بموقعها الاستراتيجي وثرواتها الغنية، تحولت جرينلاند إلى محور صراع بين مصالح القوى الكبرى وحق سكانها في تقرير مصيرهم، فهي تواجه تهديدات السيطرة الأمريكية وسط تنافس متصاعد مع روسيا والصين، في الوقت الذي يتمسّك فيه سكانها وأحزابهم باستقلالهم ويرفضون أي وصاية خارجية.
موقع استراتيجي يشعل التنافس الدولي
جزيرة جرينلاند هي أكبر جزيرة في العالم، إذ تبلغ مساحتها 2.16 مليون كيلومتر مربع وتُعد منطقة غنية بالموارد الطبيعية، كانت مستعمرة دنماركية سابقًا، وتتمتع حاليًا بحكم ذاتي ضمن مملكة الدنمارك، وتقع في منطقة القطب الشمالي، وتُصنَّف على أنها الأقل كثافة سكانية عالميا، حيث يبلغ عدد سكانها نحو 57 ألف نسمة، يتركز معظمهم في مدن صغيرة على الساحل الغربي، ويعتمدون في تنقلاتهم على القوارب والطائرات والمروحيات بسبب الطبيعة الجغرافية.
وتُجسد نوك، عاصمة الإقليم، نمط الحياة في جرينلاند، بمنازلها الملونة الممتدة على ساحل متعرج، تحيط به الجبال، وخارج المدن تهيمن الطبيعة البرية على معظم أنحاء الجزيرة، إذ يُغطي الجليد نحو 81% من مساحتها، ويُشكل السكان من أصول الإنويت قرابة 90% من الإجمالي، فيما يعتمد اقتصاد الإقليم تاريخيًا على صيد الأسماك بوصفه النشاط الاقتصادي الرئيسي.
جرينلاند والصراع الجيوسياسي العالمي
تحتل جرينلاند موقعًا جيوسياسيًا بالغ الأهمية، إذ تقع بين الولايات المتحدة وأوروبا، وتشرف على ما يُعرف بـ ممر جرينلاند- آيسلندا- المملكة المتحدة، وهو ممر بحري استراتيجي يربط المحيط المتجمد الشمالي بالمحيط الأطلسي.
تزداد أهمية جرينلاند الاستراتيجية بفعل ما تمتلكه من احتياطيات غنية من الموارد الطبيعية، تشمل النفط والغاز والمعادن الأرضية النادرة، في وقت استغلت فيه الصين هيمنتها على هذا القطاع؛ للضغط على الولايات المتحدة، وتُعد هذه المعادن عنصرًا قويا للاقتصاد العالمي؛ نظرًا لدورها الحيوي في تصنيع السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح، بالإضافة إلى المعدات العسكرية.
ومع ذوبان جليد القطب الشمالي نتيجة أزمة المناخ، قد يصبح الوصول إلى تلك الموارد أكثر سهولة في الاستخراج، كما أنها تجعل طرق الشحن الشمالية صالحة للملاحة لفترات أطول على مدار العام، مما يفتح المجال أمام تحولات محتملة في مسارات التجارة العالمية ويعزز من أهمية المنطقة، رغم وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لأزمة المناخ بأنها "أكبر عملية احتيال".
وفي هذا السياق، قلل ترامب من شأن الموارد الطبيعية في جرينلاند، زاعما أن اهتمام بلاده بالجزيرة يرتبط بـ"الأمن القومي" وليس بالمعادن، وفقاً لـCNN عربية.
مواقف الأطراف من مساعي واشنطن للسيطرة على جرينلاند
أكدت الأحزاب السياسية في جرينلاند وحدة موقفها في مواجهة مساعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسيطرة على الجزيرة، مشددة في بيان مشترك وقعته الأحزاب الخمسة في برلمان جرينلاند على أن "مستقبل جرينلاند يقرره الشعب الجرينلاندي"، وأعربت عن رفضها أن تكون تابعة للولايات المتحدة أو الدنمارك، ودعت الولايات المتحدة إلى إنهاء ما وصفته بـ"احتقارها لبلادنا".
في المقابل، جدّد ترامب تأكيده، في حديث للصحفيين خلال فعالية في البيت الأبيض، أن بلاده تسعى للسيطرة على جرينلاند لدواعي تتعلق بالأمن القومي، معتبرًا أن التحرك ضروري لمنع روسيا أو الصين من بسط نفوذهما على الجزيرة الاستراتيجية في القطب الشمالي، ولم يستبعد اللجوء إلى وسائل قسرية سواء عسكرية أو اقتصادية، لتحقيق هذا الهدف.
أما الدنمارك، حذرت رئيسة وزرائها، مته فريدريكسن، من أي استحواذ أمريكي على جرينلاند وأنه سيعني عمليًا نهاية حلف شمال الأطلسي (ناتو). وعلى الرغم من أن جزيرة جرينلاند تعد أكبر جزيرة في العالم، فإنها لا تمتلك قوات مسلحة خاصة، والتي تتولى مسئولية الدفاع عنها هي الدنمارك، مع العلم بأن قدرات الجيش الأمريكي تفوق قدرات الجيش الدنماركي.
النفوذ الأمريكي عبر الصفقات التاريخية
محاولة الولايات المتحدة شراء جرينلاند ليست الأولى، إذ سبق أن قامت بشراء أراضي من دول استعمارية مختلفة لتعزيز توسعها الإقليمي واستراتيجيتها الجيوسياسية، فقد حصلت واشنطن على ألاسكا من روسيا (1867)، وفلوريدا من إسبانيا (1819)، ولويزيانا من فرنسا (1803)، إضافة إلى الفلبين من إسبانيا (1898)، وجزر فيرجن من الدنمارك (1917)، وغيرها من الأراضي التي ساهمت في توسيع النفوذ الأمريكي، وقد كانت معظم هذه الصفقات مدفوعة بالاعتبارات الاقتصادية والاستراتيجية، مثل صعوبات القوى الأوروبية أو موقع هذه الأراضي في مناطق حيوية للبحرية والجيش الأمريكي، وفقاً لتقرير نشرته BBC.
وتوضح هذه العمليات تاريخيا أن الولايات المتحدة لطالما اعتمدت على الشراء أو السيطرة على الأراضي لتعزيز وجودها الاستراتيجي، وهو ما يضع سياق محاولة شراء جرينلاند الحالية ضمن تاريخ طويل من محاولات أمريكا في التوسع.