ضعف التعليم المدرسي ينعكس سلبا على الجامعات في الجزائر ومطالب بإصلاح المنظومة - بوابة الشروق
الأحد 15 فبراير 2026 8:02 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

ضعف التعليم المدرسي ينعكس سلبا على الجامعات في الجزائر ومطالب بإصلاح المنظومة

وكالة أنباء العالم العربي
نشر في: السبت 18 نوفمبر 2023 - 11:15 م | آخر تحديث: السبت 18 نوفمبر 2023 - 11:15 م

يشكو أساتذة جامعيون في الجزائر من تردي مستوى الطلبة وما يجدونه من صعوبات في فهم الدروس واستيعابها، فضلا عن ضعف حصيلتهم اللغوية والعلمية والمنهجية الشديد، حيث لا يتقن الكثيرون منهم اللغات الأجنبية، بل وحتى اللغة العربية.

وينتهي الأمر بالعديد من الطلبة إلى إعادة السنة الأولى في الجامعة، خاصة في التخصصات الطبية والتقنية كالهندسة والتكنولوجيا والفيزياء والرياضيات، بل وهناك من يعيدون السنة عدة مرات قبل إتمام دراستهم الجامعية.

ويتفق الأساتذة والخبراء في قطاع التعليم والنقابات على أن اختلالات المنظومة التربوية تسببت في استفحال ظواهر سلبية كالغش في الامتحانات ومعاناة المعلمين بسبب الضغوط الناتجة عن كثافة المقررات الدراسية وتركيزهم عليها بدلا من التركيز على فهم التلاميذ لها، فضلا عن اكتظاظ الفصول وانتشار الدروس الخصوصية.

ومعروف في الجزائر أنه بعد نهاية الدوام المدرسي، يتوجه أغلب التلاميذ لتلقي دروس خصوصية في مدارس الدعم أو في منازل بعض الأساتذة الذين يقدمون الدروس بحثا عن دخل إضافي.

وعلى الرغم من غلاء أسعارها، يتزايد الإقبال علي هذه الدروس الخصوصية، فيما يسعى الآباء إلى تحسين مستوى أبنائهم، وهو ما يشكل ضغطا كبيرا على التلاميذ واستنزافا لجيوب الآباء؛ أما الذين لا يستطيعون تحمُّل تكلفة الدروس الخصوصية، فيضطرون إلى التدريس لأبنائهم في البيت.

وتراهن السلطات الجزائرية سنويا على ضمان نسبة نجاح مرتفعة في امتحانات نهاية السنة وتقليل عدد الراسبين قدر الإمكان. وتعتبر وزارة التربية الوطنية ارتفاع عدد الناجحين في شهادة التعليم المتوسط والبكالوريا أكبر مؤشر على جودة نظام التعليم في البلاد.

غير أن الخبراء في قطاعي التربية والتعليم العالي، وحتى النقابات، لا يتفقون مع الحكومة، ويعتقدون أن العبرة ليست بالكم، بل بنوعية التكوين ومستوى التلاميذ والطلبة.

ويذهب رئيس المجلس الوطني لأساتذة التعليم العالي عبد الحفيظ ميلاط إلى هذا الرأي، حيث يُرجع تدني مستوى الطلاب في الجامعة إلى ضعف نظام التعليم والمناهج الدراسية في المدارس واختلالات في المنظومة التربوية، التي قال إنها "أثّرت سلبا على مردود التلاميذ" في كل المراحل التعليمية.

واعتبر ميلاط في حديث لوكالة أنباء العالم العربي (AWP) أن إصلاح الجامعة الجزائرية "مرهون بإصلاح التعليم في الأطوار (المراحل) التعليمية الثلاثة، باعتبار أن التعليم العالي والتربية كل متكامل؛ فالجامعات تموّل المدارس بالمؤطرين والخرجين الجدد، والتعليم يموّل الجامعة بالطلاب".

* رسوب 80% من الطلبة

وفي هذا الإطار، كشف ميلاط عن أن "80 بالمئة من الطلبة الجامعيين في معظم التخصصات يرسبون في السنة الأولى جامعي، خاصة في التخصصات التقنية، ويعيدون السنة، وكثيرا ما يعاد توجيههم إلى تخصصات أخرى. والمفارقة هنا أن الكثير من الطلبة ضمن هؤلاء الراسبين حاصلون على البكالوريا بمعدلات عالية".

وتابع "نسبة الرسوب مخيفة ومقلقة، لو كانت 50 أو 40 بالمئة يمكن تقبلها على مضض؛ ولكن رسوب 80 بالمئة من الطلبة سنويا غير مقبول ولا يمكن السكوت عنه، لأنه مؤشر على أن الطلاب غير مهيئين بيداغوغيا (تربويا) وعلميا للتحصيل الجامعي".

ولفت ميلاط إلى أن قطاع التربية والتعليم يصدر للجامعة سنويا أكثر من 300 ألف طالب جديد، "الأغلبية الساحقة منهم غير مكونين بيداغوغيا وعلميا ويفتقرون إلى الحد الأدنى من متطلبات التعليم العالي والبحث العلمي".

وشدد رئيس المجلس الوطني لأساتذة التعليم العالي على أن "أي إصلاح للتعليم العالي بدون أن يرافقه إصلاح التعليم الابتدائي سيكون بدون جدوى. لا يمكن إصلاح الجامعة الجزائرية إذا كان قطاع التربية والتعليم مريضا".

وفي هذا الإطار، دعا ميلاط إلى إعادة النظر في النظام التعليمي التربوي في مراحله الثلاثة، الابتدائي والإعدادي والثانوي، وإعادة هيكلة شاملة له من خلال "التخلص من كثافة البرنامج وعديد المواد التعليمية الإضافية التي تُرهق التلميذ وتشتت فكره وتركيزه".

* 40 تلميذا في الفصل

كما لفت ميلاط إلى مشكلة الاكتظاظ في الفصول المدرسية، قائلا إن عدد التلاميذ في معظم الفصول يتراوح بين 30 و50 و60 تلميذا في الفصل، وذلك بمتوسط 40 تلميذا، مما يتطلب "إيجاد حلول لتخفيض عدد التلاميذ في القسم (الفصل) إلى 20 تلميذا كحد أقصى مثل ما تنص عليه المقاييس العالمية".

وينص الدستور الجزائري على مجانية التعليم لكل أبناء الشعب في المدارس العمومية كحق دستوري للمواطنين. وبدأ العام الدراسي الجديد 2023-2024 في الجزائر في 20 سبتمبر أيلول الماضي.

وتشير أحدث الإحصائيات الرسمية لحكومة الجزائر إلى أن 11 مليون تلميذ يدرسون في المراحل التعليمية الثلاثة، الابتدائي والإعدادي والثانوي، فيما يبلغ عدد الطلاب في قطاع التعليم العالي1.7 مليون طالب.

ومن بين الانتقادات التي توجه للمنظومة التربوية في الجزائر كثرة الامتحانات والتقييمات التي يخضع لها التلاميذ كل أسبوع أو أسبوعين.

وفي هذا الصدد، دعا ميلاط إلى الاستعاضة عن الاختبارات بالتقويم المستمر والاكتفاء بامتحانين فقط في منتصف السنة ونهايتها؛ كما طالب بتجريم الدروس الخصوصية وفرض عقوبات رادعة على كل من يمتهنها والتعويض عنها بحصص استدراكية للتلاميذ المتأخرين في التحصيل الدراسي أو حصص إضافية مسائية.

* ساعات الدراسة الأطول عالميا

يبدأ اليوم المدرسي في الجزائر الساعة الثامنة صباحا، ثم يحصل التلاميذ على فترة راحة في منتصف النهار لتناول وجبة الإفطار في البيت ويعودون للدراسة في فترة مسائية تنتهي الساعة الخامسة.

ويلقى هذا النظام انتقادات كثيرة؛ فالتلاميذ يصابون بالإرهاق ذهابا وإيابا بين البيت والمدرسة، وقد يتناولون وجبات خفيفة في الشارع إذا كان منزلهم بعيدا. ويقول رئيس المجلس الوطني لأساتذة التعليم العالي "التلميذ الجزائري يدرس أكبر حجم ساعي (أطول عدد ساعات دراسية) في العالم، مما يرهق التلاميذ الذين يقضون ساعات طويلة في المدرسة ولا يمكنهم الراحة ولا اللعب ولا حتى المراجعة من شدة التعب".

وأضاف "أغلبية الدول تعتمد نظام التدريس المستمر من السابعة أو الثامنة صباحا إلى غاية الواحدة أو الثانية بعد الزوال"، مقترحا "تخفيض الحجم الساعي للتلميذ من خلال اعتماد نظام تعليم مستمر من الثامنة إلى الساعة الثانية بعد الزوال كحد أقصى".

أخيرا، قال ميلاط إنه يعتزم مخاطبة الجهات المعنية رسميا للتوصية بإصلاح الاختلالات التي تؤثر على مستوى التلاميذ الذين يصلون إلى الجامعة في سن 18 سنة غير متمكنين من اللغات والفكر التحليلي، "ما عدا بعض الاستثناءات التي تحفظ ولا يقاس عليها".

* الإصلاح يتطلب قرارا سياسيا

في هذا السياق، يرى محمد بوخطة، المستشار السابق بوزارة التربية الوطنية، أن إصلاح النظام التربوي مرهون بقرار سياسي. وقال "المسألة مسألة إرادة سياسية.

من المفروض أن صناعة المنظومة التربوية من مهام البرلمانات وليس الحكومة؛ لكن ما يحدث عندنا أن الحكومات المتعاقبة في البلاد هي التي تصنع منظومة التربية.

هناك خلل عام في إسناد القطاع لغير أهله". وتساءل بوخطة في حديث لوكالة أنباء العالم العربي "لماذا لم يتم حتى الآن استحداث مجلس أعلى للتربية، تلتقي فيه كفاءات تنتقى وفق معايير موضوعية مبنية على الجدارة والاستحقاق؟ من المؤسف أن الدولة تنفق الكثير على القطاع دون الاستناد إلى معايير جادة ومدروسة".

وأضاف "التفكير في تجريم ومنع الدروس الخصوصية دون تقديم البديل ليس حلا.

لو كانت المدرسة تقدم تعليما جيدا للتلاميذ، لما اضطر الآباء لتسجيل أبنائهم في الدروس الخصوصية، وبالتالي لابد من العمل على تحسين جودة التعليم، لتقديم البديل للتلاميذ".

من جهته، قال الخبير التربوي محمد مخانق في تصريح لوكالة أنباء العالم العربي إن المناهج التعليمية الجزائرية "تتضمن أخطاء بيداغوغية فادحة، كتدريس اللغتين الفرنسية والإنجليزية معا لتلاميذ الابتدائي، مما يؤدي إلى اختلاط المصطلحات والنطق على التلاميذ، خاصة وأنهم لا يزالون في مرحلة تعلم اللغة الأم".

وانتقد إلحاق الأطفال بالتعليم التحضيري في سن الخمس سنوات، قائلا "هذا خطأ بيداغوغي وتربوي فادح، بل يعتبر جريمة في حق التلميذ والطفولة... 80 بالمئة من تلاميذ التحضيري ينامون نوما عميقا في القسم (الفصل) لأن عمرهم خمس سنوات، بينما في دول أخرى يدخل التلميذ للدراسة في عمر سبع سنوات".

كما انتقد مخانق التركيز على الكم على حساب الكيف بالحرص على تحقيق أعلى نسبة من الناجحين، مضيفا أن ذلك يفسر أن "الأغلبية الساحقة من الطلبة يتحصلون على البكالوريا بمعدل يتراوح بين 10 و12 من 20، فضلا عن أن الطلبة الذين يتحصلون على معدلات تتراوح بين 16 أو 17، والذين يفترض أنهم نخبة النخبة، ليس لديهم أبحاث ولا أي مشاركات في المجلات العلمية ولا كتب، وهو دليل آخر على ضعف المستوى".

كان آخر إصلاح للمنظومة التربوية في الجزائر في عام 2001 بمعرفة اللجنة التي اصطلح على تسميتها "لجنة بن زاغو" نسبة إلى الخبير التربوي علي بن زاغو، وقد مضى عليه حاليا 22 سنة؛ لكن قطاع التربية ما زال حتى اليوم يسير على توصياتها، مع تعديلات بسيطة تم إدخالها على مر السنين، والتي سُميت بإصلاح الإصلاحات".

وتجدر الإشارة إلى أن حكومة الجزائر ترصد سنويا ميزانية ضخمة لقطاع التعليم تفوق ميزانية كل القطاعات الأخرى، وهي ثالث أكبر ميزانية في الموازنة العامة للبلاد بعد كل من وزارتي المالية والدفاع الوطني.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك