لماذا مدائن العقاد؟! (5) - رجائي عطية - بوابة الشروق
الخميس 28 أكتوبر 2021 11:15 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لانطلاقة الأندية المصرية في بطولتي دوري أبطال إفريقيا والكونفدرالية؟


لماذا مدائن العقاد؟! (5)

نشر فى : الأربعاء 25 ديسمبر 2019 - 10:55 م | آخر تحديث : الأربعاء 25 ديسمبر 2019 - 10:55 م

الإلمام بموسوعية العقاد، وتنوع عطائه الذى لم ينقطع منذ سنواته الأولى حتى فارق
 إلى الرفيق الأعلى، يقتضى أن ننتقل إلى صورة أخرى من الصور التى عالجناها فى المجلد الأول لمدينته.

نلمح فى الفصل الخامس بالمجلد الأول من المدينة، أنه تحدث فيما تحدث عنه، عن ماكس نوردو، وعن الصلة بين القرائح الرياضية والتدين، وانتقل إلى الفلسفة والفلاسفة، فتكلم فيما تكلم عنهم عن أناتول فرانس، وعمانويل كانت، وطرح سؤالا ــ أجاب عليه ــ هل الخيام من المتصوفة؟ وهو سؤال بقى يتجدد حتى اليوم.

اخترت لك هذه الموضوعات المتنوعة، دلالة على موسوعية العقاد، وتوسعاته الفكرية. حين كتب من أكثر من تسعين عاما عن الصلة بين القرائح الرياضية والتدين، لم تكن قد أنشئت بعد جماعة الإخوان حين كتب ذلك للبلاغ فى فبراير 1923، ولا كان هناك كيانات متأسلمة أخرى تشف عن ذلك، بيد أن العقاد وصديقه المازنى سبقا إلى سبر هذه الصلة التى دلت عليها الحوادث بعد عشرات السنين.

رأى الأستاذ العقاد فيما كتب ــ أن «الذهن الرياضى» أقرب الأذهان إلى التدين والإيمان بالغيب، وأبعدها عن رد العقائد إلى «علل» الأشياء الخارجية. ولا محل لاستغراب ذلك، فكثيرا ما يلاحظ ميل جهابذة المهندسين إلى التصديق «بالرُقَى» و«التعاويذ»، وانخداعهم بترهات الدجالين وأباطيل السحرة والعرافين، وتوسلهم بالأولياء والأشياخ فى قضاء لباناتهم كما تفعل العامة، فيعجب الناس أشد العجب ولا يهتدون إلى التوفيق بين هذه الخلة وما يعرفون فى أولئك «الجهابذة» من رجاحة العقل والرسوخ فى العلوم.

وظنى أننا لا نزال لليوم، نلمس هذه الظاهرة فى كثير من أهل العلوم الرياضية وما يتصل بها من علوم، بلجوء بعضهم إلى الدجل والدجالين، وتصديق الرُقَى والتعاويذ، ونرى فيما نراه، نجاح الفكر الدينى المتطرف فى اختراق أمثال هذه العقول البارعة فى العلوم، وتجنيدها فيما لا يتفق مع 


المفترض فيها من الإحاطة العلمية، وذكاء الفهم، ورجاحة العقل.

بيد أن العقاد يورد تفسيرا لذلك، وليس تبريرا له، فحواه أن معلومات الإنسان تنقسم من وجهتها العامة إلى قسمين: حقائق خارجية، وحقائق ذهنية. فأما «الخارجية» فيعنى بها ما يقابل كلمة (Objective)، وهى الكلمة التى توصف بها الحقائق المستفادة من ملاحظة الأشياء الخارجية وتمحيصها وتدخل فيها علوم الطبيعة، وعلى الجملة كل ما يقيده الحسن من المشاهدات التى يقوم عليها البرهان بالاستقراء.

أما «الذهنية» فيعنى بها العقاد ما يقابل كلمة (Subjective)، وهى كلمة لوصف الحقائق التى يقوم البرهان عليها «بالبديهة»، ولا يتوقف العلم بأولياتها على المشاهدة والاستقراء. ومنها أصول «الحقائق الرياضية» وأصول «المنطق» و«الفلسفة الإلهية»، ويلحق بها كل ما هو وجدانى لدنِى من المعرفة والفنون حتى الموسيقى.

ولهذا تتآخى فروع هذه الحقائق أحيانا وتتآلف العلوم التى تبحث فيها وتتقارب الملكات التى تكون أو تتنامى فى المشتغلين بها، ولا يندر أن نجد ما يجمع بين الرياضة والفلسفة وبين الموسيقى، كالفارابى وفيثاغورث وابن سينا، وأينشتين صاحب فلسفة «النسبية»، فهو إلى جوار العلوم الرياضية فيلسوف وموسيقار بارع فى العزف على القيثار.

فاعتماد الرياضيين على البديهة أكثر من اعتمادهم على الحس والملاحظة، واستعانتهم بالفروض أكثر من استعانتهم بالتجربة، وموقفهم أمام المجهول موقف من يسلم به فرضا ولا يستبعد فيه شيئا، وهذا هو سر اختلاط تدينهم بالميل إلى تصديق المعجزات والخفايا وما شاكلها مما يلى البديهة، ومن المعلوم أنه قد اشتهر من الرياضيين «أوليفرلودج» الإنجليزى، و«فلامريون» الفرنسى، و«أديسون» الأمريكى، ومع ذلك تفانوا ــ سيما الأول والثانى ــ فى إثبات «أسرار 
الروح» وكشف غوامض الاستهداء وإماطة الحجاب عن الغيب.

عاد العقاد بعد استطراد طويل، إلى الخيام.. هل هو متصوف؟ إن ذلك يستدعى أولا تحديد ما هو التصوف؟

بعد أن أبان العقاد مفهوم التصوف من منشئه وما تقلب عليه من تطورات، حتى صار «هياما» وتجردا عن الدنيا، والتماسا للقدرة على تصريف قوى الطبيعة وتسخير العناصر والإتيان بالخوارق والكرامات.. ثم الإمعان فى إبعاده عن قصده حتى التبس «بالباطنية»، وهى ما يقابل الكلمة (Mysticism) عند الإفرنج، ولعلها أقرب ترجمة لها فى العربية لأن أصل الكلمة اليونانية من التبطن والغموض أو الخفاء.

وعلى ذلك يرى الأستاذ العقاد أن الخيام لا يعد من المتصوفة، لا من المتصوفة المتعبدين، ولا من المتصوفة الذين يرمزون بالخمر وألحان إلى غير معناهما الصريح، أو يكنون بالوصل عن الوصول، أو باللذات عن الفيوضات الربانية، ولكن إذا أريد بالتصوف «روح التدين» والاستهداء والغوص على أسرار الحياة، فإنه مما لا ريب فيه أن الخيام متصوف مطبوع فى سويداء قلبه على التدين، حتى ولو جاء شعره كله طافحا بذكر الخمر والحان والتغنى بمتعة الجسد.

وتفسير ذلك فيما يسوق الأستاذ العقاد، أن العاطفة الدينية إنما تُعْرف فى صاحبها من اشتغال باله بأمر الدين، وامتلاء نفسه بالشوق إلى حقيقته. وليس من الضرورى ترقب ظهور هذه العاطفة الدينية فى أعمال العبادة والنسك والتسبيح دون غيرها، ذلك أن مظاهر النفس الإنسانية عميقة لا حدَّ لها، وقد تبدو عاطفة «التقوى» فى صورة من الهوس لا تتطابق مع المعتاد فى تعبيرات المتدينين. وكذلك كان تدين الخيام.

يدعو الأستاذ العقاد إلى النظر إلى شعر الخيام.. حينذاك تجد رجلا يفتأ يعيد نغمة واحدة، ولا يعدو فى جملة رباعياته أن يقول ما فحواه: «لقد بحثت حتى أضنانى البحث فما ظفرت من الصواب بنصيب. طلبت الحق فى أمر الدين فأعيانى طلبه. طرقت صوامع النساك وغشيت مجالس الحكماء فخرجت منها كما دخلت ولم أجد فى كل ما قالوه وكتبوه بُغْية نفسى، ولا انتفعت منهم بما يشفى غلتى ويطفئ شوقى. سألتهم الهداية ولا هداية عندهم ولا عند غيرهم. وا أسفاه! فلنسل إذن بالخمر عن ذلك السر الذى ضللنا طريق مفتاحه ففقدنا بفقده أمل الحياة.. لا خير فى الدنيا بلا عقيدة فى الضمير، فلنتركها لأهلها، ولنغن عن حطامها وجاهها ومجدها الكاذب ــ بكأسٍ من خمر ورغيفٍ من خبز وصفحةٍ من كتاب ونظرةٍ إلى وجه جميل. ذلك بلاغ من الدنيا لمن فاته سر الدين...».

بهذا التعبير العميق الوافى، يعرض الأستاذ العقاد خلاصة ما يُعْتقد أنه إلحاد الخيام، وفحوى رباعياته وفلسفة الحياة عنده. ثم يتساءل هل هذه طبيعة رجل لا خطر للدين فى 
قلبه، ولا مكان لأسرار الحياة فى لبه؟ وهل هذه الطبيعة البادية فى عباراته خلقت غنية أو مستغنية عن الدين قادرة على أن تعيش بغيره ولا سائلة عن لباب الحياة وحكمة خالقها؟

إن البحث عن «السريرة» يرينا أن صاحب الرباعيات شاعر فيلسوف، عناه أمر الدين أيما عناية، واستأثر بقلبه الشوق إلى العقيدة، فلما عَزَ عليه الجواب، صغرت فى عينه الحياة، ومال على الناس يتخذ من السلوى ما يواجه به وحشة الحياة ويدفع ملالتها. فإن لم يكن الخيام ممن قصدوا الرمز إلى المعانى الإلهية كما كان يفعل المتصوفة، فقد رمز بالخمر إلى تلك المعانى على غير شعور منه، فهى عنده كالحرف الذى يرمز به الرياضى (س أو ×) إلى القوة التى 
لا تحصر على الورق.. وكأنما ير وى بها يقينه، وليس لمثل هذا يشرب المعاقرون الخمر حين يشربون!

كم تروى السريرة من عجائب، وكم تكنى بلغة الأضداد عن حقائق أصدق من حقائق الألفاظ. فرب إيمان فى كلمة قد تبدو كافرة، ورب كفر فيما قد تنتحل فيه صلاة!

التعليقات