حول نتائج توصيات الحوار الوطني في ملف الصحة - علاء غنام - بوابة الشروق
السبت 22 يونيو 2024 9:19 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

حول نتائج توصيات الحوار الوطني في ملف الصحة

نشر فى : السبت 19 أغسطس 2023 - 8:15 م | آخر تحديث : السبت 19 أغسطس 2023 - 8:15 م
الحوار الوطنى الخاص بملف الصحة الذى بدأ منذ قرابة شهرين بشكل موسع وحضره عدد كبير من الخبراء فى الصحة والتنفيذيين خلص إلى تكوين لجنة مصغرة لصياغة نتائج الحوار، أصدرت ملخصا بعدة توصيات كما صرح بذلك الأمين العام للحوار أخيرا، وتشمل تحديدا أربع توصيات رئيسية كالآتى:
أولا: ضرورة سرعة إصدار تشريع يحدد أبعاد المسئولية الطبية.
ثانيا: ضم فئات جديدة تحت مظلة نظام التأمين الصحى القديم.
ثالثا: دعم تنفيذ نظام التأمين الصحى الشامل الجديد الذى كانت المرحلة الأولى منه ــ بعد مرور قرابة خمس سنوات على إصدار القانون ــ قد طبقت فى محافظات بورسعيد والإسماعيلية والأقصر وأسوان والسويس وجنوب سيناء بنسبة تغطية وصلت إلى 80% من السكان بها، وتمثل الدعم المطلوب كتوصية التوسع أفقيا فى كل المحافظات لهذا النظام الجديد فى مستوى الرعاية الأساسية الصحية.
كانت أمانة الحوار قد قامت بتوزيع ورقة استرشادية على المشاركين والمشاركات فى الحوار فى جلسته الأولى اﻻفتتاحية حول الصحة وأرقام وحقائق عن التأمين الصحى والنظام الصحى فى مصر، ومؤشرات التقدم فى مستوى الصحة بالجمهورية.
نرصد منها بعض الأرقام والحقائق كالتالى: نجحت الدولة فى تحسين مستوى الصحة للمواطنين والمواطنات عن طريق تنفيذ مبادرة مائة مليون صحة التى يرعاها السيد رئيس الجمهورية، ومن أهم المبادرات أيضا القضاء على فيروس سى والتى حققت نجاحا مبهرا شهدت به المؤسسات الدولية كنموذج ناجح للقضاء على المرض، وأضافت أن من أهم المؤشرات أيضا حسب الورقة العلاج على نفقة الدولة حيث بلغ إجمالى عدد المرضى الذين تم علاجهم على نفقة الدولة 3.3 مليون مريض ومريضة بتكلفة 14.4 مليار جنيه عام 2022 مقابل 2.9 مليون بتكلفة 11.1 مليار جنيه عام 2021 بزيادة بلغت نسبتها 29.7 % فى تكاليف العلاج.
ومن الحقائق المنشورة أيضا، بلغ إجمالى عدد الأسرة بمستشفيات القطاع الحكومى (83034) سريرا عام 2021 مقابل 88597 سريرا عام 2020 بانخفاض نسبته 6.3% (وهذا ما يستحق التساؤل عن الأسباب). كما بلغ إجمالى عدد الأطباء البشريين 100.8 ألف طبيب بشرى عام 2021 مقابل 91.5 ألف طبيب بشرى عام 2020 بزيادة بلغت 21.3%، وهذا يدعو للتساؤل أيضا حول أعداد الأطباء الذين تسربوا أو هاجروا خارج القطاع الحكومى فى نفس الفترة.
كما أشارت الورقة إلى أن إجمالى أعداد التمريض بلغت 193.2 ألف ممرض وممرضة عام 2021 مقابل 201.2 ألف عام 2020 بانخفاض بلغت نسبته 4.1%ـ وهذا أيضا يدعو للتساؤل عن الأسباب. وبلغ إجمالى عدد المنتفعين بالتأمين الصحى 53.7 مليون منتفع ومنتفعة عام 2021 مقابل 57 مليونا عام 2020 بانخفاض بلغت نسبته 5.8%، مما يدعو للتساؤل عن السبب. وفى حين بلغ إجمالى عدد مراكز الإسعاف 1535 مركزا عام 2021 بلغ 1565 عام 2020 بانخفاض بلغت نسبته 1.9% وهذا يثير التساؤل أيضا (المصدر الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء لهذه البيانات). أشارت الورقة للقطاع الخاص الطبى بشكل عام أن هناك زيادة فى أعداد الأطباء والتمريض والمستشفيات بنسبة عامة ﻻ تتجاوز 1% كبيانات أولية كما أشارت الورقة.
• • •
بالرجوع إلى توصيات الحوار وفى سياق هذه المعطيات الصماء crude numbers نرى أن التوصية الخاصة بالتوسع فى نظام التأمين الصحى الشامل الجديد على مستوى الرعاية الأساسية أفقيا بعيدا عن المرحلة السابقة التى كان قد أعلنها النظام تمثل تغيرا فى تنفيذ المشروع فى اتجاه إيجابى، لأهمية هذا المستوى من الخدمة ولأنه يمثل مدخلا حيويا للنظام ولضمان إحساس المواطنين والمواطنات بجدوى الإصلاح والتغيير الجديد، ولكن يظل من المهم أن تكون هذه التوصية قابلة للتنفيذ وأن تكون الحكومة قادرة على تحقيق هذا التوجه وتوفير البنية التحتية اللازمة له والقوى البشرية والتمويل الضرورى.
وعن التوصية الخاصة بضم فئات جديدة لنظام التأمين الصحى القديم نرى أنه توجه يستحق المراجعة فالنظام القديم يعانى أصلا من فقدان القدرة والجودة والملاءة المالية والإدارية الخدمية اللازمة لتحمل العبء، فهو مسجل لديه فعلا 53 مليون مواطن ومواطنة، ولذلك تعد توصية لسد الذرائع ﻻ أكثر فهذا النظام القديم به عدة قوانين أصلا لم تطبق فعليا مثل قانون 137 للتأمين على الفلاحين وقانون للتأمين على المرأة المعيلة والقرارات الخاصة بضم العمالة غير الرسمية ومن ثم فهذه التوصية تستحق المراجعة.
عدا ذلك مازال ملف الصحة أهم وأكبر من تلك التوصيات العامة، وأنه لم يحظ بأولوية تليق بخطورته وأهميته على مؤشرات التنمية البشرية، وﻻ فى ترتيب الجلسات الخاصة به فى المحور المجتمعى الأقل جاذبية من المحورين السياسى واﻻقتصادى، ورغم النيات الحسنة للجميع فقد كنا ومازلنا نرى أن الحوار فى ملف الصحة لم يصل بعد لتحديد جوهر المشكلة الصحية وهو وضع رؤية وتصور كامل واستراتيجى لإصلاح النظام الصحى مثلما هو مأمول فى كل سياسة إصلاح، فهى فى الصحة إصلاح سياسى واقتصادى فى العمق، إضافة إلى وضع خطوط واضحة لحوكمة النظام ماليا وإداريا وبشريا مما يحتم المزيد من الحوار ولفترة أطول للعديد من القضايا الأخرى الحيوية مثل الأطر التشريعية الضرورية لحوكمة النظام بإنشاء المجلس الأعلى للصحة الذى طالبنا به كثيرا، وتشكيل لجان لحقوق المرضى داخل المؤسسات الصحية، وصياغة وثيقة لحقوق المرضى تكون ملزمة فى مستويات تقديم الخدمات المختلفة. إلى جانب تفعيل دور لجنة تسعير الخدمات الطبية المشكلة داخل هيئة التأمين الصحى الجديدة.
مشكلة الخدمات الطبية الخاصة قد تصبح أكثر تعقيدا لصعوبة إيجاد أساس موضوعى لتسوية الخلافات فيها بين هيئة التأمين الصحى الجديدة ومقدمى الخدمات الطبية فى القطاع الخاص، فالخلافات ﻻ يمكن تفاديها لتضارب الأهداف بين الطرفين، فاﻻقتصاديون النفعيون يدافعون نمطيا عن منطق يقول إن مستوى الدفع الصحيح للأطباء على سبيل المثال هو المستوى الذى يتوازن فيه العرض مع الطلب، ولكن نقطة الضعف فى هذا المنطق يرجع لعدم مرونة الطلب على الصحة لأنها حتمية للحياة ولا يجب أن تتسم العلاقة بالمرونة وإنما بالتسعير العادل.
وثانيا: لأن أسواق الرعاية الصحية ﻻ يمكن أن تتسم باﻻكتمال أبدا ولذا فمن الصعب تطبيق هذه النظرية (العرض والطلب) فى الصحة فى الممارسة العملية، لننظر مثلا حالة البلدان التى لديها فائض من الأطباء ووضع أسعار السوق الحرة فيها من المرجح أن ينتهى إلى انخفاض دخول أغلب الأطباء ولذلك أحد الخيارات الآن لدينا فى النظام الجديد التأمينى هو أن توضع قضية التسعير للخدمات الطبية الخاصة والعامة فى أيدى هيئة مستقلة ذاتيا أو لجنة داخل هيئة التمويل التأمينى، تكون معزولة عن أى نفوذ أو تأثير سياسى بأقصى ما يمكن وتقوم بعمل فنى بحت لحساب تكلفة واقعية للخدمة أو الخدمات وفق معايير دولية مقننة تعتمد عليها فى حسابات التسعير الملائمة لملاءة واستدامة النظام لكل الأطراف فيه.
• • •
إلى جانب قضية الشراكة مع القطاع الخاص فى النظام التأمينى الجديد فمنذ سنوات وخاصة أثناء أزمة كوفيد، شهدت أسواق الخدمات الطبية حالة متفاقمة من اﻻنفلات السعرى والخلل السعرى بكافة أنواع الخدمة (الكشف والتحاليل والأشعات وخلافه) بما يتجاوز دخل وقدرات الأسر المصرية الفقيرة والمتوسطة على تحمل تكلفة هذه الخدمة التى قد تكون منقذة وضرورية للحياة، ومن ثم فإن التوصية الأساسية كما نراها فى هذا الحوار وفى ظل الأزمة الاقتصادية الحالية الحادة هى سرعة تنفيذ نظام التأمين الصحى الشامل بالسرعة الواجبة وحسب خطة مراحل التنفيذ التى كانت قد أعلنت مسبقا وخاصة فى مستوى الرعاية الأساسية الصحية، ولذا فمن الضرورى اﻻستمرار فى هذا الحوار لفترة أطول.
علاء غنام مسئول الحق فى الصحة فى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية وخبير فى إصلاح القطاع الصحى
التعليقات