أوهام مقابل الواقع: سياسة تركيا تجاه الشرق الأوسط وشمال أفريقيا - العالم يفكر - بوابة الشروق
الخميس 6 أغسطس 2020 2:45 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

أوهام مقابل الواقع: سياسة تركيا تجاه الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

نشر فى : الجمعة 24 أبريل 2015 - 9:35 ص | آخر تحديث : الجمعة 24 أبريل 2015 - 9:35 ص

نشر موقع يوريشيا ريفيو مقالا للكاتبين التركيين سولى أوزيل المحاضر فى جامعة قدير هاس، وبهلول أوزكان أستاذ مساعد فى جامعة مرمرة، يعرضان فيه تطور الدور التركى فى منطقة الشرق الأوسط من الحرب الباردة إلى الثورات العربية ومحللين الوضع التركى بعد سقوط الإسلاميين فى المنطقة. يبين المقال فى بدايته أنه عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة فى تركيا عام 2002، استطاع أن يطور دورا إقليميا ناشئا لخلق سياسة خارجية تركية جديدة متعددة الأوجه. وبعد أن جعلت تركيا من نفسها وسيطا إقليميا خلال العقد الأول من القرن الحادى والعشرين، تحولت مع الانتفاضات العربية فى 2011 نحو نمط أكثر تطفلا فى التعامل مع جيرانها فى الشرق الأوسط. وبعد مرور أربع سنوات، انهار الدور الإقليمى الذى كان واعدا فى الماضى. وخسرت أنقرة الرهان على استيلاء الإسلاميين على السلطة فى الدول المجاورة. كما فقدت مصداقية خطابها بشأن ضرورة نشر الديمقراطية فى جميع أنحاء المنطقة، الذى يخفى طموحها نحو الهيمنة. وبددت معظم رصيدها الجيوسياسى الإقليمى.

نشأة النموذج الجيوسياسى الراهن فى تركيا
يرى المقال أن انتهاء الحرب الباردة حررت تركيا من علاقة تعتمد فيها على حلفائها الغربيين ونشطت مساعى أنقرة لتصبح فاعلا وحيدا لاستكشاف ما أسماه مالك المفتى الأستاذ بجامعة تافتس، أثناء رئاسة تورجوت أوزال، «النموذج الامبراطورى» لسياستها الخارجية. توسعت سياسات أوزال، مدعومة اقتصاديا، على أساس علاقات التحالف الموجودة فى تركيا والفرص التى تتيحها بيئة الحرب الباردة فى جميع أنحاء تركيا، لتحرير البلاد من ترددها حتى الآن فى الشئون الخارجية.
وعندما تولى اسماعيل جيم ــ وزير الخارجية التركى 1997ــ 2002 منصبه، أعلن أن هدفه جعل تركيا دولة ذات نفوذ عالمى. وبحلول نهاية عام 1999، كان التقارب مع إسرائيل منذ عام 1996 قد عزز القدرات الاستخبارية والعسكرية التركية، وعندما طالبت تركيا الإطاحة بعبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستانى التركى، وهددت سوريا بالحرب، اضطرت دمشق لطرده. كما سار التقارب بين تركيا واليونان على الطريق الصحيح. واتخذت أنقرة أيضا خطوات جادة نحو الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبى، وفى 1999 أعلن الاتحاد الأوروبى أن تركيا مرشحة للانضمام إلى إليه. وصارت أنقرة فى وضع يمكنها من تقديم مبادرات لدمشق بعد وضع أوجلان فى السجن وانتهاء الحرب مع الأكراد على نحو فعال. وعمل جيم بنشاط للتوسط فى النزاع الإسرائيلى الفلسطينى. وتم إصلاح العلاقات مع إيران أيضا حيث دفعت المصالح الاقتصادية الجارتين للتقارب. وباختصار، دخلت تركيا الألفية الجديدة بسياسة خارجية إقليمية بناءة وأكثر نشاطا بكثير.
ويشير المقال إلى أن هجمات 2001 فى الولايات المتحدة جعلت من «التجربة التركية»، العلمانية والديمقراطية، والبلد المتكامل اقتصاديا مع العالم، ذا السكان المسلمين الذى كان عضوا فى منظمة حلف شمال الأطلسى، ويسعى لعضوية الاتحاد الأوروبى، جذابة للغاية كشريك وحليف. وفى أعقاب حرب العراق عام 2003، التى لم تدعمها تركيا فى ظل حزب العدالة والتنمية، كان المناخ مواتا بشكل غير متوقع. ففى مقابل الواقع المرير الجهادى لتنظيم القاعدة، قدم البديل التركى توليفة قابلة للحياة من المحافظة الدينية والتحرر الديمقراطى. وفى نفس الوقت، وبسبب الفشل فى حرب العراق وتأثيرها فى زعزعة الاستقرار فى المنطقة، كانت الولايات المتحدة فى حاجة إلى ثقل تركيا كقوة تحدث توازنا. وأخيرا، أدت الاستثمارات الضخمة لحزب العدالة والتنمية، الباحث عن أسواق جديدة، إلى تفضيل علاقات اقتصادية واجتماعية أوثق مع الشرق الأوسط.

هل يعتبر الشرق الأوسط المناطق النائية فى تركيا؟
يوضح المقال هنا أن العقد الأول من الألفية الجديدة مثل العصر الذهبى لـ«القوة الناعمة» التركية فى الشرق الأوسط، نظرا لارتفاع شعبية المسلسلات التركية فى أنحاء المنطقة. وخلال هذه الفترة، بدا شعار السياسة الخارجية لتركيا «انعدام المشكلات مع الجيران». وسوقت تركيا نفسها على أنها محايدة «تمثل الوساطة» فى النزاعات فى المنطقة، مثل إسرائيل وفلسطين، إسرائيل ــ سوريا ولبنان والعراق.
ومع تزايد تأثيرها على جيرانها، واصلت أنقرة علاقات ودية مع مجموعة واسعة من اللاعبين فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقية، شملت سوريا وإيران على الرغم من التوترات مع واشنطن بشأن هذه السياسات.
وبينما كان حزب العدالة والتنمية يسعى لإقامة علاقات جيدة مع طهران، حاول بكل السبل تحقيق التوازن مع النفوذ الإيرانى التوسعى فى المنطقة بعد مغامرة واشنطن فى العراق. وكانت العلاقات مع إسرائيل أيضا وثيقة حتى اندلاع عملية الرصاص المصبوب الإسرائيلية فى غزة 2008ــ 2009، وساعدت تركيا فى عقد المحادثات غير المباشرة بين إسرائيل وسوريا.
ويعتقد المقال أن خيارات السياسة الخارجية التركية اتسمت بالبراجماتية، حتى مع تفضيل بعض صانعى السياسة للمشابهين فكريا. وأدى رد رئيس الوزراء أردوغان الغاضب على الحرب فى غزة والهجوم على سفينة المساعدات التركية، إلى تبريد واضح للعلاقات الدبلوماسية. وألهمت الشعبية الهائلة التى اكتسبها أردوغان بين الجماهير العربية لموقفه من إسرائيل، حزب العدالة والتنمية للاستفادة من هذه الشعبية وبناء المزيد من الرصيد السياسى المحلى مع الجمهور التركى الأوسع نطاقا.
وخلال فترة ولايته الأولى، ركز حزب العدالة والتنمية على بناء علاقات وثيقة مع الاتحاد الأوروبى وتعزيز التكامل الاقتصادى مع دول الشرق الأوسط. وأدى ذلك إلى ازدهار التجارة مع دوله فى السنوات التى تلت 2002.
وشكل تعيين أحمد داود أوغلو وزيرا للخارجية فى عام 2009 نقطة تحول لسياسة تركيا فى الشرق الأوسط. فمنذ الانتفاضات العربية عام 2011، لم تعد تركيا تتعامل مع نفسها على أنها «الوسيط»، ولكن باعتبارها «فاعل منشئ للنظام». ويعنى هذا التحول من النهج الحذر للتعامل مع المنطقة باعتبارها «منطقة مصالح» إلى اعتبارها «منطقة نفوذ» بما يعنى تطفلا أكثر فى التعامل مع الدول المجاورة. وشكلت أهداف السياسة الخارجية التركية التى وضع تفاصيلها داود أوغلو، عام 2001 فى كتابه «العمق الاستراتيجى»، العمود الفقرى لسياسة تركيا فى الشرق الأوسط على مدى العقد التالى. وقد كانت رؤيته «متجبرة» وفقا للمقال، حيث تصور تركيا خليفة للإمبراطورية العثمانية التى حكمت شرق البلقان والقوقاز، والشرق الأوسط لمدة خمسة قرون. ووفقا لذلك، ويعرف أوغلو هذه الأراضى على أنها «المناطق النائية» فى تركيا.
ويعرض المقال – وفقا للكتاب ــ رؤية أوغلو للدول العربية حيث يعتبرها دول «مصطنعة» تمت مع انهيار الخلافة العثمانية. كما أن استمرار وجود ديكتاتوريات فى تلك الدول العربية بدون دعم شعبى سيؤدى بالضرورة إلى سقوطها. ويعتبر المقال أن هذه الرؤية تعد ثورة فى السياسة الخارجية التركية.

سراب فرصة الانتفاضات العربية

ويوضح المقال أن الرؤية الاستراتيجية لداوود أوغلو دارت حول أن تركيا يجب أن تعزز هيبتها لدى شعوب المنطقة من خلال إقامة علاقات اقتصادية وثيقة مع الأنظمة الاستبدادية فى الشرق الأوسط. ولكن بمجرد أن بدأت رياح التغيير تهب، كان على تركيا دعم الأحزاب الإسلامية الصاعدة، التى تتمتع بتأييد واسع فى جميع أنحاء الشرق الأوسط. ورأى داوود أوغلو أنه كان من المستحيل بالنسبة لتركيا، وهى دولة غير عربية، أن تبسط سيطرتهن فى الشرق الأوسط بسبب فكرة القومية العربية.
ووفقا لذلك، دعمت تركيا ـ قبل الثورات العربية ـ الأحزاب والأنظمة الإسلامية. فأقامت العلاقات مع النظام الإسلامى للبشير فى السودان. وقدمت دعما حاسما للأحزاب التابعة للإخوان المسلمين ــ مثل الحزب الإسلامى العراقى وحركة حماس فى فلسطين. ومن ناحية أخرى، أقامت علاقات ودية مع الحكام المستبدين مثل الأسد فى سوريا، مبارك فى مصر، والقذافى فى ليبيا.
ويبين المقال أن أوغلو رأى إطاحة بن على فى تونس ومبارك فى مصر بداية التحول الذى انتظره فى الشرق الأوسط. وبمجرد حدوث ذلك بدأت تركيا تتصرف باعتبارها استرجاعية، حيث سعت فى صعود الإسلام السياسى فى جميع أنحاء المنطقة. لكن حزب العدالة والتنمية لم يستطع كبح تطلعاته نحو الهيمنة الإقليمية، وبدأت السياسة الخارجية الطموحة تنكشف بسبب «الغطرسة الزائدة»، وتبين أن«النموذج التركى» الذى كان يأمل فيه جميع اللاعبين الدوليين الرئيسيين تقريبا، ما هو إلا سراب.
وفى الختام يؤكد المقال أن سياسات حكومة حزب العدالة والتنمية تجاه الشرق الأوسط فى أعقاب الثورات العربية اصطدمت بالكثير من الميول السياسية التقليدية فى تركيا. وابتعدت تفضيلات داوود أوغلو، بدعم من أردوغان، عن براجماتية أنقرة السابقة وسمحت للاعتبارات الأيديولوجية بتوجيه السياسة بدلا من ذلك. ونتيجة لذلك خسرت تركيا فرصة واقعية كى تصبح قوة إقليمية رئيسية. كما فقدت مصداقية خطابها الديمقراطى الظاهرى، الذى نقضه كل من سجل تركيا المحلى ودعمها الضمنى للقوات المناهضة للديمقراطية فى جميع أنحاء المنطقة، بما فى ذلك رعايتها للتطرف الجهادى السنى فى سوريا والعراق. ومن المرجح أن تسعى تركيا للتراجع، وأيا كان الخطاب الحكومى فى السنوات القادمة، فإن تركيا ستحاول إعادة وضع نفسها على طول الخطوط الأكثر تقليدية، إلى جانب حليفها الأمريكى واصلاح العلاقات مع القوى الإقليمية الرئيسية.

التعليقات