كيف تخلص محمد على من الزعامات الشعبية؟ - عماد أبو غازي - بوابة الشروق
الثلاثاء 7 ديسمبر 2021 11:53 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. إلى أي مرحلة سيصل المنتخب المصري في كأس العرب؟


كيف تخلص محمد على من الزعامات الشعبية؟

نشر فى : الأحد 1 أبريل 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأحد 1 أبريل 2012 - 8:00 ص

شهدت السنوات الأولى من حكم محمد على تصاعدا لنفوذ الزعامات الشعبية التى أتت به إلى الحكم، خاصة السيد عمر مكرم الذى أصبح زعيما للمصريين بلا منازع، وفى هذا الصدد يقول مؤرخ ذلك العصر عبدالرحمن الجبرتى: «ارتفع شأن السيد عمر مكرم وزاد أمره بمباشرة الوقائع وولاية محمد على باشا، وصار بيده الحل والعقد والأمر والنهى والمرجع فى الأمور الكلية والجزئية».

 

قد ساعد على زيادة نفوذ الزعامة الشعبية فى تلك السنوات نشوة النصر على السلطان العثمانى وفرض الإرادة الشعبية عليه، التى أعادت للمصريين ثقتهم فى قدرتهم، ونجاح الزعامة الشعبية فى تبنى مطالب الناس والدفاع عنها أمام الباشا محمد على، واحتياج محمد على نفسه لمساندة الزعماء فى الأزمات التى تعرض لها فى السنوات الخمس الأولى من حكمه، كما كان محمد على يلجأ دوما للزعامة الشعبية لإقناع الناس بالضرائب الإضافية التى يفرضها لاحتواء الأزمة الاقتصادية واستيعاب تمردات الجند، كذلك كان للزعامة الشعبية دور مهم فى حسم المواجهات الكبرى التى اعترضت طريق محمد على باشا، مع الأتراك والمماليك والإنجليز.

 

لكن هل صان محمد على العهد وحفظ الجميل؟ الإجابة بالنفى؛ وكما يقول عبدالرحمن الرافعى فى كتابه «عصر محمد على»: «من الراجح أن محمد على باشا كان يميل فى ذات نفسه إلى التخلص من الزعامة الشعبية التى أجلسته على قمة المجد، لأن هذه الزعامة كانت فى هذه السنوات الأولى من حكمه بمثابة سلطة ذات شأن تستقصى عليه وتراقب أعماله مراقبة مستمرة، وكانت ملجأ الشاكين ممن ينالهم الظلم أو تخيفهم مساوئ الحكام».

 

ويذكر الجبرتى أن محمد على كان «يدبر تفريق جمع الشيوخ، وخذلان السيد عمر لما فى نفسه منه من عدم إنفاذ أغراضه، ومعارضته له فى غالب الأمور، ويخشى صولته، ويعلم أن الرعية والعامة تحت أمره، إن شاء جمعهم، وإن شاء فرقهم، وهو الذى قام بنصره وساعده وأعانه وجمع الخاصة والعامة حتى ملكه الإقليم، ويرى أنه إن شاء فعل نقيض ذلك».

 

خطط الباشا للتخلص من السيد عمر مكرم وفى نفس الوقت إضعاف المشايخ الذين كان الانقسام قد دب بينهم منذ البداية، وقد واتته الفرصة فى عام 1809، عندما اتخذ مجموعة من القرارات، منها فرض ضرائب على الأراضى المعفاة كأراضى الرزق الإحباسية التى ينفق ريعها على المساجد والمدارس الدينية، والأواسى وهى أراضٍ كانت فى حوز الملتزمين، كما كلف المسئولين فى المديريات بحصر الأوقاف والرزق ومطالبة نظارها والمستفيدين منها بتقديم مستنداتهم التى تثبت الوضع القانونى لأراضيهم أو مصادرتها، وقرر الاستيلاء على نصف ما يتحصل عليه الملتزمون، وتزامن ذلك مع اعتقال ولاة الشرطة لواحد من طلاب الأزهر وسجنه فى القلعة، فبدأت حالة من التذمر فى القاهرة وخرجت المظاهرات فى الشوارع إلى الأزهر، فى الوقت الذى توالت الشكاوى من الأقاليم بسبب قرارات محمد على، فاجتمع عمر مكرم والمشايخ وقرروا كتابة عريضة للباشا بمطالب الناس وعدم الصعود له لقائه بالقلعة، وتعاهدوا على ذلك، فأرسل محمد على أحد رجاله إليهم، ويروى الجبرتى ما حدث فيقول: «حضر ديوان أفندى وقال إن الباشا يسلم عليكم، ويسأل عن مطلوباتكم، فعرفوه بما سطروه إجمالا، وبينوه له تفصيلا، فقال ينبغى ذهابكم إليه، وتخاطبونه بما تريدون، وهو لا يخالف أوامركم ولا يرد شفاعتكم، وإنما القصد أن تلاطفوه فى الخطاب لأنه شاب مغرور جاهل وظالم غشوم ولا تقبل نفسه التحكم، وربما حمله غروره على حصول ضرر بكم وعدم إنفاذ الغرض، فقالوا بلسان واحد لا نذهب إليه أبدا ما دام يفعل هذه الفعال، فإن رجع عنها وامتنع عن إحداث البدع والمظالم عن خلق الله رجعنا إليه وترددنا عليه كما كنا فى السابق، فإننا بايعناه على العدل لا على الظلم والجور».

 

وهنا بدأ محمد على فى التخطيط للتخلص من عمر مكرم مستعينا ببعض المشايخ، كان أطراف المؤامرة فى البداية الشيخ محمد المهدى والشيخ الدواخلى ومحمد أفندى طبل ناظر المهمات، ويقول الجبرتى: «اجتمع الشيخ المهدى والشيخ الدواخلى عند محمد أفندى طبل ناظر المهمات، وثلاثتهم فى نفوسهم للسيد عمر ما فيها، وتناجوا مع بعضهم، ثم انتقلوا فى عصرها وتفرقوا، وحضر المهدى والدواخلى إلى السيد عمر، وأخبراه أن محمد أفندى المذكور ذكر لهم أن الباشا لم يطلب مال الأوسية ولا الرزق، وقد كذب من نقل ذلك، وقال إنه يقول لا أخالف أوامر المشايخ، وعند اجتماعهم به ومواجهته يحصل المراد».

 

ورد عليهم مكرم وفند حججهم بالمستندات، وأقسم ألا يرى محمد على إلا إذا عدل عن مشروعه فى فرض ضرائب جديدة، وقال: «إذا أصر الباشا على مظالمه فإننا نكتب إلى الباب العالى، ونثير عليه الشعب، وأنزله عن كرسيه كما أجلسته عليه».

 

حاول المهدى والدواخلى مرة أخرى الالتفاف على مقاطعة الزعماء للباشا، وكان الشيخ الشرقاوى ضالعا معهما فى المؤامرة، فصعدوا إلى القلعة للقاء الباشا، وأثناء اللقاء هاجم محمد على عمر مكرم وانتقد مواقفه، فأعطاه الشيخان الإشارة إلى استعداد كبار المشايخ للتخلى عن عمر مكرم، وقال الشيخ المهدى: «هو ليس إلا بنا، وإذا خلا عنا فلا يسوى بشىء، إن هو إلا صاحب حرفة، أو جابى وقف يجمع الإيراد ويصرفه على المستحقين».

 

وحاول محمد على أن يجمع بين سيف المعز وذهبه فى التعامل مع عمر مكرم، فعاد الشيخان المهدى والدواخلى إلى عمر مكرم حاملين تهديد محمد على الصريح له وللشعب بأنه ليس لديه لهم سوى السيف والانتقام، وزرع محمد على الجواسيس حول بيت عمر مكرم لرصد تحركاته ومتابعة ما يقوم به، وفى نفس الوقت حاول شراءه بالمال، لكن عمر مكرم ثبت على موقفه.

 

وزادت الجفوة بينهما عندما رفض عمر مكرم التوقيع على كشف حساب عن نفقات ولاية مصر مرفوع للباب العالى واتهم محمد على بالكذب والتلاعب فى أموال الولاية، وبعد محاولات عديدة وافق عمر مكرم على لقاء محمد على فى منزل الشيخ محمد السادات، لكن الباشا رفض واعتبر ذلك تجاوزا شديدا من عمر مكرم.

 

وهنا دبر محمد على والمشايخ مؤامرة للتخلص نهائيا من عمر مكرم، ففى صباح الأربعاء 9 أغسطس 1809 توجه محمد على إلى منزل ابنه إبراهيم بالأزبكية واستدعى القاضى والمشايخ، للاحتكام إليهم فيما وقع بينه وبين السيد عمر مكرم، بعد أن رتب الأمر معهم على إصدار قرر بنفيه بعيدا عن القاهرة، ووجه الدعوة لعمر مكرم للحضور، وكان هناك احتمالان لا ثالث لهم: أن يحضر ويتفق القاضى وأغلب المشايخ على إدانته بتهمة الخروج على ولى الأمر، أو يرفض فيعتبر رفضه خروجا وعصيانا، ورفض عمر مكرم المثول فى المجلس الذى كان يعرف قراره المعد مسبقا، وبالفعل تقرر عزله ونفيه إلى دمياط، وتعيين الشيخ السادات نقيبا للأشراف.

 

أما الشيخ المهدى فأسرع يطلب المكافأة، وكانت له، فأخذ وظائف عمر مكرم فى نظر أوقاف الإمام الشافعى ووقف سنان باشا ببولاق، وحصل على ما كان متأخرا له من راتبه من الغلال نقدا وعينا لمدة 4 سنوات دفعها محمد على نقدا من خزانة الدولة.

 

ولم يكتف كبار المشايخ بهذا بل سعوا لتشويه سمعة عمر مكرم وإعداد عريضة يتهمونه فيها باتهامات باطلة أخذوا يجمعون عليها التوقيعات من مشايخ الأزهر، لكن أغلبهم رفضوا التوقيع، فخفف المشايخ الكبار لهجة العريضة، ومع ذلك استمرت مقاطعة التوقيع عليها، وتصدى لها الشيخ الطحطاوى مفتى الحنفية، فكان نصيبه العزل والإبعاد.

 

كانت النتيجة سقوط مكانة المشايخ فى نظر الناس وفى نظر محمد على أيضا، ويقول الرافعى: «لم يكن المهدى والدواخلى والشرقاوى فى موقفهم عاملين على هدم السيد عمر فحسب، بل كانوا فى الواقع يهدمون أنفسهم وزملاءهم، وكل عضو فى تلك الجماعة الشعبية التى قامت بدور خطير فى تاريخ مصر القومى».

 

وأحكم محمد على سيطرته على البلاد، وبعد عشر سنوات سمح لعمر مكرم بالعودة من المنفى والذهاب للحج، وقال محمد على: «أنا لم أتركه فى الغربة هذه المدة إلا خوفا من الفتنة، والآن لم يبق شيئا من ذلك، فإنه أبى، وبينى وبينه ما لا أنساه من المحبة والمعروف».

 

ولم تمض ثلاث سنوات إلا وعاد عمر مكرم إلى المنفى مرة أخرى، لكن إلى طنطا هذه المرة، ففى سنة 1822 خرجت مظاهرة صاخبة فى القاهرة بسبب فرض محمد على لضرائب جديدة على منازل العاصمة، وظهرت من بين مشايخ الأزهر قيادة شعبية جديدة متمثلة فى الشيخ العروسى، فخشى الباشا من وجود عمر مكرم فى القاهرة وقرر نفيه مرة أخرى.

 

هكذا قضى قائد العسكر الألبان على الزعامة الشعبية التى جاءت به إلى الحكم.

 

التعليقات