أحيانًا، ونحن نضع سؤالًا مقاليًا لطلبة الدكتوراه، يعترض أحد الزملاء قائلًا:
"هذا السؤال يحتاج إلى ساعات للإجابة عنه، فكيف نضعه في امتحان لا تتجاوز مدته ساعتين؟".
ويبدو الاعتراض منطقيًا للوهلة الأولى؛ فالسؤال واسع، والمعرفة المتصلة به متشعبة، والمراجع التي يمكن استدعاؤها كثيرة. لكن فلسفة السؤال لا تقوم على مطالبة الطالب بأن يكتب كل ما يعرف، بل على اختبار قدرته على أن يختار، من بين كل ما يعرف، ما ينبغي أن يُقال.
فالامتحان هنا لا يقيس حجم المعلومات المخزنة وحده، وإنما يقيس مرتبة أعلى من المعرفة: القدرة على ترتيبها، وتحديد جوهرها، واستبعاد ما لا يخدم الحجة، ثم تقديمها في بناء واضح ومتماسك داخل زمن محدود.
كلما ازدادت معرفة الإنسان الحقيقية، كان أقدر على التمييز بين الأساسي والهامشي، وبين الفكرة وما يحيط بها من تفاصيل، وبين الدليل الضروري والاستطراد الذي يمكن الاستغناء عنه. أما من لم تستقر المعرفة في عقله، فقد يلجأ إلى الإطالة ليغطي اضطرابه، أو يسرد كل ما يحفظ لأنه لا يعرف أي جزء منه يجيب عن السؤال.
ومن هنا تصبح الإجابة المختصرة، في بعض الأحيان، أصعب كثيرًا من الإجابة الطويلة.
المعرفة ليست ما نقوله كله
هناك فرق بين امتلاك المعلومات وامتلاك المعرفة. المعلومات يمكن جمعها وتكديسها واستدعاؤها، أما المعرفة فتقتضي تنظيمها وربطها وفهم علاقاتها واستخلاص دلالتها. وفوق المعرفة تأتي الحكمة: أن تعرف ماذا تقول، ولمن، ومتى، وبأي قدر.
الطالب الذي يكتب عشر صفحات لا يثبت بالضرورة أنه يعرف أكثر من زميله الذي كتب ثلاث صفحات. قد يكون الأول قد استعرض محفوظاته، بينما استطاع الثاني أن يلتقط قلب السؤال، ويبني حجته، ويقدم شواهدها، ثم يتوقف عند النقطة التي اكتمل عندها المعنى.
والتوقف في الوقت المناسب جزء من البلاغة، كما أنه جزء من العلم.
ليست كل إضافة إثراءً، فقد تتحول كثرة التفاصيل إلى ضوضاء تحجب الفكرة بدلًا من أن تشرحها. وقد تكون الجملة الزائدة عبئًا على النص، تمامًا كما يكون الأثاث الزائد عبئًا على الغرفة، يحاصر حركتنا فيها بدلًا من أن يزيدها جمالًا.
الاختصار الناضج ليس حذفًا اعتباطيًا، بل هو نتيجة عملية عقلية مركبة: فهم، وتحليل، ومقارنة، وترتيب، وانتقاء، ثم إعادة بناء. ولذلك فإن كتابة نص قصير جيد قد تحتاج إلى وقت أطول من كتابة نص ممتد؛ لأن الكاتب لا يختصر الكلمات فقط، بل يختصر رحلة فكرية كاملة دون أن يفقد القارئ محطاتها الضرورية.
هناك فارق جوهري بين الاختصار والتسطيح.
الاختصار يحذف الزائد ويحافظ على قلب المعنى، أما التسطيح فيحذف المعنى نفسه. الاختصار يعيد ترتيب التعقيد ليصبح مفهومًا، أما التسطيح فينكر وجود التعقيد من الأساس. الاختصار يحتاج إلى معرفة واسعة، بينما يستطيع الجهل أن ينتج التبسيط المخل بسهولة شديدة.
ليست المشكلة إذن في أن نقول القليل، بل في أن يكون هذا القليل أقل مما تحتاجه الحقيقة.
الإجابة أمام الإعلام
تظهر صعوبة الاختزال بوضوح في المقابلات الإعلامية. قد يطرح المذيع سؤالًا يحتاج إلى محاضرة كاملة، ثم يمنح ضيفه دقيقة أو دقيقتين للإجابة. هنا لا تكفي المعرفة وحدها؛ بل يحتاج المتحدث إلى القدرة على تكثيفها في فكرة مركزية، وحجة واضحة، ومثال كاشف.
قد يعرف الضيف الكثير، لكنه يفشل في التواصل لأنه يبدأ من بعيد، أو يستغرق في المقدمات، أو يفتح أبوابًا متعددة ولا يغلق أيًا منها. وقد يكون أقل معرفة من غيره، لكنه أكثر قدرة على صياغة عبارة جذابة، فيبدو للجمهور أكثر إقناعًا.
وهنا تكمن خطورة العصر الإعلامي: قد تنتصر العبارة القصيرة لأنها لامعة، لا لأنها صحيحة، وقد تهزم الحقيقة لأنها لم تجد من يحسن تقديمها في المساحة المتاحة.
لذلك ينبغي ألا نترك فن الاختزال لصانعي الشعارات وحدهم. على العلماء والمفكرين والأكاديميين أن يتعلموا كيف يقدمون الأفكار المركبة بلغة واضحة ومكثفة، من دون التضحية بالدقة أو الأمانة. فالعجز عن توصيل المعرفة لا يقلل من صحتها، لكنه يقلل من أثرها في المجتمع، ويترك المجال مفتوحًا أمام من يملكون بلاغة التعبير ولا يملكون مسئولية المعرفة.
التربية على التكثيف
ربما ينبغي أن نعيد النظر في الطريقة التي نعلّم بها أبناءنا وطلابنا. فنحن كثيرًا ما نكافئ طول الإجابة، وكثرة الصفحات، وتراكم المراجع، أكثر مما نكافئ وضوح الفكرة وجودة الحجة. وقد يتعلم الطالب منذ صغره أن الإجابة الطويلة أكثر أمانًا؛ لأنها تعطي انطباعًا ببذل الجهد، حتى لو كانت مليئة بالتكرار.
الأجدى أن ندربه على تقديم الفكرة في مستويات متعددة: أن يشرحها في صفحة، ثم في فقرة، ثم في جملة واحدة؛ لا ليختزلها اختزالًا مخلًا، بل ليتأكد من أنه أدرك مركزها. فمن لا يستطيع التعبير عن جوهر فكرته بوضوح، قد لا يكون قد فهمها بعد بالقدر الذي يتصوره.
وهذا هو جانب من فلسفة سؤال الدكتوراه الذي يبدو أوسع من زمن الامتحان. المطلوب ليس استدعاء المكتبة كلها، بل إثبات القدرة على معرفة أي الكتب يجب فتحه، وأي الأفكار يجب تقديمها، وكيف تنتظم في إجابة لها بداية ومنطق ونتيجة.
في عصر الوفرة المعلوماتية، لم تعد الندرة في المعلومات، بل في الانتباه. ولم تعد القيمة في القدرة على إضافة كلام جديد فحسب، بل في القدرة على إزالة الكلام الذي لا حاجة إليه. فكل ما حولنا يستلزم الاختزال: المقال، والكتاب، والمحاضرة، والإجابة الإعلامية، والخطاب السياسي، بل حتى الحديث اليومي.
ولكن يبقى الشرط الحاسم: أن نختصر العبارة من دون أن نبتر الفكرة، وأن نقتصد في الكلمات من دون أن نبخل بالمعنى.
فالاختصار الحقيقي ليس أن نقول أقل، بل أن نجعل القليل الذي نقوله يحمل أكثر.