ازدياد الطلب على النفط والطاقات المستدامة خلال مرحلة التحول الطاقوى - وليد خدوري - بوابة الشروق
الخميس 9 يوليه 2020 10:44 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

ازدياد الطلب على النفط والطاقات المستدامة خلال مرحلة التحول الطاقوى

نشر فى : الإثنين 6 يناير 2020 - 10:15 م | آخر تحديث : الإثنين 6 يناير 2020 - 10:15 م

يزداد الطلب على كل من النفط والطاقات المستدامة من الرياح والشمسية فى نفس الوقت الذى بدأت فيه الخطوات الأولية للانتقال من عصر النفط إلى البدائل الطاقوية. تتبين هذه الظاهرة فى كل من الزيادة المستمرة على الطلب للنفط والطاقات المستدامة وكذلك إلى الارتفاع فى معدلات الاستثمار عالية الكلفة فى كل من هذين القطاعين. ومن أجل تبيان وقائع هذه الظاهرة سنحاول أن نشير إلى بعض الأمثلة للتطورات فى هذين المجالين والأسباب وراء هذه الظاهرة.
لماذا هذه الزيادة فى الطلب العالمى على النفط بخاصة، والطاقة عموما؟ يكمن الجواب فى سببين رئيسيين. الأول: الارتفاع المستمر فى عدد سكان العالم، من حوالى 5,3 مليار نسمة فى عام 1990 إلى نحو 7,3 مليار نسمة فى عام 2015 والتوقعات باستمرار ازدياد السكان إلى 8,5 مليار نسمة بحلول عام 2030 و9,7 مليار بحلول عام 2050 و11,2 مليار فى عام 2100. الثانى: هو ارتفاع مستوى المعيشة للدول الناشئة والنامية ذات أعداد السكان العالية (الصين والهند والبرازيل وكوريا الجنوبية) ومن ثم ارتفاع الطلب على السلع الاستهلاكية المعتمدة على الطاقة.
فمن ناحية، هناك الازدياد المطلق فى عدد سكان العالم. ومن ناحية أخرى، هناك ارتفاع معدل نمو السكان فى الدول الناشئة، التى تشهد نموا اقتصاديا واجتماعيا قياسيا فى العديد منها. الأمر الذى يعنى ازديادا مرتفعا فى الاستهلاك السلعى والكهرباء. لقد عوض الازدياد الاستهلاكى فى الدول الناشئة انخفاض الاستهلاك النفطى فى الدول الغربية الصناعية خلال السنوات الأخيرة، لتخوف الأخيرة من انبعاثات ثانى أكسيد الكربون للنفط. كما عوضت الدول الناشئة أيضا النقص فى استهلاك النفط بنموها الاقتصادى السريع وبروز طبقة متوسطة كبيرة لديها تستهلك الكثير من السلع الاستهلاكية المعتمدة على النفط.
***
تشير معلومات وكالة الطاقة العالمية لعام 2019 أنه «نظرا للنمو الاقتصادى للدول الآسيوية وللنمو السريع مؤخرا للصناعة البتروكيماوية فى الولايات المتحدة، سيزداد الطلب العالمى على النفط نحو 6,9 مليون برميل يوميا بحلول عام 2023 إلى نحو 104,7 مليون برميل يوميا. وتضيف وكالة الطاقة فى توقعاتها هذه «أن الصين ستستمر العامل الأهم فى زيادة الطلب العالمى. وهناك تخوف فى حال انخفاض معدل الاستثمار فى اكتشاف وتطوير حقول جديدة، كما حصل عند انهيار أسعار النفط خلال العامين 2014ــ 2016، سيحدث عندئذ عجز فى الامدادات». وبحسب الوكالة، «من المتوقع فى نفس الوقت أن تؤدى السياسات المستقبلية الأكثر صرامة للحد من الانبعاثات الكربونية إلى المساهمة فى التعويض عن استنزاف الحقول. كما أن زيادة استعمال المركبات الكهربائية والشاحنات المزودة بالغاز الطبيعى ستؤدى إلى الحد من استهلاك النفط». كما تضيف الوكالة، أنه من المتوقع أن يزداد عدد وإنتاج المصانع البتروكيماوية نظرا إلى توفر غاز الايثين قليل الكلفة، وتضيف القيود المتزايدة على السيارات لتقليص استهلاكها للوقود، هذا بالاضافة إلى توقع ازدياد الطلب من الدول الآسيوية. فستؤدى مجمل هذه العوامل إلى أن تستهلك المصانع البتروكيماوية، الجديدة منها والقديمة، إلى أن يشكل طلب الصناعة البتروكيماوية نحو 25 بالمائة من زيادة الطلب العالمى على النفط بحلول عام 2023. وبالإضافة إلى هذه العوامل، هناك القوانين العالمية الجديدة لوقود البواخر والناقلات ابتداء من أول شهر يناير 2020 التى ستحتوى على كبريت أقل. وتستنتج الوكالة أن هذه العوامل المختلفة «ستساعد فى الحفاظ على البيئة، وستغير الكثير من نمط الاستهلاك النفطى».
***
من الواضح، أن تزايد العوامل المهمة العديدة التى تتداخل فى صناعة وتجارة النفط فى آن واحد، قد تؤدى إلى الحذر والتباطؤ فى قيمة الاستثمارات الواجب إقرارها لهذه الصناعة، بالذات على حساب المتطلبات الاستثمارية الأخرى الضرورية فى الدول المنتجة نفسها.
لكن نجد أنه بالنسبة للنفط، ورغم فوضى الاضطرابات السياسية فى دول الشرق الأوسط مؤخرا والنقص الفاضح فى خدمات اقتصادية واجتماعية أساسية، أن عددا كبيرا من هذه الدول تزيد من نفقاتها الاستثمارية البالغة التكاليف لزيادة طاقتها الإنتاجية المستقبلية (السعودية، العراق، الإمارات، والكويت).
كما نجد أن عدة دول نفطية أخرى غير الأعضاء فى منظمة الأوبك، تزيد هى بدورها من طاقاتها الإنتاجية. فهناك الولايات المتحدة التى تشهد بفضل اكتشاف النفط الصخرى أعلى زيادة فى الإنتاج النفطى خارج الأقطار الأعضاء فى منظمة الأوبك. وكذلك تزداد الطاقة الإنتاجية من كل من البرازيل وكندا والنرويج. وهذه الدول الثلاث، بالإضافة إلى الولايات المتحدة، أعضاء فى منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية (مجموعة الدول الصناعية الغربية). من الملاحظ، أن زيادات الطاقة الإنتاجية لا تعنى بحد ذاتها أن هذه النفوط الجديدة ستلبى فقط زيادة الطلب على النفط، بل ستعوض هذه النفوط ما يتم استنفاذه من نفوط وما يتوجب تعويضه من نقصان لاحتياطى الحقول المنتجة. من ثم، فالاكتشافات الجديدة، رغم الكلف باهظة الثمن لها والتى تقدر ببلايين الدولارات سنويا، تخدم هدفين اثنين: تلبية الطلب العالمى المتزايد للنفط والتعويض عن انخفاضات الاحتياطات النافذة.
وبما أن الانتقال من عصر الوقود الأحفورى إلى عصر الطاقات المستدامة هو فى بداياته الأولى، حيث إنه لا يتم هذا الانتقال من مرحلة إلى أخرى بين ليلة وضحاها. لكن رغم الخطوات الأولية التى قد تم اتخاذها حتى الآن فى تشييد الطاقات المستدامة، ورغم هذه البدايات الأولى، كما هى فى العديد من الدول العربية، نجد أن الاستثمارات فى ازدياد واضح.
***
لكن، وكما تدل التجارب التاريخية، فإن صناعة الطاقة تختلف عادة ما بين دولة وأخرى. ففى دولة صغيرة، مثل الدنمارك، اتخذت الحكومة قرارا مبدئيا لتشييد جزيرة اصطناعية لتبنى عليها صناعة منشآت طاقة الرياح. سيتم استثمار 30 مليار دولار فى هذا المشروع الضخم، حيث يتوقع أيضا إنتاج طاقة إنتاجية كهربائية بقدرة 10 جيجوات، بالإضافة إلى إنتاج الأدوات والمكائن والمراوح اللازمة لطاقة الرياح. ورغم أن المشروع لايزال فى المرحلة المبدئية، إلا أنه يعكس اهتمام طموحات الدنمارك فى التخصص بمجال طاقة الرياح. من الجدير بالذكر، تعتبر الدنمارك من أكثر دول العالم اهتماما بتشييد منشآت طاقة الرياح. وتخطط الدنمارك لتقليص انبعاثات غازات التدفئة فى أراضيها نحو 70 بالمائة بحلول عام 2030، مقارنة بعام 1990. يعنى هذا التحول إلى الاعتماد أكثر فاكثر على الطاقات المستدامة، وفى مقدمتها الرياح.
لقد حققت الدنمارك الكثير حتى الآن فى مجال بدائل الطاقة. فهذه الدولة الصغيرة هى الأولى عالميا فى إنتاج طاقة الرياح. إذ أنها بدأت تنتج منذ عام 2018 نحو 41 بالمائة من الطلب على الكهرباء فى البلاد من طاقة الرياح. وهذه أعلى نسبة فى أوروبا لإنتاج الكهرباء من بدائل الطاقة حاليا. تعتمد وزارة الطاقة فى تنفيذ مشاريعها هذه على القطاع الخاص، فى كل من التمويل والتشييد، ويشمل هذا بناء الجزيرة الاصطناعية.
تكمن أهمية الدنمارك فى كونها واحدة من دول شمال أوروبا التى تولى اهتماما واسعا ببدائل الطاقة، وهذا يشمل الدول الإسكندنافية وألمانيا. كما تكمن أهمية الدنمارك فى اعتمادها على القطاع الخاص للتمويل والتشييد. وأخيرا، ومن أجل الاستفادة القصوى من بدائل الطاقة، فى تطوير تقنياتها تدريجيا، تعمل معاهد الأبحاث فى الدنمارك لاستعمال الرياح كطاقة خضراء فى الصناعة والأساطيل البحرية والجوية. والغنى عن القول، أن هذه الأبحاث قد بدأ العمل بها فى عديد من الدول الصناعية، وما الدنمارك إلا مثال عما يجرى فى هذا المجال.
كاتب عراقى متخصص فى شئون الطاقة
الاقتباس
لكن نجد أنه بالنسبة للنفط، ورغم فوضى الاضطرابات السياسية فى دول الشرق الأوسط مؤخرا والنقص الفاضح فى خدمات اقتصادية واجتماعية أساسية، أن عددا كبيرا من هذه الدول تزيد من نفقاتها الاستثمارية البالغة التكاليف لزيادة طاقتها الإنتاجية المستقبلية.

وليد خدوري كاتب عراقي متخصص في أمور الطاقة
التعليقات