كتب الشاعر بهاء جاهين، على صفحات جريدة «الأهرام»، تحت عنوان "وجدتها!"، قراءة نقدية للمتتالية القصصية «المقادير» للكاتبة أميرة النشوقاتي، والصادرة عن دار الشروق، متناولًا عالمها السردي، وما يطرحه العمل من رؤى حول خبرات النساء، والذاكرة العائلية، والموروث الشعبي، وعلاقة الطعام بالهوية والقدر.
وفيما يلي نص المقال كما نشرته «الأهرام»:
«وجدتها!».. حين تقولها امرأة، وعلى الأخص امرأة من الشرق بعد أرشميدس بألفى سنة، فنحن إزاء كلمة حبلى بتجارب ملايين من النساء، وإن لم تقلها صراحة الكاتبة والصحفية الزميلة أميرة النشوقاتى فى كتابها الثرى الأنثوى (المقادير)، فإن كل كلمة فيه تحكى عن نضال بنات حواء على هذه الأرض، ببحورها الغريقة وبعض أحكامها الظالمة، وعن جهادهن لكى يظللن طافيات على سطح الوجود لا تجرفهن الدوامات، بل ويقدن فى كثير من الأحيان سفينة الأسرة، بعيالها ورجالها، ويقمن بإرضاع الصغار أسرار الحياة و توريثهم القيم التى توصل إليها ويحرص على صيانتها الوجود الإنسانى ذكورا وإناثا، تلقنهن فى ذلك حكمة الحياة التى أودعها الله فى بعض خلقه، حتى وإن لم ينلن تعليما عاليا أو حتى متوسطا.. وكتاب ( المقادير) لأميرة النشوقاتى ملىء بالنماذج الأنثوية الشائقة من الطبقة المتوسطة العليا أو الأقل، واللاتى عشن فى القرن الماضى، وبالذات ثلثه الأوسط، واستطعن أن يحفظن قيم طبقة المتعلمين، فى ذروة سنوات النهضة المصرية ثقافيا، حتى وإن لم ينلن جميعهن بالضرورة قسطا وافرا من التعليم.
واختارت المبدعة المغرمة بالتراث اسم (بهية) للشخصية المركزية فى العمل، وراوية تلك المتتالية القصصية، المستوحاة بعض ملامحها من حياة الكاتبة وإن لم تكن سيرة ذاتية بالمعنى التقليدى الشائع. كما أنها اختارت نفس الاسم لشخصية جدة الراوية والنبع الذى استقت منه فى سنوات تكَوُّنها الأولى، واغترفت معارفها ورؤيتها للحياة والفنون النسوية اللازمة من طهو وتطريز، وشربت منها وورثت عنها الأهم: إيمانها الراسخ بالله الرحيم القادر وما يغرسه ذلك فى طينة الإنسان من شجاعة.
وفى الفصل الأول من كتاب (المقادير)، بعنوان «ست بهية»، تبدأ أميرة النشوقانى مغامرتها الإبداعية النابعة من الفنون النسائية، مستخدمة، فى كل فصل من فصول كتابها الثمانية عشر، تفصيلة، أو (باترون) كما يسمى فى فن الخياطة، تقوم على المزج بين طرفى المعنى المزدوج لكلمة (مقادير )، التى تعنى من ناحية: تصاريف القدر والمشيئة، وفى نفس الوقت: مكونات أكلة أو طبخة ما بالنسب المطلوبة والطرق المجربة، التى تتداولها ربات البيوت فيما بينهن، وتعَدُّ من الحيل التى تتقنها المرأة للبقاء على قيد الحياة. وكان البدء بـ «الست بهية»، هو المدخل المثالى لهذه الطريقة الروائية النسائية المتكررة فى فصول العمل كلها، لأن الجدة هى النبع الثرى للمقادير بمعناها المزدوج: فهى أول من نهلت منها ونقلت عنها بهية الحفيدة وصفات الطعام بالمقادير اللازمة؛ وكذلك لزوم الإيمان بالمقادير بمعناها الربانى وحكمة التسليم بمشيئة الله وما تلهمه من شجاعة وقدرة على مواجهة الحياة. وكان اختيار مدينة طنطا، خاصة بيت يقوم فى رحاب السيد البدوى، وتسكنه أسرة كان منشئها وجدها الأعلى واحدا من محاسيب (شيخ العرب)، اختيارا ذكيا وموفقا من الكاتبة ، لكى تبدأ تفصيل (الباترون) المتكرر بعد ذلك فى كل فصول العمل، متتبعة، فى حكاية الشخصية الرئيسية وحياة أسرتها ومعارفها، «الجذور» الأنثوية لرؤيتها للحياة، وكذلك تلك الصبغة الصوفية التى يتميز بها المصريون جميعا، رجالهم ونساؤهم، عامتهم ومتعلموهم، وجاءت (الست بهية) تعبيرا جميلا عنها. وقد جعلت منها أميرة النشوقاتى وارثة لمطبخ البيت الذى خرجت منه الحلاوة الحمصية أول ما خرجت احتفالا بمولد السيد البدوى، الذى شاء الجد المؤسس للعائلة أن يقوم بإحياء ذكراه كل عام منذ مئات السنين. وينتهى الفصل بوصفة المقادير اللازمة و الطرق المتبعة لعملية صنع الحلاوة الحمصية التى يقوم أهل البيت تحت قيادة «ست بهية» بتجهيزها وتفريقها كل عام على ضيوف السيد البدوى فى مولده.
وفى الفصل الثانى ينتقل الحكى إلى بيت آخر من بيوت العائلة: بيت أنَّا وجِدُّو فى العباسية، حيث يعيش أهل أم بطلة العمل بهية، التى تأتيه فى زيارة طويلة كل إجازة صيف.
وتسمى الكاتبة هذا الفصل باسم إحدى الجارات من سكان البيت: طنط منيرة. وهى ممثلة مسرحية شهيرة، اشتهرت أيضا بين الجيران بوصفة فتة الزبادى وغيرها من الأكلات القائمة على الزبادى، وفى نهاية الفصل تورد بهية الحفيدة - التى رأيناها فى الفصلين الأول والثانى لم تبارح بعد الطفولة – طريقة تحضير تلك الأكلات فى رسالة لحفيدتها أمينة التى تدرس فى الخارج!.. والأسبوع المقبل بإذن الله نواصل حكايتنا مع المقادير والزمن الذى يدور كدوامات نمارس فى مواجهتها ما نتعلمه من فنون العوم كى نطفو ولا تبتلعنا.