صدر الكتاب الذى بين أيدينا فى عام 2011، وما زالت أهميته كما لو صدر للتو. وهذه ميزة العمل مع الوثائق: تزداد أهمية كلما تقادم عمرها. تحوى الوثائق معلومات عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية لسكان بلدة القصر فى الواحات الداخلة بصحراء مصر الغربية. وتعود قصة هذه الوثائق إلى عام 2003، حين اكتشفها بعض العمال الذين كانوا يقومون بترميم بيت قديم من الطوب.
يعود عمر البيت إلى عام 1750 وعثروا فيه على مجموعة من الأوراق بين الأنقاض. تغطى الوثائق فترة زمنية تمتد لأكثر من 300 سنة، من أواخر القرن 16 وتنتهى فى أوائل القرن 20. كان ذلك البيت معروفا بانتسابه لعائلة «القرشى»، وأفاد السكان المحليون أن البيت كان معمورا بسكانه حتى عام 1940.
وعائلة القرشى واحدة من أبرز عائلات مدينة القصر، وكان أعضاء تلك الأسرة يمتلكون الأراضى والأشجار والماء. وكان منهم التجار والأعيان بل والحاصلون على رتب عسكرية، حيث تلحق أسماؤهم بلقب «جوربجى» (وأحيانا تكتب «شوربجى» أو «جربجى»). علاوة على ذلك حمل بعض أفراد الأسرة القرشية رتبة (أوضا باشة) وتكتب أحيانًا «اضا باشة» أو «أداباشة».
تقع مدينة القصر فى منتصف الصحراء الغربية على بعد 550 كيلومترا إلى الجنوب الغربى من القاهرة، وعلى بعد 375 كيلومترًا إلى الغرب من مدينة الأقصر، وفى منتصف المسافة بين وادى النيل والحدود المصرية الليبية. وكانت القصر قاعدة عسكرية فى العصر الرومانى. ومن أقدم مساجد القصر مسجد أقيم على ضريح منسوب إلى الشيخ ناصر الدين من العصر الأيوبى فيما بين القرنين 12و 13 م.
وخلال العصر العثمانى كانت الداخلة والخارجة تحكم من القاهرة، وأصبحت مدينة القصر هى المدينة الأكبر والأكثر أهمية فى الواحات الداخلة تليها مدينة القلمون. وفى كلتا المدينتين كانت توجد محاكم شرعية. ووفقا لإحصاء السكان فى عام 1867 م عاش فى بلدة القصر نحو 3500 نسمة.
وكانت أشهر معالم المدينة مدرسة تمثل معهدا تعليميا يضم غرفًا صغيرة لإقامة الطلاب الأغراب من خارج القصر، وفيها تعلم معظم القضاة والكتبة الذين تظهر أسماؤهم فى «مجموعة وثائق القصر».
درس الوثائق المؤرخ الهولندى د. رودلف بترس وعربها وساهم فى تفسيرها المؤرخ المصرى د. عماد هلال (مدير وحدة البحوث الوثائقية بدار الوثائق وقت صدور الدراسة).
حصل الباحث الهولندى على منحة مالية للدراسة من جامعة هارفارد فى عام 2008 للعكوف على تفسير هذه الوثائق. ويشير الباحث إلى قائمة طويلة لشكر من ساعدوه فى مصر، من بينهم د. مجدى جرجس (جامعة كفر الشيخ والجامعة الأمريكية بالقاهرة وقتها)، الذى تشارك مع الباحث خبرته الواسعة فى تفسير مقتنيات دار الوثائق القومية.

تضم المجوعة التى عثر عليها بين الأنقاض أوراق وقصاصات وأجزاء صغيرة من وثائق عديدة بعضها مكتمل وبعضها منقوص مقطوع، بعضها مقروء وبعضها فى حالة متردية لا تسمح بقراءته. تضم الأوراق نصوصًا دينية، وخطابات شخصية، ونصوصا سحرية، وتمائم، ومستندات قانونية ومالية. وقد تم ترميم تلك الوثائق فى إطار مشروع «قصر الداخلة»؛ حيث عولجت كيميائيا لإزالة ما بها من تصلب ويبوسة، ووضعت كل ورقة بين لوحين من الزجاج لحفظها، وتم ترقيمها وتصويرها، وتخزينها فى مخازن هيئة الآثار المصرية، تفتيش الداخلة، فى مدينة موط.
وتتألف الأوراق من نحو 230 وثيقة قانونية ومالية، وتشمل أنواعا مختلفة مثل: العقود، وبراءات الديون، ووقفيات الملكية، والأحكام القضائية والفتاوى، والأنشطة الزراعية التى تشتمل على: تأجير أو بيع الأراضى، أو الأشجار، أو حقوق المياه، وعقود المزارعة، وعقود بيع المحاصيل قبل موعد الحصاد (البيع الآجل)، وإيصالات دفع الضرائب على الأرض أو الينابيع وصيانة وترميم الينابيع، وقوائم حررها فلاحون مستقلون تسجل أولئك الذين أجروا منهم حقوق الانتفاع بالمياه.
وتظهر فى الوثائق أهم المهن والحرف اليدوية من حدادين، ونجارين وفخارنية وصانعى الحصر، والقزازين، والغطاسين (الذين يعملون فى تنظيف آبار المياه العميقة)، والنحاسين، والإسكافية.
وقد تأسس اقتصاد مدينة القصر على زراعة النخيل، الأرز، القمح، الزيتون، وأنواع عديدة من الفاكهة، وكما هو واضح من وثائق القروض، فإن الفلاحين كانوا يزرعون محاصيل نقدية للسوق لا للاستهلاك حيث تم بيع المحاصيل بطريقة البيع الآجل ولا سيما التمور، فقد كانت الواحة تبيع لوادى النيل ما بين أربعة آلاف إلى خمسة آلاف حمل جمل من التمور سنويا. وكان تمر هذه الواحة يخلط بالعسل لإنتاج نوع قوى من العرقى، الذى كان منتشرا فى تلك الأنحاء.
كانت الواحات فى العصر العثمانى جزءًا من التنظيم الإدارى للبلاد، ويرأس الواحات «كاشف» أى حاكم عام. وغالبا ما كان شخص واحد يجمع بين منصبى كاشف الواحات وحاكم جرجا، وهذا الأخير كان فى الواقع يسيطر على معظم صعيد مصر. فى مرحلة ما خلال القرن التاسع عشر أعيدت صياغة التقسيم الإدارى لمنطقة الواحات، وأصبحت الواحات الداخلة جزءا من مديرية أسيوط.
وتكشف هذه المجموعة الوثائقية أيضًا عن أهميتها كمصدر من مصادر التأريخ للشريعة الإسلامية، فهى تظهر الممارسات القضائية فى مثل هذا المكان النائى والمعزول، وعلاقتها بالمؤسسات القضائية العثمانية، وكيف كان قضاة القصر يأخذون بالعرف ويدمجونه فى الشريعة. ولقد صدرت 65 وثيقة من هذه المجموعة ووقعت من إحدى المحاكم الشرعية فى القصر أو القاهرة وأقدم وثيقة منها ترجع إلى سنة 987 هـ /1589م، وأحدثها لسنة 1264ه / 1848 م.
وأغلب التصرفات التى صدرت من محكمة القصر تحمل أسماء وتوقيع قضاة شافعيين ينتمون إلى عائلات محلية. وهذا يسجل لنا أن سكان القصر، بل كل سكان الواحات الداخلة والخارجة حقيقة، كانوا ينتمون إلى المذهب الشافعى. ولا يمنع هذا من وجود عقود وأحكام صيغت على بقية المذاهب (المالكية والحنابلة والأحناف).
فى الكتاب معلومات وتفاصيل مفيدة لكل من الباحثين المتخصصين وعموم المثقفين، على حد سواء.