أزمة التراكم فى مصر - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
الأربعاء 21 أكتوبر 2020 6:45 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

أزمة التراكم فى مصر

نشر فى : الأحد 30 أغسطس 2020 - 7:55 م | آخر تحديث : الأحد 30 أغسطس 2020 - 7:55 م

لم يسر التاريخ المصرى الحديث من مرحلة إلى أخرى، ومن تطور إلى آخر بطريقة طبيعية.
كل ولاداته «عمليات قيصرية»، وكل هزائمه «عمليات إجهاض».
انتفاضاته متصادمة وثوراته متصارعة.
الأسوأ تجريف التراكم، كأن التاريخ يبدأ كل مرة من جديد.
هذه حقيقة لا يمكن إنكارها.
إذا أردنا أن نواجه أنفسنا بالحقائق فإن تجريف التراكم مرة بعد أخرى هو جذر الأزمات المتوارثة والمستجدة، كأننا لا نتعلم من دروس التاريخ وتجاربه التى دفعت أثمانها من حياة ومستقبل المصريين، ونكرر الأخطاء نفسها.
ما جرى لـ«الثورة العرابية» بعد هزيمتها واحتلال مصر عام (1882) أسس لعمليات تجريف متواصلة.
اغتيلت أولى حلقات الثورة الوطنية المصرية الحديثة من جهات متناقضة، شملت سلطات الاحتلال البريطانى وأسرة «محمد على»، التى تهدد وجودها فى الصميم، وقيادات ذات وزن وتأثير واحترام مثل الإمام «محمد عبده»، وأمير الشعراء «أحمد شوقى»، والزعيم الوطنى الشاب «مصطفى كامل».
ارتبك الضمير العام حتى إنه لم يعد يدرك لماذا ثار.. وكيف انكسر.. من أبطاله ومن خونته؟
ثم تكرر الارتباك نفسه فى الضمير العام بتجاهل ثورة (١٩١٩) لـ«أحمد عرابى» حين تبنت رواية إدانته، لم تر نفسها امتدادا وتطويرا فى ظروف مختلفة دوليا وإقليميا لثورته التى جسدتها المؤسسة العسكرية المصرية الوليدة.
لم يرد اعتبار ثورة «عرابى» بصورة كاملة إلا بعد قيام ثورة (١٩٥٢).
قيل إن ثورة «يوليو» قد فعلت ذلك، لأنها أيضا ثورة عسكرية!
كان ذلك إهدارا بالتعسف لقيمة الثورة العرابية وحقها فى رد الاعتبار.
لم تكن الثورة العرابية عملا مثاليا، شأن أية ثورة أخرى، لكنها مثلت فى زمانها محاولة الكبرى للانتقال من وضع إلى آخر أكثر عدلا ومساواة.
بذات القدر تبدت مساجلات استهلكت زمنا طويلا بين نقاد تجربة «أحمد عرابى» حول ثورة (١٩١٩).
تلخصت وجهة نظر «الحزب الوطنى»، الذى أسسه «مصطفى كامل»، فى حملات وانتقادات، بعضها صحيحة وموثقة لـ«سعد زغلول»، غير أن منهج النقد الذى اتبعه كتابه ومؤرخوه افتقد إلى حقيقة كادت تضيع فى زحام التنافس السياسى، وهى أنه أعطى ثورة (1919) رمزيتها الملهمة وتجسيدها الحى، رغم ما هو منسوب إليه من صلات وثيقة سابقة مع سلطات الاحتلال البريطانى، وأن الثورة فاجأته.
عندما جاءت «لجنة ملنر» لتقصى آراء المصريين فى الاستقلال كانت إجابة الفلاحين فى الحقول واحدة: «اسألوا سعد باشا».
فى تلك اللحظة الحاسمة من تاريخ مصر، وبعد أن انتهت الحرب العالمية الأولى تجسدت إرادة الاستقلال حول ذلك الرجل الستينى.
لا يليق بأى منطق تاريخى أن يُقال إن «سعد زغلول» سرق الثورة من الحزب الوطنى حزب «مصطفى كامل» وخليفته «محمد فريد».
الأدعى أن نناقش لماذا أخفق الحزب الوطنى فى قيادة مصر ــ بعد «مصطفى كامل« ــ إلى الثورة التى كانت بشائرها فى الأفق؟
ـ هل لأن «محمد فريد» خليفة «مصطفى كامل»، وهو زعيم وطنى مستنير وقيمته الأساسية فى قوته الأخلاقية، قد غادر إلى ألمانيا هروبا من حملات الاعتقال، أم لأن الحزب الوطنى نفسه لم يكن مهيئا بطبيعة أفكاره وبرامجه لأن يقود ثورة تبلورت دواعيها فى عالم ما بعد الحرب العالمية الأولى ونداءات التحرر الوطنى وتقوض الإمبراطورية العثمانية؟!
ثورة «يوليو» تعرضت لاتهام من نفس النوع بأنها سرقت الثورة من الشيوعيين، أو من «الإخوان المسلمين»، وهو كلام مرسل لا يسنده دليل وتعوزه الأسباب الحقيقية لصعود تيارات وقيادات بعينها وإخفاق أخرى.
ثم إنه لا يمكن إنكار حجم شعبية «سعد زغلول» وارتفاعه إلى مستوى الحدث التاريخى فى سياق مفاهيم العصر فأغلب الانتقادات تنصب على مرحلة ما قبل الثورة لا ما بعدها.
السؤال الأول، فى أية قراءة موضوعية ومنصفة لتاريخنا الحديث: أين المجرى الرئيسي؟
والسؤال الثانى، لماذا غاب عنه التراكم وتصادمت حلقاته؟
«مصطفى كامل» ضد «عرابى».. و«سعد زغلول» ضد «مصطفى كامل» و«عرابى».. و«جمال عبدالناصر» ضد «سعد زغلول»، حتى وصلنا إلى تصور أن «يناير» تناهض «يوليو»، رغم أنها أهدافها العامة تكاد تكون طبعة جديدة فى ظروف مختلفة لما طمحت إليه الثورة الأم، مع إضافة الحريات السياسية ثغرتها الرئيسية، التى نالت من قوة مشروعها.
الحقيقة ــ رغم أية مساجلات ــ إنها ثورة واحدة متعددة الحلقات، أضافت فى العمق كل منها للأخرى ومهدت لها.
أسوأ ما فى القصة كلها إهدار الإرث الوطنى باختلاف مدارسه وتجاربه، وإهدار خبرة التاريخ نفسه.. وهو أمر انتهى بنا فى نهاية المطاف إلى اعتلال فى الذاكرة الجماعية، حتى كادت تبهت المعانى الاستقلالية الحقيقية التى تراكمت، كأن أجيالا متعاقبة لم تحارب وتضحى وتقاوم من أجل أن يرفع هذا البلد رأسه وينتسب إلى عالمه شريكا وندا.
لا يعنى ذلك إغفال التباينات أو الأخطاء الفادحة التى وقعت، أو التمويه على التناقضات، وإنما وضعها فى إطار موضوعى تتعدد القراءات فيه دون نفى ما هو ثابت من التاريخ بالضرورة من تحولات ومعارك وقيم جرى الدفاع عنها.
لا شيء يولد من فراغ ولا مستقبل يتأسس على فجوات.
إذا ما أهدرت المعانى الكبرى، بالتجهيل أو النسيان، فلا أمل متوقعا بأى مستقبل، ولا رهان ممكنا على حيوية الأجيال الجديدة.
من حق الأجيال الجديدة أن تقرأ التاريخ على النحو الذى يتسق مع تطلعاتها وأحلامها بلا قوة قمع، وقهر روح، أو تزييف وعى وتغييب إرادة.
التاريخ لا يصنعه إلا الأحرار.
الحق فى الخطأ من طبيعة أى تقدم، فالذين لا يخطئون لا يتعلمون.
فى النهاية يصحح التاريخ نفسه ويرد اعتبار تضحياته وتجاربه، أيا كانت المثالب والأخطاء.
عندما لا نصحح فإننا نظلم الذين ضحوا بشرف لصالح من صعدوا بلا استحقاق.