الجدران لا تموت سريعا - خولة مطر - بوابة الشروق
الخميس 5 أغسطس 2021 11:40 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد الأداء المتميز.. هل يحقق منتخب اليد المصري ميدالية أوليمبية في طوكيو؟

الجدران لا تموت سريعا

نشر فى : الأحد 29 أكتوبر 2017 - 9:35 م | آخر تحديث : الأحد 29 أكتوبر 2017 - 9:35 م
بعضهم لا يقرأ التاريخ أبدا، الحديث منه والقديم، أو ربما فقط يتحنط فى مرحلة تاريخية قديمة حتى يتغنى بأطلال وتاريخ كان قبل عقود طويلة ربما آلاف السنين.. البعض حبس نفسه فى تلك المراحل فأصبح يعيد تكرارها أو الصور التى إما علقت فى هنة من كتب للتاريخ محنطة وشديدة الضيق أو حتى ما تخيله هو عن تلك المرحلة أو ربما ما كتبه المنتصر.. إلا أن التاريخ يكتبه المنتصرون وهناك إضافة مهمة وهى المزورون والمزيفون جدا وتجار الشنط!!!!

***

يتداعى التاريخ الذى ليس بالبعيد جدا عندما تلامسه أو تحاول شعوب أن تحافظ على صوره ربما لتكون عبرة أو حتى درسا لمن لديه القدرة على التواضع والتعلم والاعتراف بأن من لا يقرأ التاريخ لا يعرف أن يخطط للمستقبل أو ربما يسقط فى مستنقعات وبحور عميقة قد تعيده وبلاده إلى عشرات السنين. 

***

إحدى صور التاريخ تلك الحاضرة جدا للتقسيم الذى انتهى بعودة مدينة لتلتحم أطرافها بأطرافها وهى برلين فيما كانت وليس من بعيد منقسمة إلى مدينتين منفصلتين جدا ومختلفتين أيضا ليس فى الشكل بل فى كثير من المضمون.. بعد تحطيم جدار برلين الذى يبقى علامة فارقة فى التاريخ البشرى وليس تاريخ ألمانيا فقط، احتفل العالم كله بإنهاء حقبة من التاريخ اتسمت بالخوف والقمع.. وفيما راحت الأيدى تحطم ذاك الجدار قبل سنيين أبقيت بعضا منه ليكون ذكرى وعادت المدينة لتلملم جراحاتها الطويلة وتعيد تطريز نسيجها الاجتماعى الذى صدعه الجدار وعوامل كثيرة أخرى. 

***
أبقت نقطة التفتيش الأمريكية وتلك الروسية وأجزاء من الجدار هنا وهناك لونت وزينت برسومات مبهجة فى محاولة ربما من المواطنين الألمان لنسيان تلك المرحلة أو تجاوزها دون أن ينسوا أهمية الدرس والعبر التى عليهم أن يرسلوها لدول أخرى تغوص اليوم فى حروب فى مجملها لا تفعل سوى أن تنشئ جدرانا وأسوارا بين الحى والحى، والشارع والشارع، والجار والجار. 

***

الألمان يقولون بكل هدوء إنهم لا يزالون يدفعون ثمنا باهظا لتلك المرحلة، والأهم أن النسيج الاجتماعى لم يلتحم بأكمله بعد.. يدخلونك فى تفاصيل حيواتهم المختلفة وكيف تحولت.. يحدثونك عن الفنانين والرسامين والمثقفين الذين كانوا على الطرف الشرقى من برلين والذين عند تحطم الجدار نقلوا فنهم ورواياتهم وكتبهم ولم يستطيعوا إلا أن يعودوا لذلك الجزء الحميم من مدينتهم... يقولون لك كيف أن الفرحة الأولى والصرخة الأولى والرقصة الأولى بعد تحطيم الجدار، تبعتها الكثير من الآلام المرتبطة بالتعود على العيش فى عالم قد يبدو شديد الوحشة والتوحش.. فيما اكتشف الألمان فى الشطر الغربى أن ما كانوا يرونه سجن ما بعد الجدار لم يكن كله لونه أسود شديد الغتامة وأن هناك المزيج هنا وهناك.

***
أهم درس يكررونه أن هكذا تجربة يجب أن يتعلم منها كل البشر أينما كانوا وألا يسمح بأن تتكرر لما لها من تداعيات فى تمزيق المجتمعات إلى مجرد مكونات تنظر لبعضها البعض من بعيد بشديد الخوف والتوجس فيما قد تكون هناك سمات كثيرة تجمعها. 

***

عندما يعرفون أن أصولك من تلك المنطقة الملتهبة لا يسعهم سوى القول بأنهم لا يستطيعون فهم كل التناقضات والصراعات التى تكتظ بها سماوات ما كان يعرف بـ«الوطن العربى» أو حتى العالم العربى.. يقولون إنهم كلما حاولوا فهم صراع ما يلبثون وأن يواجهوا صراعا آخر والنار تنهش المدن والقرى وتقضى على الأخضر واليابس.. والجدران بدأت ترتفع شيئا فشيئا حتى وإن لم تكن من الكونكريت فيها الحواجز التى تقسم المجتمعات وتفصل البشر بعضهم عن بعض، حيث يبقى الواحد متوجسا من زميله أيام الدراسة الطويلة فقط لأنه من طائفة أخرى أو دين آخر أو عرق آخر أو حتى لأنه يتبع فكرا أو حزبا سياسيا.

***

يقول الألمان لزوارهم: خذوا تذكارات وصور جدار برلين معكم أيها القادمون من الشرق الممزق وضعوه أمام أعينكم دوما؛ لأن الجدران عندما تبنى تبقى خنجرا فى قلب الوطن، ولأن الجدران لا تموت سريعا كما تولد!!!

 

خولة مطر  كاتبة صحفية من البحرين
التعليقات