صرخ غاضبا: لا لا لا كده كتير!
حاول أصدقاؤه تهدئته فاعتدل فى جلسته، ورفع كوب الماء من فوق «الطقطوقة» وهو يهمس: أستغفر الله العظيم، كنت قد التحقت للتو بجلستهم الموسعة، فلم أدرك سبب ثورته وهو الهادئ الضحوك الذى لا يرفع صوته إلا محييا أحد المارة، داعيا إياه ليأخذ واجب الضيافة، كان طبيعيا أن أسأل عما أغضب صديقى الهادئ، لكننى خمنت أن سبب ثورته هو الخلاف التقليدى بين الأهلاوية والزملكاوية، حين لمحت صديقنا الأهلاوى وهو يكتم ابتسامته الطفولية حتى لا يضبط متلبسا بالضحك على ثورة صديقنا الزملكاوى، فبادلته الابتسام متصنعا الغضب لثورة من يشاركنى تشجيع الزمالك، وقررت أن أوجه دفة الحوار إلى وجهة أخرى: ها يا شباب طمنونى أخباركم إيه؟
يرد صديقنا الأهلاوى الذى عمل بالعراق عدة سنوات قبل الغزو الأمريكى: الأخبار عندك يا أستاذ، فيكمل الصديق الزملكاوى بعد أن هدأت ثورته: ما هى «الأخبار» هى سبب المشكلة!
كنت مازلت أتصور أن سبب ثورة الصديق «الزملكاوى» هو التعصب الكروى، فقلت: مفيش مشكلة ولا حاجة، الزمالك ياخد الدورى السنة دى ويحرز لقب الكونفيدرالية وخلاص..
انفجر الجميع فى الضحك!
وقال صديقنا الذى يعمل فى إحدى الدول الخليجية ويزور القاهرة لحضور حفل زفاف شقيقه: إنت فاكر إننا كنا بنتكلم عن الكورة!
إحنا كنا بنتكلم عن الحرب وتداعياتها والفتنة التى وقع فيها كثيرون بسببها!
الحرب؟!
ها هى الحرب وقد ألقت بظلالها الكئيبة حتى على جلسات الدردشة الاجتماعية بين الأصدقاء، لا بأس فهذا أمر طبيعى وتخمينى كان خاطئا جدا، فعبثية الحرب وما أشعلته من فتن تتجاوز آثارها عبثية التعصب الكروى وما يشيعه من أجواء سلبية.
دار الحديث فى تلك الليلة التى سبقت بدء العمل بإجراءات ترشيد استهلاك الطاقة التى اتخذتها الحكومة المصرية لمواجهة التداعيات الاقتصادية الكارثية للحرب، فى عدة اتجاهات متقاطعة، وإن اتفق الجميع على إدانة العدوان الإسرائيلى / الأمريكى على إيران باعتباره خطوة مهمة على طريق بسط السيطرة الإسرائيلية على المنطقة بكاملها.
إذ كان هناك من أكد على ضرورة إدانة العدوان الإيرانى على دول الخليج والأردن بذات القوة التى يدين بها العدوان على إيران، مشددا على أن دول الخليج العربى لم تشارك فى العدوان على إيران بل حاولت منعه باعتراف ترامب نفسه أثناء المفاوضات الأمريكية /الإيرانية التى سبقت الحرب، وأنها – أى دول الخليج - مارست أقصى درجات ضبط النفس فى الرد على الاعتداءات الإيرانية.
وهناك من رأى أن الفرق كبير بين العدوان على إيران، والهجمات الإيرانية التى طالت دول الخليج العربى، مشيرا إلى تصريحات وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى بعد جولة المفاوضات التى استضافتها العاصمة العمانية مسقط، والتى أكد خلالها أن القواعد الأمريكية فى دول الخليج ستكون هدفا مشروعا فى حال شنت أمريكا هجوما على إيران، وأن هذا لا يعنى هجوما إيرانيا على دول الخليج بل دفاعا مشروعا عن النفس.
وهناك من اعتبر أن الصراع بالأساس هو صراع دينى / عقدى، وأن طرفى الصراع، اليهود من جانب، والشيعة من جانب آخر، لا يريدان خيرا بالأمة العربية ذات الأغلبية السنية مطالبا بموقف «سنى» موحد لمواجهة طرفى الصراع على حد سواء، فيما اعتبر آخر ممن يتبنون موقفا مشابها أن مواجهة إسرائيل مقدمة على مواجهة إيران، ليرد ثالث بأن مواجهة الشيعة أهم لأنهم «عدو باطنى» فيما إسرائيل عدو ظاهر
كنت أرقب الحوار دون تدخل، وأشفق على الجميع من الحيرة التى أوقعتهم فيها هذه الحرب التى تجاوزت آثارها كل الحدود.
فلكل واحد منهم دوافعه ومبرراته فيما يراه صحيحا؛ فإسرائيل عدو استراتيجى دون شك لمصر وللأمة العربية حتى لو وقعت عديد البلدان معها معاهدات سلام أو اتفاقات تعاون، وإيران خصم حضارى بالتأكيد يسعى منذ «الثورة الإسلامية» عام 1979 إلى تصدير الثورة وخلق أذرع موالية لها داخل البلدان العربية
والسبب الرئيسى فى غطرسة إسرائيل وتمدد إيران هو غياب المشروع الحضارى العربى القادر على مواجهة الأعداء والخصوم على حد سواء.
إن مواجهة الخطر الإسرائيلى والتصدى للمشروع الإيرانى أو غيره من مشاريع الهيمنة والسيطرة على الدول العربية، لا يكون بالتعاون أو المهادنة مع هذا الخطر أو تلك المشاريع، وهو قطعا لا يتم باستدعاء «قوى عظمى» للدفاع عن الدول العربية، والذى تحول إلى مشاريع ابتزاز ونهب منظم للثروات العربية
بل يكون بالبحث فى صيغ تعاون عربى حقيقية، ليس بالضرورة على طريقة إعادة إنتاج تجارب قومية سابقة
فالأمر يحتاج إلى مكاشفة حقيقية وتقييم نزيه للمخاطر والتحديات المشتركة، لتفويت الفرص على الساعين لبث الفرقة وتعزيز حالة التشرذم التى يعيشها العرب حاليا، مع تحديد واضح لأولويات المواجهة والعمل على فتح مسارات تعاون عربى بالعمل الدءوب لا بالشعارات الرنانة.
ولهذا حديث آخر.