في إطار جهود الدولة لضبط منظومة المرافق، والحد من الاستهلاك غير القانوني للكهرباء، وتنظيم أوضاع العقارات المخالفة لحين تقنين موقفها، وافق مجلس الوزراء المصري، خلال اجتماعه رقم 85 عام 2020، على القواعد التنفيذية لتركيب العدادات الكودية بالمباني المخالفة، كبديل لنظام الممارسة الذي كان معمولًا به في السابق.
وجاء هذا التوجه تطبيقًا للقرارات المنظمة للتعامل مع المباني والمنشآت المقامة بالمخالفة، بما يتيح لشركات الكهرباء والمرافق اتخاذ الإجراءات اللازمة لحساب الاستهلاك الفعلي، ومنع التعدي على الشبكات، دون أن يترتب على تركيب العداد الكودي منح أي حقوق قانونية للمبنى المخالف، أو اعتباره سندًا لتقنين وضعه.
ويُعد العداد الكودي أحد أنواع العدادات الرقمية المؤقتة، التي تُركب باستخدام رقم كودي بدلًا من اسم المشترك، بهدف قياس استهلاك الكهرباء في العقارات المخالفة، لحين إزالة المخالفة أو تقنين الوضع وفقًا لقانون التصالح، مع بقاء الوضع القانوني للعقار مرتبطًا بقرارات الجهات المختصة، وليس بمجرد تركيب العداد.
وحتى تطبيق التوجه الجديد في أبريل 2026، كانت القواعد التنفيذية المعتمدة منذ 2020 تنص على محاسبة العدادات الكودية وفق شرائح الاستهلاك المعتمدة، قبل أن تنتقل الحكومة إلى تطبيق المحاسبة بسعر التكلفة على هذه العدادات، استنادًا إلى قانون التصالح في بعض مخالفات البناء رقم 187 لسنة 2023.
وتنص المادة العاشرة من قانون التصالح على حظر توصيل المرافق للعقار المخالف الذي لم يقدم بشأنه طلب تصالح، أو رُفض الطلب المقدم بشأنه، وإذا كان هذا العقار قد سبق إمداده بالمرافق، تتم المحاسبة على قيمة استهلاك الخدمات التي تقدمها الجهات القائمة على شئون المرافق بسعر التكلفة، دون تطبيق أي وجه من أوجه الدعم، كما لا يجوز اتخاذ أي إجراءات لشهره أو تسجيله وفقًا للقوانين المنظمة لذلك.
وفي هذا السياق، أصدرت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة القرار الوزاري رقم 142 لسنة 2024، بشأن تنظيم تركيب العدادات الكودية المؤقتة مسبقة الدفع، والمحاسبة على قيمة التيار الكهربائي المستولى عليه بغير حق بسعر التكلفة المحدد من جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك.
ومع بدء التطبيق، أصبحت محاسبة العدادات الكودية وفق سعر موحد للكيلووات/ساعة، بدلًا من نظام الشرائح التصاعدية الذي كان يختلف حسب حجم الاستهلاك، وهو ما مثّل تغييرًا مباشرًا في طريقة حساب الفاتورة لهذه الفئة من العدادات.
وبحسب التعريفة المنشورة من جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك، جرى تحديد سعر المحاسبة للعدادات الكودية عند 274 قرشًا للكيلووات/ساعة، بما يعكس توجهًا لمحاسبة هذه العدادات بسعر التكلفة، دون إدراجها ضمن منظومة الدعم المطبقة على العدادات القانونية الدائمة.
وأكدت الشركة القابضة لكهرباء مصر، في توضيح نشرته عبر صفحتها الرسمية، أن تطبيق نظام الشريحة الموحدة والمحاسبة بالتكلفة الفعلية للكيلووات/ساعة لا يُطبق بأثر رجعي، وإنما اعتبارًا من أبريل 2026.
الحكومة: تحصيل تكلفة الخدمة مرتبط بتقنين الأوضاع
وتؤكد الحكومة أن الهدف من تطبيق سعر التكلفة على العدادات الكودية هو تنظيم أوضاع العقارات المخالفة، وضمان تحصيل تكلفة الخدمة المقدمة، مع دفع أصحاب هذه العقارات إلى الإسراع في إنهاء إجراءات التصالح، بما يسمح بتحويل العداد الكودي المؤقت إلى عداد قانوني دائم بعد استيفاء الشروط.
وفي تصريحات تلفزيونية، قال الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، إن الدولة من حقها تحصيل مستحقاتها من العقارات المخالفة، خاصة في ظل الاستثمارات الكبيرة المطلوبة لتأمين الشبكة الكهربائية وتغطية احتياجات المواطنين، مؤكدًا أن تسريع إجراءات التصالح والتقنين من شأنه إنهاء هذه الأوضاع المؤقتة.
كما أوضح المهندس منصور عبدالغني، المتحدث باسم وزارة الكهرباء، في تصريحات تلفزيونية، أن محاسبة العدادات الكودية تتم بالتكلفة الفعلية، باعتبارها أحد مسارات ضبط الاستهلاك وتقنين الأوضاع، بعد التوسع في إلغاء نظام الممارسة وتركيب العدادات الكودية مسبقة الدفع.
وأشار إلى أن تركيب هذه العدادات يساعد على محاسبة المواطن وفق استهلاكه الفعلي، ويحمي الشبكة من الهدر، ويضمن وجود آلية واضحة للتعامل مع الحالات غير المقننة، إلى حين انتهاء إجراءات التصالح أو صدور القرارات الخاصة بها.
وفي تطور مرتبط بالملف، وجّه رئيس مجلس الوزراء، في مايو 2026، بسرعة الانتهاء من التعديلات القانونية الخاصة بملف التصالح على مخالفات البناء، مع تبسيط الإجراءات وتسريعها، وهو ما يعكس ارتباط أزمة العدادات الكودية بمسار أوسع يتعلق بسرعة حسم طلبات التصالح، وتحديد موقف المواطنين المتقدمين بالفعل لتقنين أوضاعهم.
مطالب برلمانية بمراعاة الحالات العالقة
في المقابل، دعا عدد من أعضاء مجلس النواب إلى مراجعة آلية تطبيق القرار، خاصة في الحالات التي تقدم أصحابها بطلبات تصالح ولم يتم البت فيها حتى الآن، معتبرين أن هذه الفئة تحتاج إلى معالجة مختلفة، حتى لا تتحمل تكلفة إضافية خلال فترة انتظار حسم موقفها القانوني.
وقال النائب إيهاب منصور، وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، في تصريحات تلفزيونية، إن تطبيق القرار يحتاج إلى مراعاة الاعتبارات الاجتماعية، خاصة بالنسبة للمواطنين الذين تقدموا بطلبات تصالح منذ سنوات، ولم يحصلوا بعد على قرار نهائي بشأنها.
وأشار إلى أن بعض أصحاب العدادات الكودية ليسوا بالضرورة من المتعدين على التيار الكهربائي، وإنما من المواطنين الذين دخلوا في مسار رسمي لتقنين أوضاعهم، داعيًا إلى استثناء المتقدمين بطلبات تصالح من تطبيق سعر التكلفة لحين البت في طلباتهم.
كما دعا النائب إبراهيم نظير، عضو مجلس النواب، إلى مراجعة قرار إلغاء نظام الشرائح التصاعدية بالنسبة للعدادات الكودية، مراعاةً لمحدودي الدخل، خاصة في الحالات التي قدمت طلبات تصالح وسددت مبالغ الجدية المقررة، لكنها لا تزال في انتظار انتهاء الإجراءات.
ورأى النائب مجدي مرشد، عضو مجلس النواب، أن ربط ملف الكهرباء بملف التصالح يحتاج إلى قدر أكبر من المرونة في التطبيق، خصوصًا مع وجود مواطنين يسعون بالفعل لتوفيق أوضاعهم، لكنهم ما زالوا عالقين في الإجراءات.
بينما اعتبر النائب أمير الجزار، عضو مجلس النواب، أن توحيد سعر المحاسبة عند 2.74 جنيه للكيلووات/ساعة يمثل عبئًا على بعض محدودي الدخل، داعيًا إلى مراجعة آلية التطبيق بما يحقق التوازن بين حق الدولة في تحصيل تكلفة الخدمة، ومراعاة الظروف الاجتماعية للمواطنين.
إعلاميون: الأزمة في التفرقة بين الحالات
ولم تقتصر الملاحظات على النواب، إذ تناول عدد من الإعلاميين ملف العدادات الكودية من زاوية ضرورة التفرقة بين الحالات المختلفة، خاصة أن بعض المواطنين حصلوا على عدادات كودية في سياقات إجرائية، أو بعد تقديم طلبات رسمية، وليس بالضرورة نتيجة سرقة تيار كهربائي.
وقال الإعلامي مصطفى بكري، في تصريحات تلفزيونية، إن التعامل مع كل أصحاب العدادات الكودية باعتبارهم في وضع واحد قد لا يعكس الواقع بدقة، مشيرًا إلى وجود مواطنين لديهم عدادات كودية أو إنشائية وتعثر تحويلها إلى عدادات قانونية لأسباب مرتبطة بإجراءات التصالح أو المحليات.
وأضاف أن بعض المواطنين يشعرون بأنهم يدفعون تكلفة وضع قانوني لم يحسم بعد، رغم أنهم تقدموا بالفعل بطلبات لتقنين أوضاعهم، وهو ما يستدعي التفرقة بين من لم يتخذ أي إجراء لتقنين وضعه، ومن بدأ المسار الرسمي وينتظر البت فيه.
واقترح الإعلامي أحمد سالم، في تصريحات تلفزيونية، إعادة النظر في محاسبة بعض حالات العدادات الكودية، خاصة لمن سددوا جدية التصالح أو بدأوا إجراءات التقنين، بحيث يكون ذلك حافزًا لاستكمال التصالح، ويحقق في الوقت نفسه مصلحة الدولة والمواطن.
أزمة تطبيق لا أصل قرار فقط
وبين حق الدولة في تحصيل تكلفة خدمة تقدم لعقارات غير مقننة، وضرورة حماية الشبكة الكهربائية من الهدر والتعديات، وبين مطالب النواب والإعلاميين بمراعاة الحالات التي دخلت بالفعل في مسار التصالح، تبدو أزمة العدادات الكودية أكبر من مجرد سعر جديد للكيلووات/ساعة.
فالملف يرتبط بثلاث نقاط أساسية: سرعة حسم طلبات التصالح، وضبط التفرقة بين من لم يبدأ إجراءات التقنين ومن تقدم بالفعل بطلبه، وتوضيح المسار الذي يسمح بتحويل العداد الكودي المؤقت إلى عداد قانوني دائم فور استيفاء الشروط.