في حوار أجرته معه المحاورة كريسيدا ليشون في 6 سبتمبر الجاري، ونشرته مجلة «النيويوركر» ضمن نشرتها البريدية عن الكتب والخيال التي تكشف كواليس كتابة القصص والخلفيات التي تقف وراءها إلى جانب أحدث الأعمال القصصية، تحدث الكاتب الليبي العالمي هشام مطر عن قصته «أحذية جديدة»، التي تدور حول رجل غادر القاهرة في الثامنة عشرة من عمره، وبعد أربع سنوات عاش خلالها وعمل في أماكن مختلفة بإيطاليا وفرنسا، استقر في لندن، حيث أمضى ثمانية أعوام وأصبح يمتلك سلسلة من متاجر بيع الصحف الصغيرة.
وناقشت المقابلة اختيار لندن مكانًا لاستقرار بطل القصة، وفكرة الشبيه والحياة المزدوجة التي تشكل محور العمل، إلى جانب علاقة "مطر" الفنية بالرسام البريطاني ديفيد أوستن، وتجربته الشخصية مع المنفى وما أسماه "داء الأماكن الأخرى"، وصولًا إلى دلالة الأحذية التي يذهب الراوي لشرائها في نهاية القصة.
وحول سبب اختياره لندن لتكون المكان الذي يستقر فيه الراوي، قال "مطر" إنه كان مهتمًا بشخص يعيش في مكانين في الوقت نفسه، أحدهما يعيش فيه بشكل فعلي، والآخر يرغب في العيش فيه. وأوضح أنه عاش في لندن معظم حياته، وهي مدينة كانت ولا تزال، بطبيعة الحال، ملاذًا لأشخاص مثل بطل قصته، الذين قد يشعرون، مهما طال بقاؤهم فيها، بأنهم "ضيوف"، مستشهدًا بوصف الكاتبة الإنجليزية فرجينيا وولف للروائي البريطاني من أصول بولندية جوزيف كونراد في رثائها له، إذ كان قد أمضى في ذلك الوقت ستة وأربعين عامًا في بريطانيا.
وأضاف أن لندن تظل، كما هو معروف عنها، مدينة ترحب بالغريب، لكنها في الوقت نفسه بارعة في إبقائه، أو إبقائها، على السطح.
وعن مصير الراوي لو كان شقيقه الأكبر هو الذي غادر القاهرة وبقي هو فيها، بعدما لم تكن الأسرة قادرة على دفع ثمن سوى تذكرة سفر واحدة، أجاب "مطر" بأنه يعتقد أن حياته كانت ستختلف. وأوضح أن كثيرين ممن تدفعهم الظروف إلى بناء حياة في بلد جديد، وهم بحسب ما يُفترض "المحظوظون"، يشعرون في الوقت نفسه بأنهم محظوظون لأنهم أُتيحت لهم فرصة البحث عن الأمان أو الفرص في مكان آخر، وبأنهم مستبعدون بقسوة، ليس فقط من الأشخاص والأماكن التي يحبونها، وإنما أيضًا من ذواتهم التي كان يمكن أن يصبحوا عليها لو ظلوا في وطنهم.
وتطرق "مطر" إلى التغير الذي طرأ على أحاديث الراوي وشقيقه عبر الهاتف، بعدما أخبره الأخير بأن أصدقاء له في القاهرة يعتقدون أنهم رأوه في المدينة، موضحًا أن هذه التقارير أثارت اضطراب الراوي بشدة؛ وقال إن الأمر أشبه بأنها توقظ داخله تنافرًا دفينًا، إذ تتردد أصداء احتماليّ وجوده، أو النسختين المحتملتين منه، في مواجهة إحداهما الأخرى. وأضاف أن القلب السري للقصة يتمثل في محاولة هذا الرجل تحمل هذه التناقضات، أو ذلك الضجيج الداخلي الذي تفرضه عليه مثل هذه الحياة.
وعندما سُئل "مطر" عن الأمثلة الأدبية التي استلهمها في تناوله لفكرة الشبيه، أو القرين، باعتبارها من التصورات المتكررة في الأساطير والأدب، أكد أن أعمالًا عديدة رافقته أثناء تفكيره في القصة. وأشار إلى أمثلة أكثر وضوحًا، من بينها «الحالة الغريبة للدكتور جيكل والسيد هايد»، الكاتب الإسكتلندي روبرت لويس ستيفنسون، و«الآخر» للكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس، و«الشريك السري» لجوزيف كونراد، موضحًا أنه يجد نفسه يعيد قراءة العمل الأخير كل عام تقريبًا.
وانتقل "مطر" إلى أمثلة أقل وضوحًا، مثل «تريستيا»، ذلك العمل العظيم عن المنفى للشاعر الروماني أوفيد، و«لغز الوصول» للبريطاني من أصول هندية في. إس. نايبول. كما أشار إلى ما يمكن تسميته "الحيوات المزدوجة" لبعض الأعمال الفنية، مستشهدًا بـ«سوناتا كرويتزر» لبيتهوفن، التي ألهمت ليو تولستوي كتابة عمل سردي بالاسم نفسه، قبل أن يلهم العملان معًا رباعية وترية مؤلمة للملحن ليوش ياناتشيك، ثم تجد الأعمال الثلاثة، بطريقة ما، طريقها إلى رواية للكاتبة ماريت دي مور.
وأوضح أن الأمر يتعلق بأربع «سوناتات كرويتزر» بدأت مع بيتهوفن وامتدت على مدار نحو مئتي عام، وأضاف أن بعض اللوحات ظلت حاضرة في ذهنه أيضًا، ومنها «نرسيس» للرسام الإيطالي كارافاجيو، و«إيكو ونرسيس» لرسام الفرنسي لبوسان، و«فينوس أمام المرآة» للإيطالي تيتيان.
ولكن "مطر" شدد على أن القصة الجديدة، بصورة أكثر تحديدًا، تدخل في حوار مع الرسومات المقتضبة والنافذة التي يقدمها الفنان البريطاني ديفيد أوستن.
وفي حديثه عن علاقته الفنية بأوستن، قال "مطر" إنه يحب أعماله بحق، لما تتمتع به من عمق وحساسية، ولانشغالها بالحد الفاصل بين الطبيعة والحياة الداخلية، إلى جانب الجانب المسكون الذي يطغى على شخصياته، والطريقة التي يبدو أنه يدفعنا بها إلى التحديق، بحنان موجع، في أولئك الذين فقدوا أماكنهم أو اقتُلعوا منها.
وكشف "مطر" أنه كتب، منذ زمن بعيد، مقالًا قصيرًا عن أعمال "أوستن"، ولا يزال يتذكر أنه قرأه عليه في مرسمه ذات مساء متأخر، وأنهما شعرا معًا بالإمكانات التي يمكن أن يتيحها التعاون بين اللغة والصورة. وأضاف أنهما كانا يأملان منذ ذلك الحين في أن تتاح لهما فرصة العمل معًا.
وأوضح أن «أحذية جديدة» تمثل تعاونهما الثاني، مشيرًا إلى أنهما، كما حدث في المشروع الأول، عملا بالتوازي إلى حد كبير؛ إذ كان "أوستن" يريه رسوماته مع تطورها، بينما كان "مطر" يشاركه مسودات «أحذية جديدة».
وقال إن رسومات "أوستن" وقصته كانتا تدفع كل منهما الأخرى إلى الأمام، ولكن بطرق يصعب وصفها، مؤكدًا أن العلاقة بين العملين ليست علاقة توضيحية، فالرسومات لا تأتي لتوضيح القصة. وأكد أن ما هو واضح بالنسبة إليه أن قصته ما كانت لتكون على الصورة نفسها من دون رسومات "أوستن".
وانتقلت المحاورة إلى تجربة "مطر" الشخصية مع المنفى، مشيرة إلى أنه عاش هذه التجربة مرتين في صباه وشبابه؛ الأولى عندما انتقلت أسرته من طرابلس إلى القاهرة وهو في التاسعة من عمره، بسبب معارضة والده لنظام معمر القذافي، كما روى في المجلة وفي مذكراته «العودة»، والثانية عندما غادر القاهرة للالتحاق بمدرسة داخلية في المملكة المتحدة، وسألته عما إذا كان قد حلم، مثل راوي قصته، بحياة بديلة بقي فيها في مصر أو ليبيا.
ورد "مطر" بأنه من المستحيل ألا يفعل ذلك، موضحًا أن هناك إلى جواره "نسخ متعددة من هشام" على حد تعبيره؛ بينهم هشام الذي بقي في نيويورك، حيث وُلد عندما كان والده دبلوماسيًا هناك، وهشام الذي لم يكن مضطرًا إلى مغادرة طرابلس وبحرها، حيث نشأ من الثالثة إلى التاسعة من عمره، وحيث لا يزال جزء منه باقيًا، وأضاف أن هناك أيضًا هشامًا آخر كان يمكن أن يواصل العيش في القاهرة، حيث استقرت أسرته، وألا يغادرها في الخامسة عشرة متجهًا إلى المملكة المتحدة، فضلًا عن ذلك الآخر الذي كان يمكن أن يعود إلى القاهرة بعد الجامعة، أو ربما يذهب إلى مكان آخر أكثر ملاءمة لمزاجه المتوسطي.
وقال "مطر" إن كل ذلك أصابه بـ"داء الأماكن الأخرى"، لكنه بدأ الآن يشعر بإمكانية نشوء حالة جديدة أكثر تماسكًا، بحيث تتلاقى حياته في لندن مع نيويورك، حيث يعيش الآن نحو نصف الوقت، إلى جانب ارتباطاته بالقاهرة وطرابلس، وعلاقات الحب الآخذة في التكوّن مع أماكن أخرى، من دون كل ذلك الغضب.
وأشار إلى أن بطل روايته الأخيرة «أصدقائي» كان يقول لنفسه: "دع كل أماكنك الأخرى تمضي"، مضيفًا: "أعتقد أن جزءًا مني يطمح إلى ذلك".
وفي ختام الحوار، سألته المحاورة عن سبب اختياره شارع جيرمين في لندن ليكون وجهة الراوي لشراء حذاء في نهاية القصة، وهو أحد أرقى شوارع العاصمة لشراء القمصان والأحذية والإكسسوارات الرجالية، وما الذي تمثله الأحذية بالنسبة إليه.
واكتفى "مطر" بالقول: "أفضل ألا أشرح الأمر بالتفصيل؛ فالقارئ الجيد سيعرف".