النفسية.. مع د. محمد طه: التكرار القهري - محمد طه - بوابة الشروق
السبت 5 ديسمبر 2020 8:07 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

مع أم ضد استمرار التعليم عن بُعد إذا انتهت أزمة كورونا؟

النفسية.. مع د. محمد طه: التكرار القهري

نشر فى : السبت 21 نوفمبر 2020 - 8:40 م | آخر تحديث : السبت 21 نوفمبر 2020 - 8:40 م

فى هذا الباب الأسبوعى الذى يظهر كل يوم احد، يتواصل د. محمد طه أستاذ م. الطب النفسى، معكم، للإجابة على أسئلتكم واستفساراتكم فى كل ما يخص أحوال النفس، والطب النفسى، والعلاقات الإنسانية.

راسلونا على: http://m.me/mohamedtaha.net

●● كل الرسائل تخضع للسرية والخصوصية التامة، والإجابات عليها تكون بطلب المُرسل وبدون ذكر أية معلومات شخصية.

ــ يا دكتور..

أنا مدمنة على العلاقات المؤذية.. دايمًا بخرج من مؤذى للتانى، وبكون عارفه وواثقه إن العلاقه مش صحية. ودايمًا بتبقى علاقة أنا متأكدة إن آخرها مش هيبقى زواج. أنا عارفة مشكلتى وعارفة سببها، بس مش قادرة أحلها. سببها بابا، طول عمرى مفتقده حنيته، عمره ما حضنى فى حياته، كان شخص قاسى جدا، كان دائم الخيانة لأمى، وفى نفس الوقت بيتعامل معاها بكل قسوة، وبيؤذيها جسديًا.
فى الأول عقدتى منه كانت بتخلينى دايمًا أحب الاشخاص اللى فرق السن بينا كبير أوى. بعد فترة ابتديت اكتشف إنى كل شخص عرفته وحبيته عنده جزء من شخصيه بابا بنسبه كبيرة.

 

ــ أختى العزيزة..
أشكرك لشجاعتك فى عرض حكايتك المؤلمة للغاية.. والمتكررة كثيرا..
خلينى أكلمك عن «التكرار القهرى» الأول.. وبعدين هأقولك تعملى إيه..
كان فيه مشهد مشهور فى مسلسل (تحت السيطرة ــ رمضان 2015) بين (على) وحبيبته (هانيا).. (علي) رايح يشترى مخدرات من ديلر فى قلب الصحراء مقابل إنه يبيع له الموبايل.. يرجع (علي) للعربية ويقول لـ (هانيا): الموبايل معجبهوش.. خديه وجربى إنتى.. تنزل (هانيا) من العربية وتروح للديلر.. عيون (علي) تتملى دموع.. ويُفاجأ الجميع بإن (علي) بيدوَّر عربيته ويلف.. ويمشى.. ويسيب مراته (هانيا) للديلر يعتدى عليها فى مُقابل المخدر.. (علي) بكل خِسة ونذالة.. باع (هانيا).. ورماها فى الصحرا.. بالليل.. لأحد ذئاب البشر.
المُفاجأة الأكبر بقى.. والأكثر إدهاشًا وذهولًا.. إنه بعدها بكام ساعة.. باب بيت (علي) يخبط.. يفتح (علي) الباب.. يلاقى (هانيا) قدامه.. راجعاله.. بعد اللى عمله فيها ده.. وبالمناسبة.. دى مش أول مرّة ترجعله.. بعد ضرب أو بعد إهانة أو شتيمة أو بهدلة.
فيه ملاحظة مهمة لاحظها كتير من علماء النفس والمُعالجين النّفسيين من أول فرويد لغاية دلوقت.. وهى إن بعض النّاس عندهم نزعة شديدة وميل غريب لتكرار بعض التجارب المُؤلمة اللى فى حياتهم.. يعنى حد يتعرض لخبرة سيئة.. يقوم يحاول بعدها يُهيئ كل الظروف والأحداث والأشخاص (نفسهم أو زيهم) ويكرر نفس الخبرة السيئة دى تانى.. واحدة تمّ معاملتها بإهمال وهى صغيرة.. تكبر ويتحوّل سلوكها لواحدة بتدور على اللى يعاملها بإهمال أكتر وهى كبيرة.. واحد اتظلم واتهان واتعرض لمعاملة قاسيّة من أهله.. بعد ما يكبر تلاقيه بيدور على اللى يظلمه ويروحله.. وعلى اللى يعامله بقسوة ويشبط فيه.. حد تانى دخل فى تجربة عاطفيّة مُؤلمة وانتهت بالفشل.. يقوم لما يجى يدخل فى تجربة تانية.. يختار سِكة زى السِّكة القديمة.. وشخصيّة زى الشخصيّة اللى فاتت.. ويكرر نفس التجربة.. ويعيد نفس الألم.. وينتهى إلى نفس النهاية.
ده اسمه فى التحليل النفسى (التكرار القهري) Repetition Compulsion..، وبيكون ليه عادة سبب من أربعة:
الأول: هو إن الواحد يعيد سيناريو نفس الأحداث القديمة بكل تفاصيلها وأدوارها وظروفها علشان نفسه ينهيها نهاية مُختلفة غير اللى انتهت عليها قبل كده.. يعنى مشهد صعب فى حياته ومش محلول جواه.. يعيد صنعه وتركيبه كل شوية مع شخص أو أشخاص جُداد يلبسهم الأدوار القديمة (أو حتى نفس الأشخاص القديمة) علشان يحل معاهم اللى معرفش يحله قبل كده.. ويعمل نهاية جديدة وسعيدة ومُريحة بدل النهاية البائسة السابقة.
السبب التانى: هو إن الواحد غالبًا بيكون فى تجاربه المُؤلمة الأولى ضعيف ومُضطّر ومش بإيده أى حيلة.. وكل حاجة بتكون اتعملت غصب عنه ومش بإرادته.. وحسّ وقتها بالذُل والانكسار والمهانة.. فيجى دلوقت يعمل كل ده تانى.. بكل حذافيره وتفاصيله.. بس بمزاجه وإرادته وكامل وعيه.. يعنى تبقى المرة دى (بيدى لا بيد عمرو).. فيحس (ولو إحساس مُزيف) إنه له السيطرة على الأمور وله التحكم فى الأحداث..
السبب التالت: هو إنه كان فى اللى حصله قبل كده (الضحيّة).. كان مُستسلم ومغلُوب على أمره.. فيرجع المرّة دى لينتقم.. يرجع شريط حياته لورا ويكرر نفس التجربة مع نفس الحد (أو مع حد جديد) بس يكون المرّة دى هو (الجانِي).. وياخد بتاره.
السبب الرابع بقى (ومش الأخير) هو إن كتير من اللى بيتعرض لتجارب وخبرات مُؤذية وقاسية فى حياته بيحس بالذنب إنه ما دافعش عن نفسه.. أو إنه هو اللى وصَّل نفسه لكده.. أو إنه هو اللى ساعد الطرف التانى إنه يُؤذيه.. ودَه بتحسّه كتير من البنات ضحايا التحرش والاغتصاب (بفعل عوامل نفسية ومجتمعية وثقافية كتير).. فيبدأ يتنقم من نفسه.. ويعذبها.. ويجلدها.. بتكرار نفس الأحداث.. واستدعاء نفس الأذى.. واستعذاب نفس الألم.
فيه بعض الناس بتستلذ بتعذيب نفسها.. وجلد ذاتها.. ناس بتعمل دماغ من الألم.. وبتستعذب الوجع.. دُول بكل بساطة.. بينتقموا من نفسهم.. أو بينتقموا من غيرهم فى نفسهم.

نرجعلك يا صديقتى العزيزة..
اللى بتوصفيه محتاج علاج.. محتاج طبيب أو أخصائى نفسى يسمعك.. ويفهمك.. ويساعدك.. الكلام هنا أو القراءة والاطلاع ممكن يخلوكى واعية بتفاصيل وأسباب مشكلتك.. وانت كده بالفعل.. لكن لا بديل فى حالتك عن علاج نفسى متخصص.
علشان كده أنصحك بالتوجه فى أقرب وقت لأحد المتخصصين.. والبدء فى العلاج النفسى فورا..

كل دعواتى بالخير لك..

محمد طه أستاذ مساعد الطب النفسي بكلية طب المنيا
التعليقات