أنه كان من الصعب توفير الإمدادات الضخمة من دول مصدرة فى حينه. ولتشييد شركة غازبروم الروسية البنى التحتية اللازمة من خطوط الأنابيب ومحطات الضخ لإيصال هذه الإمدادات إلى دول السوق الأوروبية دون انقطاع رغم الخلافات السياسية، حتى مؤخرا.
طرأت فى الآونة الأخيرة تحديات مهمة لهذه السياسة الروسية الغازية. فقررت دول السوق الأوروبية المشتركة تقليص الاعتماد الكبير على الغاز الروسى، وبالذات بعد أن تبنت أوروبا فعلا استعمال الغاز الطبيعى كالجسر ما بين عصر الهيدروكربون إلى عصر الطاقات المستدامة (الشمسية والرياح)، نظرا إلى انخفاض انبعاثات ثانى أكسيد الكربون من الغاز، وبعد أن بدأت الشركات الأمريكية تخطط لتصدير الغاز الصخرى إلى السوق الأوروبية بمعادلات سعرية منافسة للمعادلة السعرية الروسية.
***
تحفزت الدول الأوروبية لإيجاد بدائل للغاز الروسى بعد الخلافات الروسية ــ الأوكرانية حول سعر الغاز الروسى إلى أوكرانيا. وقد شكلت أوكرانيا منذ عهد الاتحاد السوفييتى دولة عبور مهمة لخطوط الغاز الروسى إلى أوروبا. وكانت تستلم حصة من هذا الغاز بأسعار مخفضة لاستهلاكها الداخلى. السبب وراء هذه الأسعار المخفضة هو مساواة الاتحاد السوفيتى فى حينه لسعر الغاز فى روسيا لسعره فى دول أوروبا الشرقية الموالية لها. لكن بعد انهيار النظام الشيوعى فى روسيا، بادرت موسكو برفع أسعار الغاز محليا فى روسيا نفسها، من ثم قررت أن ترفع أيضا رفع أسعار الغاز لدول أوروبا الشرقية أيضا أسوة بسعر الغاز الروسى الجديد.
رفضت أوكرانيا هذا القرار واستغلت موقعها كممر عبور لخطوط الأنابيب، فقررت فى بادئ الأمر عدم الالتزام بالسعر الجديد. لكن أصرت موسكو على موقفها بحيث حاولت إيقاف تدفق الغاز عبر أوكرانيا إلى أوروبا. وتوقفت الإمدادات فعلا لساعات محدودة ولكن كان ذلك فى فصل الشتاء حيث البرد القارص مما أدى إلى ازدياد المعارضة لهيمنة الغاز الروسى. كما تصادف هذا القرار مع بدء التخطيط لتصدير الغاز الأمريكى الصخرى، مما فتح المجال لاستيراد الغاز المسال الأمريكى، وبمعادلات سعرية أقل ثمنا من الغاز الروسى. وهذا العامل الأخير أثار حفيظة الرئيس الروسى فلاديمير بوتين الذى حذر فى مؤتمر غازى عالمى عقد فى موسكو بأن «أى تحدٍ للمعادلة السعرية الروسية إلى أوروبا هو تحدٍ للأمن القومى الروسى». وبالفعل بدأت روسيا تخطط لرسم خطوط أنابيب وأسواق بديلة لاحتياطها الغازى الضخم.
قررت روسيا تشيد خطوط أنابيب جديدة إلى أوروبا، متفادية عنق الزجاجة التى شكلتها أوكرانيا، فأخذت تصدر الغاز عبر تركيا وعبر بحر البلطيق مباشرة إلى ألمانيا. من ثم يتم التحضير حاليا للتصدير إلى أوروبا من خطوط أنابيب جديدة تتفادى دول العبور السابقة.
كما تبنت روسيا سياسة جديدة كليا لتفادى التحديات، هدفها الولوج فى أسواق ضخمة جديدة. فاتفقت على تزويد الصين بالغاز الطبيعى عبر خط أنابيب يمتد بين البلدين ذى طاقة ضخمة ومسافات طويلة المدى بالإضافة إلى تزويد الصين بالغاز المسال الذى يتم إنتاجه وتصنيعه فى القطب الشمالى.
من الجدير بالذكر، أن الاحتياطات الروسية الضخمة تكمن فى حقول كل من سيبيريا الغربية (التى تزود أوروبا بالغاز) وسيبيريا الشرقية (التى ستزود الصين بالغاز) والقطب الشمالى (لتزويد الغاز المسال إلى الصين حاليا ودول أخرى مستقبلا). تعتبر الصين من جانبها أضخم سوق مستهلك للغاز فى العالم.
***
على ضوء هذه السياسة الجديدة، ستبدأ روسيا خلال الأشهر القليلة المقبلة تشغيل خط أنابيب جديد لضخ الغاز إلى الصين. ومن أجل تزويد هذا الخط بالإمدادات اللازمة، بالإضافة إلى تزويد الخطوط الثلاثة الجديدة إلى أوروبا، ستزيد روسيا إنتاجها الغازى نحو 109 مليارات قدم مكعب سنويا، أى زيادة بحوالى نصف ما تصدره حاليا.
لأجل تنفيذ هذه السياسات، افتتحت روسيا رسميا فى 2 ديسمبر الحالى خط غاز «قوة سيبيريا» إلى الصين بطاقة 38 مليار متر مكعب سنويا. وسيدشن الخط الثانى «ترك ستريم» بطاقة 15، 75 مليار متر مكعب سنويا فى 8 يناير المقبل إلى تركيا، وهناك أيضا الخط الغازى الثالث من روسيا مباشرة إلى ألمانيا والسوق الأوروبية عبر بحر البلطيق «نورد ستريم 2» بطاقة 55 مليار متر مكعب سنويا وتكاليف 10.5 مليار دولار والذى يتوقع افتتاحه فى النصف الثانى من عام 2020.
***
هناك أبعاد جيواستراتيجية واقتصادية مهمة لمشاريع تصدير الغاز الروسية الجديدة التى تديرها شركة غازبروم العملاقة. فالأنبوب إلى الصين هو لتزويد سوق استهلاكية ضخمة جديدة. والأنبوبان الآخران لتزويد السوق التركية المهمة واستعمال تركيا كدولة عابرة وتزويد أوروبا بتفادى دول العبور السابقة. وبهذا تكون روسيا قد حصلت على سوق جديدة فى الصين وتركيا وشيدت خط عبور جديد إلى السوق الأوروبية متفادية دول العبور السابقة.
بالإضافة إلى خطوط الأنابيب الجديدة هذه التى تديرها شركة غازبروم، أخذت روسيا تعير اهتماما متزايدا لشركة نوفاتيك الروسية لاكتشاف وتسويق الغاز من القطب الشمالى وتصدير هذه الإمدادات بشكل غاز مسال إلى الأسواق العالمية بشحنه بحرا، متفادية بذلك العراقيل الجيوسياسية من عقوبات أمريكية وأوروبية لخطوط أنابيب شركة غازبروم (واحدة من اضخم شركات الغاز فى العالم).
اكتشفت شركة نوفاتيك حقل يامال فى القطب الشمالى، وقد أنتجت وصدرت الغاز المسال بنجاح من هذا الحقل العملاق، بالتعاون مع شركة توتال الفرنسية. تعمل شركة نوفاتيك، التى تحصل على دعم كبير من الحكومة الروسية فى تطوير حقول بحرية جديدة. فهناك على سبيل المثال، حقل غاز جديد فى الشرق الأقصى لروسيا، حيث تنوى تصدير 6,2 مليون طن سنويا من الغاز المسال عبر الناقلات المتخصصة لأسواق شرق آسيا القريبة.
من ثم، تحاول السياسة الروسية تبنى ثلاثة أبعاد لتفادى بعض العراقيل الجيوسياسية التى بدأت تواجه صادراتها الغازية:
أولا: تشييد خطوط أنابيب جديدة إلى أوروبا تتفادى فيها دول العبور السابقة المتكونة من دول اوروبا الشرقية.
ثانيا: تطوير حقول بترولية فى مناطق جديدة، مثل سيبيريا الشرقية والقطب الشمالى، بالإضافة إلى المناطق البحرية المحاذية للحدود الشرقية الشمالية الروسية.
ثالثا: دعم شركة روسية جديدة على الصعيد الدولى. فالشركة الروسية البترولية الأبرز حتى الآن كانت ولا تزال شركة غازبروم. لكن أصبح من الواضح الآن، أن شركة نوفاتيك ستلعب دورا متزايدا من خلال تركيزها على اكتشاف الغاز فى القطب الشمالى ومن ثم تزويد الغاز المسال فى الناقلات المتخصصة إلى سوق ضخمة جديدة فى الصين بالإضافة إلى أسواق أخرى مستقبلا.

وليد خدوري كاتب عراقي متخصص في أمور الطاقة
التعليقات