قبل أعوام قليلة، نشرت هيئة الآثار السعودية خبرا يضم صورا ومعلومات توضح اكتشافا أثريا لنقوش من عهد قدماء المصريين لملوك يجلبون النحاس من تلك المنطقة فى شمال غرب جزيرة العرب، وذلك قبل 3200 سنة مضت.
كان الخبر مدهشا، وهو مدهش حقا للمثقف العام وليس للباحث والدارس وعلماء الآثار.
ومصدر دهشة المثقف العام، أن هذه المعلومات بقيت محظورة على النشر رغم اكتشافها قبل سنوات طويلة، وهو نفس السلوك الذى فعلته إسرائيل حين كشفت عن نقوش لملوك مصر القديمة وهم يستخرجون النحاس من صحراء النقب، بل وأسست إسرائيل بعدها متحفا لآثار مصر القديمة فى صحراء النقب!
الأجواء السياسية أصبحت فى السنوات الأخيرة مناسبة لأن تنشر مثل هذه الأخبار التى كانت محظورة من قبل، وقد نعود إلى أسباب ذلك فى مقال مستقل.
دعنا نبقى الآن فى الجانب الأثرى والتاريخى وليس السياسى. فحين نشرت وسائل الإعلام السعودية خبرها عن نقوش مصرية قديمة فى شمال غرب البلاد كتبتُ حينها مقالا أعطيته عنوان «رد الاعتبار للجاهلية»!
سأستفيد من هذه المقدمة لعرض بضعة سطور مدرسية عن «عصر ما قبل الأسرات» فى الأراضى المصرية.
لقد اعتاد الناس الاهتمام بتاريخ مصر باعتبار أن الملك «نعر مر» (نارمر) المشهور باسم «مينا موحد القطرين» هو البداية فى كل شىء فى تاريخ مصر السياسى الممتد من 3000 سنة قبل الميلاد إلى وقتنا الحاضر حين تأسست أقدم دولة موحدة فى التاريخ.
وهنا يسأل أحدهم: ألم تقولوا لنا إن حضارة مصر 7 آلاف سنة؟ كيف تقولون الآن 5 آلاف سنة منذ مينا موحد القطرين.
حسنا: لا يوجد تعارض، 5 آلاف سنة يقصد بها دولة موحدة لها نظام سياسى وجيش ونظام إدارى وعقيدة دينية، أما 7 آلاف سنة فيقصد بها اكتشاف/ اختراع الزراعة وتوقف أهل وادى النيل عن الارتحال والحركة والبداوة بين الصحراء والنهر واستقرارهم فى مجتمعات زراعية تركت أدلة من الفخار وغيره من اللقى الأثرية.
ولقد توصل العلماء إلى أن عصر «ما قبل الأسرات» يشغل الفترة ما بين إدخال الزراعة فى حوالى 4400 ق.م وتوحيد البلاد بقيادة أول ملوك الأسرة الأولى (سنة 3050 ق.م). أى أن عصر ما قبل الأسرات شغل من تاريخ مصر نحو 1400 سنة فى أقل تقدير، ويمده بعض الباحثين ليصل إلى ألفى سنة قبل ظهور نعر مر (مينا موحد القطرين).
لقد قدم هذا التاريخ إجابة على سؤال كان يحير الجميع كيف ولدت حضارة مصر عملاقة فجأة مع الأسرة الأولى بهذا المجد وهذه القدرات وهذا التنظيم المبدع الذى يستعصى على الفهم؟
يقول علم ما قبل الأسرات: لقد ظل المصريون القدماء يجربون ويتعلمون ويمارسون الزراعة فى قرى ذات سلطات إدارية محلية وإقليمية، ارتقى بعضها إلى إمارات ووحدات سياسية مستقلة عن بعضها البعض طيلة 1400 سنة، قبل أن تأتى سلطة مركزية توحيدية تستفيد من تجارب ذلك الزمن الطويل السابق على ظهور الأسرة الأولى.
ويذهب العلماء إلى أن مصطلح «ما قبل الأسرات» يشير إلى «تلك الفترة التى كوّن فيها المصريون ثقافة نابضة وتنوع ثرى مكنهم من الوقوف على قدم المساواة مع الحضارات الباهرة فى بلاد الشام والشرق الأدنى، ثم التفوق عليها فيما بعد».
ومثلما انشغل العلماء لفترة بالبحث فى الأسباب التى حولت المصريين من حياة صيد البر وجمع الطعام إلى الحياة القروية الزراعية، ينشغل العلماء الآن بكيفية حدوث التحول الثقافى الذى أدى إلى تلاحم القرى الزراعية فى وحدات سياسية إقليمية ومن ثم اتحدت لتكوّن أول دولة، بل أول أمة كبرى فى التاريخ.
وعلينا أن نلاحظ أن أكثر من 90% من الأوراق العلمية والكتب والبحوث والمقالات التى تلقى جاذبية القراءة حول العالم تتناول مصر القديمة فى عصر الأسرات، أما عصر ما قبل الأسرات بتاريخه الطويل فلا يلقى سوى اهتمام محدود.
ولا يحظى تاريخ عصر ما قبل الأسرات بتمويل البعثات بشكل كبير ولا تهتم به مصر أيضا. ويكفى أن أضرب مثالا بالزيارة التى قمت بها للمواقع الأثرية لعصر ما قبل الأسرات فى نقادة وفى أبوتشت وبقية المواقع الغربية فى نجع حمادى.
فحين تجولت قبل 3 سنوات فى هذه المنطقة رأيت كيف تعانى هذه المنطقة من تعديات من نوعين:
- فردية من قبل الفلاحين الراغبين فى التوسع الزراعى واقتناص أرض صحراوية لزراعة القمح أو البرسيم ولسان حالهم «نحن ننتج الغذاء ويجب أن نلقى التشجيع والدعم.. ماذا استفدنا من إبقاء هذه المنطقة الصحراوية لما تسمونه عصر ما قبل الأسرات دون فائدة ودون استخدام ولا يأتى إليها أحد لا سائحين ولا طلاب أو غيرهم».
- تعديات من سلطة المحليات التى تبنى بعض التجمعات العمرانية لإسكان الشباب، على مواقع هذه المواضع لعصور ما قبل التاريخ. رغم أن الصحراء مفتوحة ومتسعة إلى الغرب من هذه المواضع الأثرية المهمة.
وفى كلمة الختام أود أن أسجل أن المؤرخين سيذكرون العام الحالى (2025) باعتباره عام إثارة الوعى لدى عموم المصريين بتاريخهم القديم مع افتتاح المتحف المصرى الكبير.
وليس ذلك ببدعة فى تاريخ مصر الحديث، بل يأتى مصادفًا لمرور قرن من الزمن لأول إثارة كبرى فى وعى المصريين المحدثين بتاريخ بلادهم إثر اكتشاف مقبرة توت عنخ أمون (1922).
فقد أعقب ذلك الاكتشاف عشرون عاما من كتابة المقالات وتأليف الكتب والروايات لدى نخبة المثقفين المصريين فى عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين واستمد منها كتاب الأربعينيات والخمسينيات بعضا من الزخم.
ويحدونا الأمل بالمثل فى أن يلقى «عصر ما قبل الأسرات» اهتمامًا مستحقًا، لأنه سيعلمنا درسًا بليغًا فى النهضة والصعود والتطور حين نعرف أن الحضارة المصرية لم تولد عملاقة فجأة بل ولدت بعد مرحلة طويلة من التجارب على مدى ألفى سنة سبقت تأسيس الأسرة الأولى.