«مذكرات يهودي مصري» في «الميكروفون»: شهادة نادرة تعيد قراءة التاريخ الاجتماعي والسياسي لمصر - بوابة الشروق
الأحد 31 مايو 2026 2:58 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

«مذكرات يهودي مصري» في «الميكروفون»: شهادة نادرة تعيد قراءة التاريخ الاجتماعي والسياسي لمصر

شيماء شناوي
نشر في: الإثنين 4 مايو 2026 - 2:31 ص | آخر تحديث: الإثنين 4 مايو 2026 - 2:31 ص

نظمت مكتبة «الميكروفون»، مساء الأحد، ندوة لمناقشة كتاب «مذكرات يهودي مصري» للكاتب ألبير آريه، الصادر عن دار الشروق، وذلك بمقر المكتبة في الدقي، وسط حضور لافت من المهتمين بالتاريخ الاجتماعي والسياسي المصري. شارك في الندوة الكاتب سامي آريه، الذي تناول الكتاب بالعرض والتحليل، بينما أدارت النقاش الكاتبة الصحفية داليا شمس، التي افتتحت الحوار بإضاءة على شخصية صاحب المذكرات وسياق كتابته.

في مستهل حديثها، أعربت داليا شمس عن سعادتها بالمشاركة، مشيرة إلى أنها كانت من المحظوظين الذين تعرفوا على ألبير آريه عن قرب، واصفة إياه بشخصية موسوعية ومرجع مهم للصحفيين والباحثين، لما امتلكه من ذاكرة دقيقة وقدرة على استحضار التفاصيل.

وأوضحت أن كتاب "مذكرات يهودي مصري"، الصادر عن دار الشروق بعد وفاته بعامين، يمثل تحديًا للقارئ بسبب ثرائه وتعدد محاوره، إذ يمتد عبر ما يقرب من قرن كامل، ويقدم شهادة حية على تحولات كبرى في المجتمع المصري.
ولفتت إلى أن المذكرات لا تقتصر على جانب واحد، بل تفتح مسارات متعددة للقراءة؛ فمن يبحث عن تاريخ اليسار المصري وتطور الحركة الشيوعية سيجد مادة ثرية، وكذلك من يهتم بتاريخ اليهود في مصر وتحولات وجودهم العددي والاجتماعي، أو من يسعى لفهم ملامح الحياة في القاهرة خلال الحرب العالمية الثانية، وصولًا إلى تفاصيل تجربة السجن، التي عاشها آريه لمدة 11 عامًا بين 1953 و1964.

ومن جانبه، أرجع سامي آريه تأخر والده في كتابة المذكرات إلى طبيعة الجيل الذي انتمى إليه، حيث سادت "ثقافة الصمت" والسرية داخل الأوساط اليسارية، وهو ما جعل كثيرًا من القيادات يفضلون عدم التدوين. وأشار إلى أن التحولات التي شهدتها مصر خلال «الربيع العربي» لعبت دورًا في دفعه إلى الكتابة، بخاصة تواجد والده في منزله بميدان التحرير، إلى جانب تشجيع مخرجة فرنسية كانت تجري حوارًا معه.


وكشف أن جزءًا من المذكرات كُتب باللغة الفرنسية، قبل أن يتوقف آريه عن استكمالها إثر ملاحظات من أصدقاء له بضرورة خضوعها لعملية "التحرير الأدبي"، وعدم تقبله للفكرة في البداية، غير أن الشعور بالمسؤولية تجاه جيله، خاصة مع تزايد أسئلة أبناء اليساريين له عن تاريخ آبائهم، دفعه لاحقًا إلى استكمال مشروعه، بوصفه أحد آخر الشهود على تلك المرحلة.

وأكد سامي آريه أن فرادة الكتاب تكمن في كونه شهادة نادرة ليهودي مصري قرر البقاء في بلده، في وقت ركزت فيه معظم الكتابات الأخرى على تجربة مرارة الهجرة والحنين.

وأوضح سامي آريه أن والده زار فلسطين مرتين في مرحلتين مختلفتين من حياته؛ إذ جاءت الزيارة الأولى قبل انخراطه في العمل السياسي، بينما تمت الثانية بعد انضمامه إلى التنظيم الشيوعي، حيث أُوفد ضمن مجموعة من الطلبة في مهمة أقرب إلى الاستطلاع لرصد النشاط الصهيوني، وهي مهمة لم تكن تخلو من المخاطر في ذلك الوقت.

وأشار إلى أن السفر قبل عام 1948 كان متاحًا وسهلًا عبر خط قطار مباشر ينطلق من محطة رمسيس إلى القدس، ما أتاح له اكتشاف المكان عن قرب وتكوين ذاكرة بصرية دقيقة ظل يستعيد تفاصيلها لاحقًا، مؤكدًا أن هذه التجربة لعبت دورًا حاسمًا في بلورة موقفه المناهض للصهيونية، وهو ما دفعه لاحقًا إلى عدم تكرار زيارة إسرائيل، تعبيرًا عن تضامنه مع القضية الفلسطينية.

وأضاف أن آريه رصد كذلك محاولات تجنيد الشباب اليهود في مصر من قبل عناصر صهيونية، مشيرًا إلى أنه احتفظ بذاكرة لافتة لوجوه وأسماء بعض هؤلاء رغم استخدامهم هويات مستعارة. مستعيدًا واقعة طّلاع والده على كتاب «الصهيونية في ظل الأهرامات»، الذي ألفته باحثة إسرائيلية عملت في جهاز الموساد، وتناول نشاط الشبكات الصهيونية في مصر خلال الأربعينيات والخمسينيات. وأوضح أنه رغم أن الكتاب كان مكتوبًا بالعبرية، فإن والده استعان بمترجم لقراءته، وتمكن من التعرف على عدد من الشخصيات الواردة فيه من خلال الصور، وهو ما عكس دقة ذاكرته ووعيه المبكر بطبيعة تلك الشبكات وحدود تأثيرها داخل المجتمع اليهودي المصري.

واستعاد سامي آريه تجربة والده داخل السجن، موضحًا أن الأمور هناك كانت تُدار بمعايير مختلفة تمامًا عن الخارج، حيث تتداخل العلاقات الإنسانية مع الانتماءات السياسية بشكل غير متوقع. وأنه على الرغم من التناقض بين الشيوعيين والإخوان المسلمين، فقد نشأت مساحات من التفاهم والتعايش، بل وأحيانًا الود.

ويروي أنه حين سأل والده عن طبيعة علاقته بالإخوان داخل السجن، جاءه رد مفاجئ ظل عالقًا في ذاكرته: «مش هتصدق… الإخوان بيحبوا اليهود»، مشيرًا إلى تجارب يومية عاشها، حيث كان يتشارك مع آخرين في أعمال شاقة مثل الخبز، ما خلق احتكاكًا مباشرًا بينهم.
وأكد سامي آريه أنه في هذا السياق، برزت علاقة والده بـ مهدي عاكف، الذي كان يتعامل معه بقدر من الاحترام والود بوصفه «من أهل الكتاب»، متجاوزًا انتماءه الشيوعي، في حين كان يتشدد مع آخرين، ويؤكد سامي أن العلاقة بين والده وعاكف استمرت بعد تولي الأخير منصب المرشد لجماعة الأخوان المسلمين في إطار من الاحترام المتبادل رغم الاختلاف الأيديولوجي.

وحول ولع ألبير آريه بالاحتفاظ بالمقتنيات الشخصية، قال سامي آريه إن والده كان يتعامل معها باعتبارها امتدادًا للذاكرة، ووسيلة لاستعادة تفاصيل الحياة واللحظات التي شكّلت تجربته، لا بدافع التوثيق المتعمد بقدر ما هو تعبير عن ارتباط عميق بالأماكن والذكريات، وعن حرص على صون تفاصيل الحياة اليومية. وأضاف أن هذا السلوك يعكس كذلك تصوره لمفهوم «الوطن» بوصفه مساحة آمنة للذكريات.

وأكد سامي أن والده لم يكن يخطط في الأصل لنشر هذه الحكايات، بل كان يرويها في دوائر ضيقة، قبل أن يتحول هذا السرد تدريجيًا إلى نص مكتوب وموثق في صورة مذكرات.

وتطرقت الندوة إلى جوانب أخرى من حياته، منها نشاطه الاقتصادي بعد خروجه من السجن، حيث عمل في تصدير الحاصلات الزراعية، وكذلك قراره الابتعاد عن العمل الحزبي المباشر، مفضّلًا أدوارًا أقل صخبًا. كما استُعيدت علاقاته الواسعة بأبناء جيله من المصريين الذين غادروا البلاد، وحرصه على تتبع مساراتهم والحفاظ على التواصل معهم.

واختتمت الندوة بالتأكيد على أن ألبير آريه دفع ثمن اختياره البقاء في مصر، سواء عبر سنوات السجن أو التضييق، لكنه ظل متمسكًا بوطنه، رافضًا مغادرته، حتى استحق، كما قال ابنه، أن يُدفن في ترابها. وقدمت المذكرات، في مجملها، صورة لإنسان ظل وفيًا للقاهرة، خاصة وسط البلد، التي عاش فيها وشهد تحولات ميدانها من زمن إلى آخر، محتفظًا بحب عميق للمدينة التي شكلت ذاكرته ووعيه.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك