الزواج على القد.. قرى المنوفية تحاول كسر طوق المظاهر والمقارنات - بوابة الشروق
الإثنين 14 سبتمبر 2026 5:46 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار تطبيق نظام العمل عن بُعد يوم الأحد في بعض الجهات الحكومية؟

الزواج على القد.. قرى المنوفية تحاول كسر طوق المظاهر والمقارنات

تحقيق ــ مصطفى الملاح
نشر في: الإثنين 14 سبتمبر 2026 - 5:30 م | آخر تحديث: الإثنين 14 سبتمبر 2026 - 5:30 م

- مبادرات فى «كمشيش» و«شبراباص» لخفض فاتورة الزواج وإلغاء الإنفاق المبالغ فيه لوقف الديون
-شباب يروون قصص الصراع مع تكاليف الزواج: أحلامنا معلقة والديون تلاحق البدايات
- حمودة: «الذهب بـ300 ألف والالتزامات فوق طاقتنا».. الغرباوى: بدأت حياتى الزوجية بديون والتزامات شهرية تصل إلى 10 آلاف جنيه
- جمعة: «جهزت ابنى على قده ومحبتش أدين نفسى».. أبو الفضل: الحل فى العودة للزواج الميسر طبقًا للشريعة
- أستاذ علم اجتماع: تغيير ثقافة المجتمع والمقارنة بين الأسر مفتاح مواجهة الأزمة
- حماد: الزواج شراكة اجتماعية وليست اقتصادية.. والمقارنات وراء أزمة الطلاق

فى مواجهة ظاهرة المغالاة فى تكاليف الزواج، بدأت عدد من من قرى محافظة المنوفية تطبيق مبادرة «الزواج على القد» لخفض فاتورة الإنفاق والمطالب المبالغ فيها، وتخفيف الأعباء على الشباب والأسر، ووقف سبيل الديون التى تتسبب فى حبس الأهالى نتيجة ثقافة المقارنات المستمرة فى القرى والمدن.

وتحول الزواج فى كثير من الأحيان إلى مشروع تثقله ثقافة المظاهر من ارتفاع تكاليف الذهب (الشبكة) والسكن وتجهيزات المنزل إلى قوائم المنقولات المبالغ فيها، وتجد الأسر والشباب أنفسهم أمام أعباء مالية باهظة تدفع البعض لتأجيل الزواج أو بدء الحياة الزوجية بديون طائلة.

فى قرية كمشيش، انطلقت مبادرة «الزواج على القد»؛ لتقليل فاتورة الذهب (الشبكة) لتقتصر على الخاتم والدبلة فى حدود 20 جرامًا، وإلغاء المظاهر المكلفة كالعشاء وحجز القاعات الباهظة، والاكتفاء بالأجهزة الأساسية مثل (الثلاجة والغسالة والتلفزيون)، وتقليل المفروشات، وأن يكون المهر فى صورة فضة أو مبلغ مالى، وأن تقام الخطوبة بصورة بسيطة فى المنزل أو فى مكان مفتوح، بعيدًا عن تكاليف القاعات والبوفيه وغيرها من مصروفات المبالغ فيه.

ودعت المبادرة إلى الابتعاد عن المظاهر المكلفة، وتجنب الأرقام الوهمية فى قائمة المنقولات، من خلال تسجيل الأجهزة الموجودات الفعلية التى تم شراؤها، وعدم كتابة أرقام أو قيم لا تعبر عن الواقع، مع تحديد مؤخر صداق يتناسب مع قدرة الزوج. واقترح أصحاب المبادرة إعداد «وثيقة تيسير» يتم عرضها على كبار العائلات وأئمة المساجد والشخصيات المؤثرة فى القرية؛ بهدف تحويل هذه الأفكار إلى اتفاق مجتمعى يساعد الأسر على مواجهة ثقافة المغالاة.

ولاقت المبادرة تفاعلًا وإشادات من جانب عدد من أهالى القرية، الذين اعتبروا أن ما تضمنته من مقترحات يمثل محاولة للحد من المتطلبات التى تثقل كاهل الشباب والأسر، وتخفيف الأعباء عن المقبلين على الزواج.

ولا تتوقف الدعوات إلى التيسير عند هذا الحد، إذ يرى محمد عبدالله تعيلب، من قرية كمشيش، أن الحل يجب أن يكون أكثر وضوحًا، مقترحًا إلغاء قائمة المنقولات، على أن يقوم الزوج بدفع المهر المتفق عليه أو تجهيز منزل الزوجية وفق قدرته، مع إضافة بند يوضح ملكية الزوجة للمحتويات المتفق عليها وقيمتها.

ودعا تعيلب، خلال حديثه لـ«الشروق»، إلى إلغاء بعض المتطلبات مثل الملابس والكسوة، مؤكدًا أن الهدف من وجهة نظره هو أن يبدأ الزوجان حياتهما دون أعباء تفوق قدرتهما. وطرح تعيلب أيضًا فكرة توثيق حقوق الزوجة فى عقد الزواج بإضافة بند يوضح ملكية الزوجة للمحتويات المتفق عليها وقيمتها، مع تحديد مؤخر صداق مناسب.

وقبل نحو 3 سنوات أطلقت قرية شبراباص مبادرة بدعوة من كبار الأسر لمواجهة غلاء المهور وتخفيف أعباء الزواج، والبعد عن المقارنات، إلا أنه لم يتلزم بها أحد لتكون استجابة الأهالى لها صفرا.

وقال شفيق أبو النصر، من أهالى قرية شبراباص: إن الهدف من المبادرة أن «تيسر الناس على بعضها وتكتفى بما تحتاجه فقط». وأضاف فى تصريحات لـ«الشروق»: «رغم عقد أكثر من تجمع فى دار المناسبات لدعم الفكرة، إلا أن الاستجابة ظلت محدودة، ونسبة الأخذ بها تكاد تكون صفرًا».

ويرى أبو النصر، أن المشكلة الأساسية تتمثل فى أن بعض الأسر أصبحت تنظر إلى تجهيز الزواج باعتباره منافسة اجتماعية، موضحًا أن ولى الأمر قد يتحمل تكاليف تفوق قدرته حتى لا يشعر بأن ابنه أو ابنته أقل من الآخرين. وبيّن أن الذهب أصبح أحد أبرز مظاهر المغالاة؛ حيث إن بعض الأسر قبل نحو 5 سنوات كانت تنفق ما يقرب من 150 ألف جنيه، بينما وصلت القيمة فى بعض الحالات حاليًا إلى 250 و300 ألف جنيه، سواء تم شراء الذهب كاملًا أو شراء جزء منه وكتابة الجزء الآخر ضمن الالتزامات.

وفى المقابل، برزت تجارب فردية ناجحة لأشخاص قرروا كسر طوق المظاهر، وجهزوا أبناءهم وفق إمكانياتهم الحقيقية دون الالتفات لضغوط المجتمع.

ويؤكد محمد جمعة، من أبناء قرية شبراباص، إنه جهز نجله للزواج بعيدًا عن المبالغات الشائعة، قائلا لـ«الشروق»: «جهزت ابنى على قده دون الالتفات لباقى الناس، ومحبتش أدين نفسى، والحمد لله الدنيا تمام». ويربط جمعة، بين المغالاة فى التكاليف وزيادة حالات الطلاق فى القرية، مضيفًا: «بيوت كثيرة لم تعد تخلو من حالات الانفصال بسبب غياب التراحم والمغالاة المجتمعية».

وفى قرية جزى، يروى أحد الأهالى ــ فضل عدم ذكر اسمه ــ تجربته مع زواجه الثانى، مؤكدًا أنه قرر الابتعاد عن أى مغالاة؛ إذ اقتصرت تجهيزاته على الأساسيات الضرورية دون أعباء تفوق طاقته، معتبرًا أن الأهم هو قدرة الزوج على تحمل المسئولية بلا ديون طائلة.

ويرى شعبان أبو الفضل، من مركز أشمون، أن الحل يكمن فى العودة للزواج الميسر طبقًا للشريعة، قائلا لـ«الشروق»: «الناس لازم ترحم بعضها». وحذر أبو الفضل، من خطورة بدء الحياة الزوجية وسط ديون تثقل كاهل الزوجين لسنوات طويلة، بينما هما فى أشد الحاجة لإنفاق مواردهما على احتياجاتهما اليومية الأساسية.

وتُظهر قصص الشباب فى القرى حجم الفجوة بين أحلام الشباب البسيطة فى تكوين أسرة، وبين شروط الواقع وقسوة التكاليف الباهظة، لتتحول حياة جيل كامل إلى سلسلة من التحديات ورحلة شاقة من الانتظار والتردد.

يعبر محمود حمودة، مدرب تربية بدنية، 29 عامًا، من تلا، عن مرارة الواقع، مشيرًا إلى أنه ما زال أعزب لعدم قدرته على توفير شقة مستقلة أو مواكبة الشروط المادية الباهظة التى فرضها المجتمع. ويوضح حمودة فى حديثه لـ«الشروق»، أن الارتباط أصبح يتطلب سنوات طويلة من السعى وتدبير أموال طائلة لا تتناسب مع دخله البسيط، مما يجعله محاطًا بالتزامات تعجيزية تؤجل حلمه فى الاستقرار لأجل غير مسمى.

وقال إن الزواج لم يعد مجرد خطوة تحتاج إلى الاستعداد النفسى، وإنما أصبح يتطلب تجهيزات وتكاليف وشروطًا تعجيزية، وهو ما يجعل الشاب مطالبًا بأن يكون مستعدًا ماديًا قبل الإقدام على هذه الخطوة، مردفا: «أنا لسه بكون نفسى، ومفيش بنت أو أهلها هيرضوا بشاب مش جاهز، وهيفضلوا اللى معاه فلوس».

ويروى محمد الوكيل، موظف بإحدى شركات السياحة، 31 عامًا، من شبين الكوم، تفاصيل تعثر خطبته طويلًا بعد أن اصطدمت طموحاته العاطفية بجدار أزمة السكن وارتفاع الإيجارات التى تفوق دخله الشهرى (3000 جنيه) بمراحل. ويشير الوكيل فى تصريحاته لـ«الشروق»، إلى أن محاولاته المستمرة لتوفير مسكن ملائم وتوفير الحد الأدنى من التجهيزات اصطدمت بارتفاع الأسعار الجنونى؛ حيث يقدر إيجار شقة مناسبة بـ1500 جنيه شهريًا.

ويضيف الوكيل، أنه عرض على خطيبته وقتها الإقامة معه فى شقة داخل منزل العائلة، لكنها رفضت، وانتهت الخطوبة بعد عام، وبقى حلمه معلقًا بانتظار الفرج.

أما لمن حالفهم الحظ فى اجتياز عتبة الزواج، فالصورة لا تقل ضغطًا؛ إذ يحكى أحمد الغرباوى، 28 عامًا، من بركة السبع، تجربته المريرة بعد الزواج، مبيّنًا أنه أنفق كل ما يملك واضطر للجوء إلى الديون والقروض لتغطية نفقات الزواج. ويضيف الغرباوى فى تصريحاته لـ«الشروق»، أنه وجد نفسه بعد زفافه مباشرًا ملتزمًا بسداد أقساط والتزامات شهرية تصل إلى 10 آلاف جنيه تثقل كاهله وتضيق عليه معيشته اليومية. ويؤكد أنه لولا مساعدة أسرته له فى حدود إمكاناتهم، لكانت الأوضاع أكثر صعوبة.

ووجه الغرباوى، نصيحة للشباب بضرورة تقليل النفقات وعدم الانسياق وراء المظاهر الزائفة لتحميل أنفسهم أعباء وديون غير قادرين على تحملها بعد الزواج.

ويبدو التبيان صارخًا بين الزواج قديمًا وفى العصر الحالى؛ وتعود الحاجة نعيمة محمد، من قرية زاوية الناعورة بمركز الشهداء، لتستعرض ذكريات زواجها عام 1976، مؤكدة أن الأمور كانت أبسط بكثير؛ إذ كان المهر لا يتجاوز 200 جنيه، يشترى العريس به جزءًا من الذهب الذى لم يتجاوز سعر جرامه 6 جنيهات، ليقتصر دوره على تجهيز مسكنه بالدهان، بينما تتولى أسرة العروس الخشب والتنجيد وباقى «العزال»، واصفة تلك الأيام بقولها: «العريس كان بيدفع المهر ويخلع إيده».

وتضيف نعيمة، أن طبيعة السكن اختلفت بشكل جذرى؛ حيث كانت الأسرة تبدأ حياتها فى غرفة «مقعد» داخل منزل العائلة الكبير، معتبرة أن بساطة المتطلبات انعكست على استقرار الحياة وندرة الطلاق الذى كان يمثل كارثة، وتشير إلى أن الزواج ارتبط حينها بموسم حصاد القطن: «زمان كان الجواز على زرعة القطن.. يبيع القطن ويتجوز».

وبملامح مختلفة قليلًا لجيل لاحق، استعرضت هالة ممدوح، من الشهداء، تفاصيل زواجها عام 1998، موضحة أن شكل الاتفاقات بدأ يتغير حينها بتراجع الاعتماد على المهر، ليتحمل العريس شراء الذهب والأخشاب بينما تُقسم باقى التجهيزات بين العائلتين، وتلتزم العروسة بما يُعرف بـ«الرفايع». وتضيف هالة ممدوح لـ«الشروق»، أن تجهيزات العروسة اقتصرت وقتها على الاحتياجات الضرورية كعشرة جلابيب وبعض الملايات والفوط، دون مغالاة فى الأجهزة الحديثة والكماليات الباهظة التى تفرض نفسها بقوة على بيوت اليوم، ما جعل الزواج مستقرا.

ويقول الدكتور جمال حماد، أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة المنوفية: إن مواجهة ارتفاع تكاليف الزواج تحتاج إلى تغيير ثقافة المجتمع قبل أى شىء، مشيرًا إلى وجود مشروع «مودة» للتوعية الأسرية، تشارك فيه الجامعة ومؤسسة «حياة كريمة»، ويستهدف توعية الشباب المقبلين على الزواج بأسس الاختيار الصحيح وبناء علاقة زوجية قائمة على الاحترام والتفاهم.

ويرى حماد، فى تصريح خاص لـ«الشروق»، أن جانبًا كبيرًا من مشكلات الزواج والطلاق يرتبط بعوامل ثقافية واجتماعية، من بينها المقارنة المستمرة بين الأسر، موضحًا أن بعض مظاهر المغالاة أصبحت تتجاوز الاحتياجات الفعلية، ضاربًا مثالًا بشراء عشرات أطقم المفروشات والملابس والأجهزة، رغم إمكانية الاكتفاء بالأساسيات وتأجيل الكماليات إلى ما بعد الزواج.

ويحذر أستاذ علم الاجتماع، من أن ارتفاع تكاليف الزواج لا يتوقف أثره عند مرحلة التجهيز، وإنما يمتد إلى الحياة الزوجية نفسها من خلال الديون والضغوط المالية وعدم الاستقرار، بما يزيد من حدة الخلافات بين الزوجين، مشددًا على أن الزواج «ليس شراكة اقتصادية فقط، وإنما شراكة اجتماعية» تحتاج إلى التفاهم والقدرة على تحمل المسئولية.

ويفسر حماد، محدودية نجاح المبادرات المجتمعية لتيسير الزواج باستمرار ثقافة المقارنة، قائلًا إن بعض الأسر تنظر إلى ما قدمته الأسر الأخرى باعتباره معيارًا يجب تجاوزه. ولذلك يرى أن الحل يبدأ بالتوعية وتغيير طريقة التفكير، مع ضرورة أن يقدم كبار العائلات والقادرون نماذج عملية للتيسير، وأن يكون للمؤسسات التعليمية والمجتمعية والإعلامية دور فاعل فى مواجهة العادات التى تدفع الأسر إلى المبالغة.

وأطقلت الدولة مبادرة «فرحة مصر» برعاية السيدة انتصار السيسى، لتقديم دعم متكامل ومساعدات عينية للمقبلين على الزواج من الفئات الأولى بالرعاية، لتخفيف جانب من تكاليف الأجهزة والأثاث وتجهيز مسكن الزوجية التى باتت تمثل عائقًا كبيرًا أمام الشباب.

وأكد مصدر بمديرية التضامن الاجتماعى بالمنوفية لـ«الشروق»، أن النسخة الأولى للمبادرة نجحت فى تجهيز 2000 عريس وعروس على مستوى الجمهورية، بينما توسعت فى نسختها الثانية لتستهدف 8000 شاب وفتاة (4000 عريس و4000 عروس)، متضمنة جوانب مبتكرة كتصنيع 1000 فستان زفاف يدوى والاستعانة بخبيرات تجميل بالتعاون مع المجتمع المدنى، مع الاعتماد على آليات رقمية لضمان وصول الدعم لمستحقيه. وأشار المصدر، إلى أن المبادرة لا تقتصر على الدعم المادى، بل ترتبط ببرنامج «مودة» للتأهيل النفسى والأبدى للشباب.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك