نحن المجموعات التى تنشط فى «الحضور الوقائى» داخل المجتمعات الفلسطينية المهددة بالتهجير، نتحدى اليوم الذين يتحدثون فى البلد وخارجه عن عنف المستوطنين، بأن يُحدثوا تغييرًا حقيقيًا من خلال الانضمام إلينا على الأرض. من المهم أن يرفع الحاخامات أصواتهم، وأن يوقّع وزراء سابقون من حزب الليكود، مثل دان مريدور ومئير شطريت، على إعلان مدفوع يقول إن أعمال الشغب التى ينفّذها المستوطنون فى الضفة الغربية هى جرائم حرب مدعومة من الجيش. لا يكاد يمر يوم من دون تقارير فى وسائل الإعلام الرئيسية تتحدث عن عنف المستوطنين، ونسمع عن ضغوط جديدة على إسرائيل من أقرب حلفائها فى الإدارة الأمريكية؛ ومع ذلك، يستمر العنف على الأرض، لا بل يتصاعد، ويحظى بدعم أكثر مباشرة ووضوحًا من قواتنا الأمنية؛ هذا الدعم يفوق كل ما رأيته خلال ثلاثين عامًا من قيادتى لمنظمات حقوق إنسان إسرائيلية. وأولئك الذين يقولون إنهم يعارضون عنف المستوطنين، لكنهم لا يفعلون شيئًا، إنما يقدّمون النصر على طبق من ذهب للذين يطردون الفلسطينيين بالعنف.
لدى المستوطنين قدر كافٍ من الالتزام يجعلهم مستعدين للتخلى عن مصادر رزقهم، وحتى عن أمنهم، من أجل ما يؤمنون به، فهم لا يكتفون بالكلام، بل يعملون على الأرض ليلًا نهارًا، بينما معظمنا لا يفعل ذلك؛ لو أن واحدًا فى المائة فقط ممن يزعمون أنهم يعارضون عنف المستوطنين والاحتلال تطوّع للعمل على الأرض، ولو فى دورية واحدة شهريًا، لتغيّرت قواعد اللعبة. نحن بحاجة إليكم معنا فى حضور وقائى قانونى وغير عنيف. نحن بحاجة إلى 20 متطوعًا يكونون حاضرين على مدار الساعة فى كل واحد من المجتمعات المهددة بالزوال، ويرافقون الذين يرغبون فى العودة إلى بيوتهم. تقول المحكمة العليا والدولة باستمرار، إن المجتمعات المُهجَّرة يمكنها العودة، لكنهما لا تأمران بحمايتها. وبالمناسبة، يوجد اليوم فى الميدان مدافعون عن حقوق الإنسان من سن العشرين حتى السبعين.
وفى الواقع، أفضل دليل على قيمة الوجود فى الميدان هو الاستخدام الكبير من طرف الجيش لأوامر «مناطق عسكرية مغلقة» تُفرض على المناطق التى نعمل فيها. يتم تطبيق هذه الأوامر ضدنا، ويقول لنا الجنود بصراحة إنهم لن يطبّقوها على المستوطنين. حتى عندما لا يشارك الجنود أنفسهم فى العنف، مثلما يحدث كثيرًا، فإن القادة الذين يفرضون أوامر الإغلاق يعرفون أن ذلك بمثابة حكم بالإعدام على المجتمعات الفلسطينية عندما يمنعون وجودنا، لكنهم يسمحون للمستوطنين العنيفين بالدخول. أولئك الذين يسعون لطرد الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم يريدون إبعادنا لتمكين المستوطنين من ممارسة العنف من دون عائق، وغالبًا من دون توثيق. أى إن مَن يُصدرون هذه الأوامر يؤمنون بأن لوجودنا تأثيرًا.
نسمع من قوات الأمن أننا نحن المشكلة، وكأن شرّ المعتدين ليس هو السبب، بل وجودنا هو الذى يستفزهم لكى يُقدموا على ضرب الناس وإحراقهم وقتلهم. وكأن كل شىء سيكون هادئًا لو أننا لم نستفزهم بالدفاع عن أشخاص لا تحميهم قوات الأمن. فى الواقع، يحدث معظم الاعتداءات عندما لا نكون موجودين، لكن قوات الأمن محقة فى نقطة واحدة: لولا وجودنا لعمّ الخراب، لأن مجتمعات كاملة كانت ستغادر بيوتها، فضلًا عن عشرات المجتمعات التى اختفت فعلًا. كانت هناك أماكن كثيرة لم نعُد نسمع فيها ثغاء الأغنام، ولا ضحكات الأطفال.
يمكننا أن نتحدث بلا نهاية عن أخطاء حكومتنا وقوات الأمن والمستوطنين تجاه الإسرائيليين الفقراء، وتجاه المواطنين غير اليهود، وبصورة خاصة تجاه الفلسطينيين فى الضفة الغربية. لكن كما نتعلم فى كتاب «فصول الآباء»، ليس القول هو الأساس بل الفعل. وكان الحاخام أبراهام يهوشع هشل يقول دائمًا: «فى المجتمع الحر المذنبون قلة، لكننا جميعًا مسئولون».
لا يزال اليهود الإسرائيليون، بل حتى غير اليهود من المواطنين، يتمتعون بدرجة معينة من الديمقراطية. وأضيف أن الشعب اليهودى كله، وكل مَن لديه ضمير من البشر والدول، شركاء فى هذه المسئولية. كوننا فى الجانب الصحيح عندما نحتج، أو نشارك فى تظاهرات، لا يعفينا ذلك من هذه المسئولية؛ يمكن أن تخفف التظاهرات عن ضمائرنا، لكنها لا تغيّر السياسات فى مواجهة حكومة غير مكترثة بالرأى العام.
يشعر كثيرون بألا شىء مما يمكننا فعله سيؤثر، لكن علينا أن نتحدى أنفسنا ونقوم بأفعال ملموسة ربما يكون لها تأثير. تُعلمنا التقاليد اليهودية أن ننظر إلى الحياة كميزان: لا نعرف قط ما إذا كان الفعل الصغير الذى نقوم به، والذى يبدو عديم القيمة فى لحظته، هو الذى سيرجّح الكفة على المستوى الشخصى أو الكونى.
لا أستطيع أن أزعم أن الحضور الوقائى ينجح دائمًا، لكنه ينجح أحيانًا. والأهم من ذلك، أنه ذو معنى كبير بالنسبة إلى الفلسطينيين. فهم يقولون لنا كثيرًا إنه لولا وجودنا، لكانوا غادروا منذ زمن. لقد فرغت منطقتان فى نطاق مسئولية منظمتى، بسبب أوامر الإغلاق التى منعتنا من التواجد مع سكانهما.
عندما أتحدث مع الفلسطينيين، أكون صريحًا: علينا أن نجرب كل شىء، لكننى لا أستطيع أن أضمن أن أى إجراء سيُتخذ سيوقف العنف، أو مصادرة الأراضى، أو اقتلاع الأشجار. الشىء الوحيد الذى أستطيع قوله هو: «مهما حدث، لن تكونوا وحدكم». أفكر فى مئات السنين التى كنا فيها، نحن اليهود، وحدنا عندما كانت أبوابنا تُحطَّم فى الليل. إن عدم ترك الفلسطينيين وحدهم هو نداء قوى ينبع من التاريخ والتقاليد اليهودية.
نظرًا إلى الجهود المكثفة التى يبذلها أصحاب السلطة لمنع الحضور الوقائى، فإنه لا يمكن أن يكون الأداة الوحيدة، ولم يكن كذلك يومًا. لكنه سيظل أداة أساسية إذا تمكنّا من تجنيد عدد كافٍ من الأشخاص للحفاظ عليه وتوسيعه. هناك مجتمعات لا تُفرَض عليها أوامر إغلاق، وإذا فُرضت أوامر إضافية، فسيصبح السبب الحقيقى لها أكثر وضوحًا، وهو ما يعزز قدرتنا على الطعن فيها أمام القضاء.
بحسب فهمى، إن قانون لا تقف مكتوف الأيدى أمام دم قريبك -المستند إلى الوصية فى التوراة- يعنى أن هناك حالات يُلزمنا فيها القانون الإسرائيلى بدخول مناطق مغلقة عندما لا تكون قوات الأمن التى ُبلّغناها بشأن الخطر موجودة، أو غير قادرة على الوصول فى الوقت المناسب لحماية الأرواح والأملاك.
أعلم أن هناك مَن لا يرون سوى الشعب اليهودى، ولا يحترمون إنسانية غير اليهود، وسيفعلون كل ما فى وسعهم لعرقلة مبادرات مَن يحترمون كرامة الإنسان وحقوقه. فلنُظهر نحن روحًا نضالية.
إريك أشيرمان
هآرتس
مؤسسة الدراسات الفلسطينية