قد يتخيل البعض فكرة أن يتحول الفضاء إلى مصنع لإنتاج الدواء هي فكرة أقرب للخيال العلمي، لكن التطور التكنولوجي الذي يشهده العالم حاليا من تطور المختبرات الآلية، وانخفاض تكلفة الوصول إلى المدار، يكشف عن شيء ليس ببعيد عن مستقبل هذا العالم.
وبحسب مجلة "ساينس" العلمية، بدأت بالفعل شركات ناشئة ومراكز بحثية في اختبار الفضاء وإجراء تجارب واكتشاف أنسجة قد تصبح يوما ما مواد أولية لعلاجات جديدة، وذلك بعد أن كان الفضاء بالنسبة إلى الطب والعلم مختبرا بعيدا لإجراء تجارب يصعب تنفيذها على الأرض.
لماذا نحتاج إلى الفضاء لصناعة الدواء؟
ووفقا لتقرير منشور في مجلة "ساينس"، تؤثر الجاذبية في السوائل والخلايا والجسيمات والبلورات على الأرض، فعندما تختلف كثافة المواد داخل السائل تتحرك الأجزاء الأكثر كثافة إلى أسفل وترتفع الأجزاء الأخف، وتظهر تيارات الحمل الحراري، وهذه التأثيرات قد تؤثر في طريقة نمو البلورات أو تجمع الخلايا، بينما في بيئة الجاذبية الصغرى تصبح بعض العمليات أكثر هدوءا، وبالتالي إذا أمكن التحكم في هذه البيئة فقد يستطيع العلماء إنتاج بعض البروتينات والبلورات والأنسجة بطريقة مختلفة عن الأرض وربما بجودة أو خصائص يصعب الوصول إليها بالطرق التقليدية.
وتعتبر شركة "فاردا سبيس إندستريز" الأمريكية التي تأسست عام 2021 من أبرز الشركات التي تراهن على هذه الفكرة، وصممت الشركة وبنت وأطلقت خلال سنوات قليلة عدة كبسولات إلى المدار، حمل بعضها مختبرات مصغرة قادرة على إجراء عمليات كيميائية بشكل مستقل ثم العودة بالمواد إلى الأرض.
وفي إحدى تجاربها الأولى عام 2023، عملت الشركة على دواء "ريتونافير" المضاد لفيروس نقص المناعة البشرية، بهدف إثبات إمكانية تنفيذ العملية في المدار بشكل أساس وليس إنتاج دواء جاهز للاستخدام البشري، حيث تم إجراء عملية صهر الدواء وإعادة بلورته في بيئة الجاذبية الصغرى، وبالتالي تحاول الشركة الآن الانتقال من فكرة تنفيذ العملية في الفضاء إلى إمكانية تنفيذها على نطاق تجاري وبصورة متكررة.
كذلك أجرت شركة أدوية أخرى تسمى "ميرك" تجارب على عقارها الشهير كيترودا لعلاج السرطان، ووجد الباحثون في دراسة تم نشرها عام 2019 أن بروتينات الجسم المضاد المستخدم في الدواء استطاعت في بيئة الجاذبية الصغرى تكوين بلورات أصغر وأكثر تجانسا مقارنة بما يمكن إنتاجه بالطرق التقليدية، لكن برغم ذلك لم تؤد هذه التجربة إلى تصنيع كيترودا تجاريا في الفضاء، حيث طورت "ميرك" لاحقا طريقة لإنتاج الصيغة القابلة للحقن على الأرض، ومع ذلك قدمت تلك التجربة دليلا مهما على أن بيئة الجاذبية الصغرى يمكن أن تغير خصائص بعض المواد الدوائية، وهو ما شجع باحثين وشركات على مواصلة دراسة إمكانية الاستفادة من هذه الظاهرة.
لماذا قد تكون البلورات مهمة؟
يرتبط الحديث عن البلورات بطريقة تصنيع بعض الأدوية، حيث يؤثر تكوين البلورات في خصائص المادة مثل نقائها واستقرارها وقابليتها للمعالجة والتخزين، وبالتالي إذا تمكن العلماء من إنتاج بلورات أكثر تجانسا أو الحصول على شكل بلوري يصعب إنتاجه على الأرض، يمكن أن يؤدي ذلك إلى فتح الباب أمام تطوير تركيبات دوائية مختلفة.
وأيضا يمتد الطموح إلى قيام شركات ومراكز بحثية أخرى بدراسة استخدام الجاذبية الصغرى في مجالات أخرى مثل تصنيع الأغشية البروتينية، وزراعة الخلايا الجذعية، وإنتاج العضيات التي تمثل تجمعات خلوية صغيرة تحاكي بعض خصائص الأعضاء البشرية، ومن بين هذه التجارب شركة "لامبدا فيجن" التي تعمل على تطوير شبكية اصطناعية باستخدام بروتين حساس للضوء يعرف باسم "بكتيريورودوبسين".
وتقول الشركة إن تصنيع الأغشية البروتينية في الفضاء يساعدها على الحصول على أغشية أكثر تجانسا، لأن غياب الترسيب والتيارات الموجودة على الأرض يقلل بعض المشكلات التي تواجه عملية التصنيع، كما أن نسبة محدودة فقط من الأغشية المنتجة على الأرض تكون مطابقة للمواصفات، بينما يمكن لبيئة الجاذبية الصغرى أن تساعد في تقليل الهدر؛ لذلك قد تصبح بعض المواد الطبية عالية القيمة مرشحة للتصنيع في المدار إذا ثبتت النتائج السابقة واستطاعت التقنية اجتياز التجارب السريرية والموافقات التنظيمية.
السرطان أيضا مختلف في الفضاء
وتوجد زاوية أخرى تتعلق بدراسة المرض نفسه، حيث تم إجراء تجربة عام 2024 تم فيها إرسال خلايا لسرطان الثدي إلى محطة الفضاء الدولية لدراسة استجابتها لدواء تجريبي، لأن الفضاء قد يوفر نموذجا تجريبيا مختلفا يمكنه أن يساعد العلماء على رؤية بعض العمليات التي تحدث داخل الخلايا في وقت أقصر أو بصورة أوضح.
وبحسب "ساينس"، تقول كاتريونا جاميسون، الباحثة في مجال الخلايا الجذعية، إن بعض الخلايا السرطانية تتجمع في بيئة الجاذبية الصغرى في هياكل ثلاثية الأبعاد بصورة أسرع، وتظهر بعض العمليات البيولوجية المرتبطة بالانتشار في وقت أقصر.
لماذا الآن؟
أصبحت الفكرة أكثر واقعية الآن عن ذي قبل نتيجة انخفاض تكلفة الوصول إلى الفضاء، وأصبحت تكلفة إرسال المواد إلى المدار أقل بكثير مما كانت عليه في بداية عصر محطة الفضاء الدولية، وذلك مع تطور الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام وعلى رأسها صواريخ "فالكون 9" التابعة لشركة "سبيس إكس".
وبحسب تحليل منشور في مجلة "PNAS Nexus"، انخفضت التكلفة المعدلة وفق التضخم لإطلاق كيلوجرام واحد إلى الفضاء من أكثر من 15 ألف دولار عام 2000 إلى أقل من 4 آلاف دولار عام 2025، مع توقع استمرار انخفاض التكلفة إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
وهذا التراجع برغم ارتفاع التكلفة يجعل الفضاء أقل استحالة من الناحية الاقتصادية بالنسبة إلى الشركات التي تنتج مواد مرتفعة القيمة، وهنا بالتحديد تظهر أهمية شركات مثل فاردا التي تمكن من استخدام كبسولات روبوتية تنفذ العمليات بصورة آلية ثم تعود بالمواد إلى الأرض بدلا من إرسال رواد فضاء إلى المدار لإجراء كل تجربة بشكل يدوي، وبالتالي يجب أن يكون العائد والقيمة والنتيجة العلمية عالية بما يكفي لتبرير تكلفة إرسالها إلى الفضاء.
وتقدم شركة "لامبدا فيجن" مثالا على ذلك، حيث تقدر تكلفة نقل معداتها من وإلى محطة الفضاء الدولية بنحو 600 ألف دولار، بينما قد تتجاوز قيمة زراعة الشبكية الاصطناعية الواحدة 150 ألف دولار، وفي هذه الحالة قد يصبح الأمر اقتصاديا إذا أثبتت التقنية نجاحها وأصبحت هناك منتجات طبية مرتفعة القيمة يمكن بيعها بكميات كافية، لكن هذا النموذج لا يصلح بالضرورة لإنتاج دواء رخيص يستخدمه ملايين المرضى.
كيف ننتقل من التجربة إلى الإنتاج؟
تعتبر فكرة الإنتاج هي العقبة التي قد تحدد مستقبل صناعة الأدوية في الفضاء؛ فإجراء تجربة ناجحة على كمية صغيرة من مادة ما شيء، وبناء خط إنتاج قادر على تصنيعها باستمرار وبالجودة نفسها شيء آخر تماما.
وتراهن شركة "فاردا" على أن تصبح الرحلات الفضائية روتينية بدلا من أن تكون أحداثا استثنائية، وتقول إنها تخطط لزيادة عدد رحلاتها بصورة كبيرة، مشيرة إلى أن لديها سبع رحلات مقررة لعام 2027 وعشر رحلات أخرى لعام 2028، بهدف الوصول إلى عمليات يمكن تكرارها على مستوى الإنتاج.