من أهم.. مصر أم شركات الأسمنت؟ - محمود القيسونى - بوابة الشروق
الأحد 21 يونيو 2026 8:56 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

من أهم.. مصر أم شركات الأسمنت؟

نشر فى : الخميس 19 ديسمبر 2013 - 6:30 م | آخر تحديث : الخميس 19 ديسمبر 2013 - 6:30 م

الحكمة تقول إن نبدأ من حيث انتهت الدول المتقدمة، وأن نقتدى ونستفيد من تجارب الآخرين لنختار الأفضل والأصلح للوطن، لكن ما حدث خلال الشهر الماضى كان على العكس، إعلان بالعودة مائتى عاما للوراء.

فى أوائل شهر نوفمبر من العام الحالى 2013 نشرت الصحف القومية والخاصة اخبارا صادمة عن دراسة الحكومة استيراد خام الفحم لصالح شركات الأسمنت بمصر، وصاحب هذا الإعلان كلمات جذابة حول قدرة مصانع الأسمنت على استخدام الفحم بديلا للغاز، مع تصريحات لمسئولين بهذه المصانع عن اهتمامهم الكامل بالبيئة والتزامهم باستخدام أحدث أنواع التكنولوجيا لضمان الحد من الانبعاثات الضارة.

وكان واضحا كالشمس عمليات التجميل والإخفاء لحقائق هذا الأمر، وعدم توضيح التوابع الكارثية المرتبطة بمثل هذا القرار، وهو ما تنبهت له وزيرة البيئة والأجهزة التابعة لها فحاولت، وهنا أكرر حاولت، الاعتراض ووقف التفكير فى تفعيل هذه الكارثة البيئية، لكنها وزيرة الدولة لشئون البيئة، أى تتولى وزارة فى ذيل وزارات الدولة، ذات ميزانية محدودة للغاية وسط وزارات سيادية ووزارات كلاسيكية تشكل ثقلا سياسيا وماديا هائلا.

وأدت هذه الأخبار إلى فزعة هائلة للجمعيات الأهلية الهادفة لحماية حق المواطن الدستورى فى هواء نقى صحى، فعقدت عدة اجتماعات تم خلالها تجميع المعلومات والإحصائيات المؤكدة لمضار ومخاطر وتوابع استخدام الفحم فى توليد الطاقة، من منظمات وهيئات دولية، ومراكز بحث وجامعات لها ثقلها العالمى، وكانت المعلومات صادمة بكل معانى الكلمة.

وفى إطار الترويج لاستخدام الفحم فى صناعة الأسمنت، ظهرت المعلومات المغلوطة، والتى بلغت بأحد المدافعين عن تلك المسألة، خلال اجتماع كبير نظمته منظمة مصرية محترمة بهدف تبادل الآراء حول تلك القضية، ليقول «هل تعلمون انه كلما توقف إنتاج الأسمنت زادت الجريمة فى المجتمع»، متجاهلا وجود ممثلين فى هذا الاجتماع لصناعة أضخم آلاف المرات من الأسمنت، وتحقق خمسة عشرة مليار دولار فى السنة من الدخل القومى، ويعمل بها بشكل مباشر وغير مباشر أربعة ملايين مواطن مصرى، كل منهم مسئول عن أسرة، وهى صناعة السياحة، التى ستتأثر بشكل كبير إذا تمت الموافقة على استخدام الفحم كمصدر لطاقة المصانع فى مصر.

وهناك عدة حقائق مرتبطة بالفحم ينبغى توضيحها، ومنها ان الولايات المتحدة الأمريكية والصين أكبر مستخدمين للفحم فى توليد الطاقة، وهى الحجة التى استخدمها مؤيدو استيراده لصالح حفنة من المصانع لاقناع الجميع بهدفهم، والرد على هذا ان الولايات المتحدة حاليا بدأت تفعيل مخطط للحد التدريجى من استخدام الفحم وإحلاله بتكنولوجيا الطاقة البديلة، كما تشكلت جمعيات أهلية قوية للحث على الأسراع فى الحد من استخدام الفحم بعد ان بلغت حالات الوفاة بسببه أربعة وثلاثين ألف حالة سنويا.

أما الصين فقد أوقفت تماما المصانع والمحطات المعتمدة على الفحم شهر كامل قبل بدء المباريات والبطولات الأوليمبية والتى جرت على أرضها عام 2008 وذلك لضمان نقاء الهواء والالتزام بالاشتراطات الدولية لإقامة هذه المباريات ولم تعد تشغيلها حتى اليوم كما ان الشهر الحالى أعلنت الصين حظر بناء أى محطات أو مصانع تعتمد على الفحم فى أهم ثلاث محافظات ومنها أهم محافظة صناعية فى الصين بالكامل والعمل الجاد على الحد من الاعتماد التام على الفحم ليصلوا عام 2017 إلى أقل من خمسة وستين فى المائة، ويستمرون فى هذا المخطط مع التحول للطاقة البديلة بأنواعها والطاقة الذرية بعد ان واجهوا حملة شعبية هائلة من الاحتجاجات بسبب التلوث الهائل للهواء وتوابعه الخطيرة على صحة المواطن.

من جهة أخرى، فإن البنية الأساسية الحضارية المتطورة غير متوفرة فى مصر نهائيا لاستيراد هذه الخامة الخطيرة، بل بالعكس فالواقع صادم بكل معانى الكلمة. ولنأخذ مثل عملى وهو ميناء الحمراوين جنوب سفاجا بالبحر الأحمر، منذ عشرات السنين يتم تصدير الفوسفات منه بأسلوب بدائى للغاية دمر البيئة حوله تماما مما أصاب العاملين فيه بالتحجر الرئوى والوفاة المبكرة ولم يتم تطويره رغم كل الدراسات وكل الزيارات التفتيشية والحال كما هو حتى اليوم. معظم الموانئ المصرية إما ملاصقة للتجمعات السكانية أو قريبة منها، إحدى الشركات الأجنبية التى تدعو لاستيراد الفحم لمصر واستخدامه، تحدت عدم سماح البيئة بتلك الخطوة، ودفعت بشحنة ضخمة من تراب الفحم ألتقها فى العراء على أرصفة ميناء الدخيلة غرب الإسكندرية، منذ شهر، وبسبب النوات التى تضرب الإسكندرية تتطاير ذرات الفحم والتى هى أقل كثافة من ذرات الدقيق فى الهواء لتنتشر وسط التجمعات السكانية وتبلغ مكتبة الإسكندرية ولا تعليق.

هذا القرار لو تم اتخاذه سيحول مشكلة السحابة السوداء ــ التى نعانى منها منذ سنين وإصابات أطفالنا وكبارنا بأمراض مختلفة ــ إلى ظاهرة تافهة للغاية بالمقارنة بما سيحدث للبيئة المصرية وهوائها، لو تم فعلا استيراد الفحم لحفنة من مصانع الأسمنت، حيث سيتلوث الهواء بأكسيد الكبريت وبالزئبق والرصاص والدايوكسين وثانى أكسيد الكربون، وكلها سامة مدمرة لصحة الإنسان والنبات والحيوان والحياة البحرية، الأمر الذى ستكون له توابع سلبية مدمرة على كامل النشاطات السياحية الساحلية، والتى تشكل المقاصد الرئيسية الصامدة والمتبقية لجذب سياح العالم لمصر فى ظل الأزمة التى يعانيها القطاع السياحى فى الفترة الأخيرة.

فستتوقف كل النشاطات الساحلية والبحرية والتى تتكون من أكثر من سبعمائة وخمسين نشاطا متنوعا بين غوص ومراكب سفارى ونشاطات رياضية تحقق للدخل القومى أكثر من ثلاثة مليارات دولار سنويا، هذا غير عشرات الفنادق الضخمة والمنتجعات والقرى السياحية المنتشرة على السواحل. كما ستكون توابع استخدام الفحم مدمرة لمسارات هجرة الطيور والتى تقع مصر على اضخمها مما جذب سياحة مراقبة الطيور.

من جانب آخر، فإن توابع نقل خام الفحم فى سيارات نقل تتحرك على كامل الطرق الرئيسية من أقصى شمال مصر لأقصى جنوبها ومن أقصى شرقها لأقصى غربها سيؤدى إلى انتشار هذا الرماد الدقيق بسمومه وسط التجمعات السكانية بكاملها.

لكل المذكور أعلاه أطرح سؤالًا: من أهم... مصر أم شركات الأسمنت؟

محمود القيسونى مستشار وزير السياحة للشئون البيئية
التعليقات