فى حِفظ السر - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
السبت 14 فبراير 2026 10:33 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

فى حِفظ السر

نشر فى : الجمعة 13 فبراير 2026 - 6:05 م | آخر تحديث : الجمعة 13 فبراير 2026 - 6:05 م

لما امتد الحوار فى براح وألفة، وتطرقت الصديقتان اللتان التقيتا بعد فترة من الانقطاع إلى تفصيلات عديدة فى حياتيهما، أرادت إحداهما أن توغل أكثر فأكثر، وأن تفصح عن دقائق لا يعلمها أحد. قالت وهى تهمس موحية بأهمية ما ستقضى به: فيك من يكتم السر؟ أومأت رفيقتها موافقة على الشرط متأهبة لسماع ما قد يسر خاطرها أو يبدل أفكارها بشأن أزماتها الخاصة التى لم تزل حبيسة صدرها. مضت ساعة وراء أخرى وخرجت الأسرار من فاهيهما تباعا، وانتفت تدريجيا الضرورة من طلب الكتمان؛ إذ تابع زبائن المقهى الحوار عن كثب؛ فيهم من تفرغ للإنصات، ومن اكتفى بشذرات تصل لمسامعه عشوائيا.
• • •
إن خرج السر من صاحبه؛ فقد خصوصيته وبات خاضعا لضمير من تلقاه؛ يُشيعه ويذيعه، أو يقبره ويمنع نفسه من البوح به، أو ربما يدفعه لمن يجده جديرا بمشاركته العبء. تدور الدائرة ويمر السر من فلان إلى علان، ويصبح مبعث هزل بسبب المفارقة ما بين مدلول اللفظ المعجمي، وتجسيده فى الواقع المعاش.
• • •
ربما يسعى واحد لتحميس الآخر ودفعه لإخراج ما ضمت أحشائه؛ يطمئنه لقدرته على الاحتفاظ بما سيعرف بعيدا عن الآخرين ويؤكد له: "سرك فى بير"، والمعنى أنه يقبع فى قرار مكين، آمنا، متواريًا عن العيون والآذان؛ يتعذر أن يصل إليه أى شخص. البئر عميقة تخفى ما فى باطنها وتستبقيه بمعزل عن الفضوليين؛ لكنها أيضًا قد تدفنه للأبد، وتبتلع كل أثر توجب أن يظهر ولو بعد حين.
• • •
من الناس من يعجز عن حفظ معلومة عرفها؛ يتحرق شوقا كى يبثها فى الفضاء العام، ويشعر بالإشباع حين يبدى المتلقون دهشتهم بالحصول عليها. يمضى مستفيضًا هنا وهناك؛ حتى ليتجنب معارفه أن يتكلموا فى حضوره بما لا يريدون إشاعته، ويرددون ما غاب عن مجلسهم: "ما تتبلش فى بقه فولة"؛ والقصد أنه لا يغلق فمه لحظة كى يغمر لعابه ما حوى. تبقى الفولة جافة والريق شحيح؛ فيما الكلمات فائضة وفيرة، تتبعثر فى كل مكان ويستقبلها فى ترحاب وسرور من يدرك كيفية الاستفادة بها.
• • •
قال الشاعر من قديم: "ولا تودع الأسرار أذنى فإنما .. تصبن ماء فى إناء مثلم". الاستعارة فى البيت فاضحة؛ إذ السر مادة سائلة موضوعة فى آنية بها شقوق وشروخ؛ ولا عجب إذا أن يسيل وأن يسرى وينتشر فى محيطه. الاعتراف ساخر وطريف إلى حد بعيد، فالشاعر يدرك طباعه ويحذر من يتواصلون معه من ائتمانه على ما يخصهم، وهو لا يضع احتمالات أو شروط، بل يستخدم حروف التوكيد، ولا يترك من ثم مساحة للتراجع عن خصلته الذميمة.
• • •
فى نقض المعنى السابق يأتى بيت أبى الطيب المتنبي: "وللسر منى موضع لا يناله .. نديم ولا يُفضى إليه شراب". الموقف هنا أيضا صريح، واضح ومؤكد، فالمتنبى يدرك جيدا ما هو مجبول عليه من طبائع؛ حتى إن حال الثمالة لا تغيره ولا تؤثر فيه. السر لديه فى حصن منيع، لا يصل إليه شخص؛ ولو كان رفيق كأس، ولا يطلقه من مكمنه دافع؛ ولو كان مفعول الخمر باللسان والرأس.
• • •
إذا انبثق حديث يخص دواخل عائلية لا يصح أن تلوكها الأفواه، انبرى واحد لإسكات ما يدور قائلا: "البيوت أسرار" والتعبير شائع على الألسنة، يراد به حماية الأمور التى يمكن أن تقع فى إطار الأقرباء ولا شأن للغرباء بها. كل بيت مغلق فى العادة على ما لا يحبذ إعلانه، وكل بيت ينعم بالسلام ما استبقى خصوصياته بين جدرانه.

• • •
تنبه الحكمة العربية الأصيلة للعواقب التى قد تترتب على إطلاق السر من سجنه: "من أفشى سره أفسد أمره"، ويعضد الموروث الدينى الفكرة فينصح الناس: "استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان"، والحق أن كثير الأمور التى يشرع المرء فيها قد تتعرقل؛ ما كثر حديثه حولها وما تداول فيها بإفراط، أما استبقاؤها فى حيز ضيق وانتهاج الأمثولة الشعبية الشهيرة: "دارى على شمعتك تقيد"؛ فغالبا ما يوفر الحماية ويقى من الإفساد والتعطيل. ليس فى المسألة ما هو خارج نواميس الطبيعة التى نعرفها، فتفصيلات صغيرة عديدة تتعقد بسبب اتساع دائرة من يطلعون عليها، بما يؤدى لإبطاء المراكب السائرة فى مجراها، وربما دفعها للانحراف عن غايتها.

• • •

"الحيطان لها ودان" تعبير دارج، نكرره على أنفسنا وصحبتنا كلما انطلق حديث ذو حساسية خاصة، والمراد التزام الحذر؛ فالخطر قد يأتى من حيث لا يحتسب أحد، وليس بالضرورة أن يكون ظاهرًا للعين أو حتى متوقع المصدر؛ وحيثما تبدت البيئة صديقة، ولاح المكان أمينًا وديعًا؛ كمن التهديد وتخفى.

• • •

ظهرت أسرار مرعبة مع تحرير وثائق ومستندات قضية إبستين؛ عكست سقوطًا فاحشًا لنخب لم يكن المرء ليتخيل مبلغ تدنيها. حكايات شائكة، مرهقة ومخجلة؛ لا تخطر على البال، يتنصل منها العقل وتنبذها المشاعر. الأسرار المكشوفة بعد أعوام متواصلة من الانغماس فى ملذات مشوهة؛ مستنقع آسن يخنق الأنفاس، ويلقى بتساؤلات عديدة حول الدوافع والأسباب. ما من شك أن الوفرة تخلق فى ذروتها حالا من الملل، وتحرض على خوض مناطق موحشة، مغرقة فى البؤس والانحطاط. كثير المتابعين يعتقدون فى وجود مؤامرة مخابراتية لصالح دولة بعينها، ترغب فى السيطرة على أصحاب المال والنفوذ، وتسخيرهم لخدمة أهدافها. الفكرة فى ذاتها ليست ببعيدة؛ لكنها لا تتحقق إلا فى وجود هؤلاء الأشخاص القابلين للإغراء بما تلوث وشذ وتدنى، الراغبين فى إرضاء نزعات لا أخلاقية مهينة؛ يأنفها أسوياء الضمير. بعض الأسرار لا يصنع فارقًا كبيرًا ما انكشف، وبعضها الآخر يتحول متى ظهر إلى فضيحة مدوية وقلب الموازين.

بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات