لا يتوبون ولا يتعلمون - فهمي هويدي - بوابة الشروق
الثلاثاء 30 نوفمبر 2021 1:37 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

لا يتوبون ولا يتعلمون

نشر فى : الخميس 17 مايو 2012 - 8:40 ص | آخر تحديث : الخميس 17 مايو 2012 - 8:40 ص

بحثت عن سبب مقنع لتدخل مجلس الشعب فى الشأن القضائى وسعيه لإعادة تشكيل المحكمة الدستورية العليا فلم أجد. وإزاء هذه الحيرة فقد كدت أميل إلى أن أسبابا غير بريئة وراء اتجاه لجنة الاقتراحات بالمجلس لإعداد مشروع قانون بهذا الخصوص. أتحدث عن الزوبعة التى ثارت خلال الأيام الثلاثة الأخيرة بسبب موافقة لجنة المقترحات بالمجلس على اقتراح مشروع بقانون قدمه أحد النواب السلفيين، لإعادة تشكيل المحكمة العليا وفقا لمواصفات جديدة. وكانت الحجة الأساسية التى استند إليها الاقتراح أن رئيس المحكمة العليا الحالى ليس أقدم القضاة، ولكنه معين من قبل رئيس الجمهورية الأمر الذى يُجرِّح حياده «ويجعل رئيس أكبر محكمة فى البلاد تابعا لرئيس الجمهورية»، على حد تعبير صاحب مشروع التعديل النائب حسنى أبوالعزم.

 

ليس لدى كلام فى تفاصيل المشروع والتشكيل الذى يقترحه للمحكمة الدستورية، ولكن لى أربع ملاحظات حول الفكرة من أساسها، وتوقيت وسياق إطلاقها. ذلك أن تعيين رئيس المحكمة من قبل رئيس الجمهورية يعد ثغرة لا ريب، لكن مبلغ علمى أن مرسوما صدر من المجلس العسكرى منذ عام تقريبا عالج هذه الثغرة، إذ قرر أن رئيس المحكمة تختاره الجمعية العمومية من بين أقدم ثلاثة أعضاء بها. ويصدر التعيين بعد ذلك بقرار من رئيس الجمهورية. وبصدور المرسوم تنتفى المشكلة التى ذكرت فى تسويغ إعادة تشكيل المحكمة من جديد.

 

الملحوظة الثانية أن طرح الفكرة غير مفهوم فى الوقت الراهن، أعنى قبل أسابيع من إعداد الدستور الجديد وقبل أيام معدودة من انتخابات الرئاسة، ذلك أن الخرائط يمكن أن تتغير سواء لجهة تحديد سلطات الرئيس أو لجهة تشكيل هيئة المحكمة الدستورية والمحاكم الأخرى. فى حين أن الإقدام على تلك الخطوة حاليا من شأنه أن يربك المحاكم، فضلا عما قد يثيره ذلك من لغط.

 

الملحوظة الثالثة أننى لم أفهم وجه الاستعجال فى الموضوع، الذى لا أجد له مكانا فى الأولويات التى ينبغى أن تهتدى بها لجان المجلس فى ترتيب أعمالها. ذلك أننى أزعم أن أمام لجنة الاقتراحات والشكاوى قائمة طويلة من العناوين وثيقة الصلة بمصالح الناس وأوجه معاناتهم، كان ينبغى الالتفات إليها والانشغال بها قبل أن تصل إلى تشكيل المحكمة الدستورية العليا، الذى صوَّب مرسوم المجلس العسكرى طريقة اختيار رئيسها.

 

الملاحظة الرابعة والأهم هى أننى لا أرى من حيث المبدأ مصلحة أو حكمة فى تدخل السلطة التشريعية فى الشأن القضائى، ولا  أخفى أن ذلك التدخل يفتح الباب لشرور كثيرة وخطيرة، أقلها إهدار مبدأ الفصل بين السلطات. لم يقل أحد أن القضاة ملائكة ولا أنهم منزهون عن الهوى، لكننا لابد أن نعترف بأن النزاهة غالبة على هذا المرفق ومتأصلة فيه، الأمر الذى يفرض على الغيورين أن يحافظوا على استقلاله وأن يحترموا حرمته، لا أن يتحرشوا به ويدَّسوا أنوفهم فى شئونه.

 

إذا كان مبرر إعادة تشكيل هيئة المحكمة لم يعد قائما، ولا محل للاستعجال فيه، ثم أنه لا يتمتع بأية أولوية، ناهيك عما يمثله ذلك من عدوان على السلطة القضائية، فما الذى يبرر إذن إعداد مشروع القانون وتمريره من خلال لجنة المقترحات والشكاوى؟ حين نحتار فى الإجابة فإن ذلك ينقلنا من احتمال سوء التدبير ويدفعنا إلى التفكير فى احتمال سوء القصد. وأكرر أننى أتحدث عن احتمال وليس عن يقين. فى هذا الصدد لا أستطيع أن أتجاهل «الصرخة» الغاضبة التى أطلقها المستشار طارق البشرى فى مقالته التى نشرتها جريدة «الشروق» يوم الجمعة 11/5، وحذر فيها من تدخل السلطة التشريعية فى الشأن القضائى. مذكرا بأن المحكمة الدستورية العليا التى يراد إعادة تشكيلها محال إليها قضيتان تخصان مجلس الشعب، إحداهما تتعلق بعدم قانونية تشكيله، والثانية تدعى عدم دستورية التعديل الذى أدخله المجلس على قانون مباشرة الحقوق السياسية والمتعلق بعزل فلول النظام السابق.

 

هذه الإشارة تلمح إلى أن تحريك مشروع قانون إعادة تشكيل المحكمة الدستورية لا تستبعد فيه مسألة تصفية الحسابات، كأن الهيئة التشريعية تهدد إحدى هيئات السلطة القضائية بالمشروع الجديد، فى الوقت الذى تنظر فيه تلك الهيئة (المحكمة الدستورية) دعوى هى خصم فيها. وهو أمر إذا صح فإنه يضاف إلى سلسلة الأخطاء التى وقع فيها المجلس، الذى تورط فى سلسلة من الأزمات مرة مع المجلس العسكرى ومرة مع الحكومة ومرة مع القوى السياسية المختلفة (فى تشكيل لجنة وضع الدستور).

 

أدرى أن المجلس يسعى جاهدا لكى يتبنى قضايا المجتمع، لكن الأخطاء التى يقع فيها تشوه صورته وتسحب الكثير من رصيده. وإذا كنت قد دعوت أكثر من مرة إلى احتمال الأخطاء واغتفارها لأن ذلك هو السبيل الوحيد للتعلم، إلا أننى لاحظت أن الأخطاء تتوالى ولكن الخطائين لا يتوبون ولا يتعلمون.

فهمي هويدي فهمى هويدى كاتب صحفى متخصص فى شؤون وقضايا العالم العربى، يكتب عمودًا يوميًا ومقالاً اسبوعياً ينشر بالتزامن فى مصر وصحف سبع دول عربية اخرى. صدر له 17 كتابا عن مصر وقضايا العالم الاسلامى. تخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1961 ويعمل بالصحافة منذ عام 1958.