شعبان في المهرجان - داليا شمس - بوابة الشروق
السبت 14 ديسمبر 2019 7:00 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

شعبان في المهرجان

نشر فى : الأحد 22 نوفمبر 2015 - 8:35 ص | آخر تحديث : الأحد 22 نوفمبر 2015 - 8:35 ص

صوت شعبان عبد الرحيم ينطلق من الميكروفون الذي وضع أعلى السيارة ليتغنى بصفات المرشح للانتخابات ويعدد مؤهلاته. ثم تلا فقرة شعبان عبد الرحيم أغنية مهرجانات، تكنو- شعبي، تم تأليفها خصيصا للغرض نفسه. ويستوي في ذلك الحي الراقي والعشوائي، فيما يعد عنوانا لهذه الانتخابات البرلمانية الدائرة، خلال فترة أخذ فيها الخوف من الأزمات المتلاحقة مداه، ووصلت درجة الشعبوية أقصاها. وبخلاف ما جرى في أول انتخابات رئاسية عام 2012، بعد ثورة 25 يناير، لم يتغن فنانو المهرجانات بمطالبهم في الحرية والعدالة الاجتماعية، ولم يقولوا "عاوزين حد يجيب حقوقنا.. مش عايزين حد يخنقنا"، بل جاءت الكلمات هذه المرة فارغة من معناها.. مجرد عبارات مرصوصة ومتقطعة، على إيقاع حماسي متكرر، لكن الأسلوب ظل يعكس روح القاهرة الساخرة وفوضاها. ويعكس أيضا روح البرلمان القادم والأيام المأزومة وانتشار "سبوبة" الانتخابات وتدفق المال السياسي.

هي انتخابات الصوت العالي والصياح والصراخ، كما رأينا في المرحلة الأولى، وكما نرى يوميا على شاشات التليفزيون التي تخضع لأوامر لا نعرف من أين تأتي ولا كيف يتحول الجميع تقريبا بمقتضاها إلى "كورال الفكرة الواحدة".. تتسلط على رؤوسنا وآذاننا، ليلا و نهارا، حتى يصدقها البعض ويرددون "فلنبقى على ما نحن عليه"، خوفا من تردي الأوضاع.

***

يجد الناس في الأفكار الشعبوية طوقا للنجاة من الأزمة.. ربما، من يعرف ما كتب لنا أو علينا؟ وكالعادة يلتقط الإعلام التليفزيوني الخيط ويعزف على وتر الأزمة والخوف، فيبث أفكارا ضحلة، أحيانا مثيرة أو صادمة أو لاهية، لكنها أكيد جردت من أي محتوى فعلي أو معنى، تماما كما أغاني المهرجانات التي نظمت بغرض الدعاية الانتخابية. و كلام الليل مدهون بزبدة يطلع عليه النهار يسيح.

احتياجات الناس في وقت الأزمات السياسية الحادة تجعلهم يندفعون نحو كل ما قد يحمل بارقة أمل.

قد يتخلون عن شيء من ذاتيتهم واستقلاليتهم ويعلقون الآمال على شخص بعينه أو مؤسسة لها قدسيتها ووضعية خاصة داخل النفوس (مؤسسة دينية أو عسكرية أو حزب سياسي). يسترجعون من تقاليدهم وتاريخهم وتراثهم ما يعضد هذا التعلق. ويحدث ذلك بالأخص في حالة الجماهير التي ابتعدت طويلا عن الحلبة السياسية، حتى لو انجذبوا إلى شعبوية دون أدنى خيال، لا تأتي لهم بالكثير، سوى غوغائية تتملق العوام، تماما كعبارات أغاني مهرجانات الانتخابات، إلى ما غير ذلك. وبدلا من أن تهدىء من روع المواطنين تتأقلم مع مخاوفهم وتزيد عليها. نخاف من اللاجئين لأنهم قد يغيرون هوية البلد، نخاف من الغرباء والأجانب، نخاف من الثورة لأنها قد تؤدي إلى فوضى مؤسسية وإلى تشرذم السلطة.

***

نخاف ونخاف ونخاف، حتى نصبح محافظين أكثر فأكثر، ونلتف حول شعبوية هلامية يمثلها شخص ملهم يستدعي طاقات الشعب الكامنة وسماته الدفينة والتاريخية، دون وساطة، مخاطبا إياه وجها لوجه، بشكل مباشر، بعيدا عن النخب التقليدية. يحدث ذلك في بقاع مختلفة من العالم، وليس حكرا على أحد. وبما أن اليسار لم يأت بجديد وظل متقوقعا في عالمه الخاص، وبما أن اليمين ساهم في تزايد المد الشعبوي واستغرق في مغازلة الجماهير، وبما أن المواطن تحول إلى مستهلك بالدرجة الأولى، فإن الشعبوية تكسب من الجولة الأولى، داخل الانتخابات أو خارجها.. هذا هو سمت أوقات الأزمات والشكوك، طالما أجاد الشعبويون اللعبة. المهم أن يجيدوا الخروج من اللعبة، وألا يتحول الموضوع برمته إلى أغاني مهرجانات انتخابية راقصة، تظل تجوب الشوارع والأزقة دون جدوى، اللهم ضجيج فارغ.

التعليقات