د. إسلام حجازي يكتب: شتاء طهران الساخط وتصدع الجمهورية الإسلامية - بوابة الشروق
الأحد 17 مايو 2026 11:38 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

د. إسلام حجازي يكتب: شتاء طهران الساخط وتصدع الجمهورية الإسلامية


نشر في: الجمعة 16 يناير 2026 - 10:16 م | آخر تحديث: الجمعة 16 يناير 2026 - 10:16 م

لم تكن أعمدة الدخان المتصاعدة من الإطارات المشتعلة في شارع «شريعتي»، والهتافات المدوية التي ترددت في أرجاء «البازار الكبير» بطهران مساء يوم الثامن من يناير 2026، مجرد استنساخ لاحتجاجات جماهيرية سابقة، بل بدت وكأنها لحظة مكاشفة تاريخية لأجيال لم تعد تجد في ممارسات الثورة الإسلامية ما يطعم خبزًا أو يمنح أملًا. إن خروج آلاف المواطنين في أحياء العاصمة الحيوية، من «تجريش» شمالًا إلى «نازي آباد» جنوبًا، يكشف عن تصدع بنيوي كبير في جدار الهيمنة الذي بناه النظام الديني على مدار عقود، بشكل حولها إلى ساحة لاختبار القدرة الفعلية على الصمود أمام واقع اقتصادي وجيوسياسي لم يعد يرحم.

تشريح الأزمة الراهنة

كان المحفز المباشر لموجة الاحتجاجات الأخيرة هو التدهور الكارثي في قيمة الريال الإيراني، الذي تجاوز الحاجز النفسي البالغ 1.4 مليون ريال مقابل الدولار الأمريكي. وفي بلد يرتبط فيه سعر السلع الأساسية ارتباطاً وثيقاً بسعر صرف السوق السوداء، فإن هذا الانهيار ليس مجرد إحصائية اقتصادية كلية فحسب، بل هو تهديد وجودي لمعيشة المواطن الإيراني اليومية.

لطالما جادل بعض باحثي الاقتصاد السياسي، مثل صالحي أصفهاني (2023)، بأن العقد الاجتماعي للجمهورية الإسلامية، الذي وعد بالعدالة التوزيعية مقابل الامتثال السياسي، يمر بحالة من التآكل التدريجي منذ منتصف العقد الماضي، فقد جاءت تلك الاحتجاجات لتؤكد أن هذا العقد الاجتماعي اقترب من خط النهاية والتمزق التام.

فما بدأ كإضراب لتجار البازار، الذين مثلوا تاريخيًا العمود الفقري لثورة 1979، تحول بسرعة فائقة إلى تحالف عابر للطبقات؛ حيث انضم طلاب جامعة شريف للتكنولوجيا إلى العمال من الضواحي الصناعية المختلفة، مما خلق تحالفًا واسعًا للمحرومين، تجد الأجهزة الأمنية للدولة صعوبة متزايدة في تقسيمه أو قمعه.

لا يمكن فهم عدم الاستقرار الحالي في معزل عن السياق العام، فهو نتيجة لعاصفة مثالية تلاقى فيها سوء الإدارة الداخلية مع حقبة جديدة من العزلة العالمية. فعلى الصعيد الخارجي، أدى تفعيل آلية سناباك (Snapback) وإعادة فرض العقوبات الشاملة في أعقاب التصعيد العسكري عام 2025، إلى شل حركة مما يُعرف بـ«أسطول الظل» الإيراني، الذي كان يُستخدم لتصدير النفط والمنتجات البتروكيماوية بشكل غير قانوني، يتجاوز العقوبات الدولية المفروضة على طهران.

هذا الخنق الاقتصادي وضع حكومة مسعود بزشكيان في مأزق مستحيل. فمن أجل تمويل المجمع الصناعي-العسكري الضخم، وخاصة برامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، اضطر النظام إلى خفض الدعم عن الوقود، وتحرير واردات عدد كبير من المواد الغذائية الأساسية.

في كتابها المنشور عام 2015 تحت عنوان «الاقتصاد السياسي لإيران منذ الثورة»، جادلت «مالوني» بأن النظام الإيراني أعطى الأولوية تاريخيًا لسياسات «البقاء الأيديولوجي» على حساب سياسات «العقلانية الاقتصادية»، لكن عندما يصبح ثمن الحفاظ على درع النظام الأيديولوجي هو مزيد من الإفقار والتجويع في العديد من المدن؛ فالمؤكد أنه سيصبح درعًا هشًا للغاية ومعرضًا للاختراق في أي لحظة.

علاوة على ذلك، فإن عامل الإشارات الخارجية القادمة من واشنطن تحديدًا بعد ما حدث مع الرئيس الفنزويلي «نيكولاس مادورو» قد شجع الشارع الإيراني على التحرك دون خوف؛ بحيث خلقت تغريدات «ترامب» بشأن عزمه استخدام القوة لحماية المتظاهرين الإيرانيين حالة من التردد داخل قيادة إنفاذ القانون حول مخاطر التعامل العنيف مع الاحتجاجات.

ملامح وتكتيكات مغايرة

كانت السمة الأكثر لفتًا للانتباه في احتجاجات طهران الأخيرة هي تطور الشعارات؛ حيث استُبدلت الصرخات الأولى المنددة بالغلاء بسرعة بهتاف «الموت للدكتاتور». هذا الانتقال السريع من المطالب الإصلاحية إلى المطالب الثورية قد يشير إلى حالة الفقدان الكامل لشرعية النظام الإيراني الأيديولوجية.

يلاحظ أيضًا عدم اعتماد النسيج الاحتجاجي الإيراني الحالي على القيادة المركزية التي يمكن اعتقالها أو تدجينها، فهو يدار من خلال مجموعات واسعة من الشبكات الأفقية شديدة المرونة، والتي عادة ما تستخدم تقنيات التشفير المتقدمة لتجاوز الرقابة الرقمية.

من ناحية أخرى، قد يكون التلاحم الطبقي الفريد في الفعل الاحتجاجي الراهن واحدًا من أبرز السمات المغايرة؛ فلأول مرة منذ عقود طويلة، نرى «البروليتاريا» الإيرانية التي تعاني من تضخم جامح تجاوز حاجز الـ60%، تقف جنباً إلى جنب مع الطبقة التكنوقراطية وطلاب الجامعات. هذا الاندماج ألغى الكثير من الفوارق التقليدية التي كان النظام يلعب عليها لتقسيم وتفتيت المعارضة.

كما ظهرت شجاعة الأجيال الجديدة كسمة رابعة فارقة؛ حيث يواجه شباب أجيال «زد» و«ألفا» قوات الأمن بصدور عارية، وبتكتيكات احتجاج الكر والفر التي تستنزف طاقة عناصر «الباسيج». وتشير التقارير الميدانية إلى أن المتظاهرين الشباب انتقلوا من الهتاف في الساحات العامة إلى محاصرة المقار السيادية ومراكز البث الإذاعي والتلفزيوني، في إشارة واضحة إلى استهداف مفاصل النظام لا مجرد التعبير عن الغضب من غلاء الأسعار.

يرتبط هذا بأزمة أعمق تواجه النظام الإيراني الآن، وهي ما يسميها العلماء بـ«معضلة الجيل الجديد»، وتعبر عن الفجوة العميقة والمتزايدة بين الشباب المولودين بعد الثورة ورجال النظام الحاكم.

من المنظور الديموغرافي، تشير الإحصاءات إلى وجود تفاوت كبير بين التركيبة السكانية الشابة (أكثر من 60% تحت سن الثلاثين) والنخبة الحاكمة التي يتجاوز أغلبها سن الستين عامًا. كما أن الغالبية العظمى من هؤلاء الشباب لا يتشاركون الحنين الثوري مع أجدادهم، ويفتقرون لأي ذاكرة حية عن ثورة 1979 أو الحرب الإيرانية-العراقية، وهي الركائز التي يستمد منها النظام جزءًا كبيرًا من شرعيته.

بالإضافة إلى تميز هذه الأجيال بكونها أكثر اتصالًا بالعالم الخارجي رقميًا، مما خلق تطلعات أكبر نحو الحريات الشخصية ونمط الحياة الطبيعي الذي يتناقض مع الكثير من القيود الأيديولوجية المفروضة. ناهيك عن فقدان النظام لقدرته على استخدام القوى الإصلاحية كواجهة لامتصاص الغضب المتصاعد، مما وضع هؤلاء الشباب في مواجهة مباشرة وعنيفة مع الأجهزة الأمنية.

خيارات النظام الضيقة

كل هذا يرجح أن بداية شتاء طهران الساخط هذا العام كانت مختلفة، وأن اكتفاء النظام باستراتيجية «التعتيم الشامل» المعتمدة على قطع الإنترنت، لن تفلح وحدها في وقف احتمالات تكرار موجات برودته القارسة، أو حتى تقليل تأثيرها على عظامه ومفاصله المركزية. خاصة وأن مثل هذا الفعل يعمق من أزمة شلل الاقتصاد، ويرسل إشارة للعالم بأن النظام فقد السيطرة على المشهد.

بشكل عام، يمكن القول إن القيادة الإيرانية الحالية عليها أن تختار من بين ثلاث مسارات محتملة:

المسار الأول: خيار القوة المطلقة (نموذج القبضة الحديدية)

في هذا السيناريو، قد يلجأ الحرس الثوري إلى نشر وحدات «صابرين» الخاصة واستخدام السلاح الحي بشكل واسع لترهيب الشارع وإخلاء الميادين بالقوة، تزامناً مع حملة اعتقالات تطال الآلاف من النشطاء والمؤثرين. ورغم أن هذا المسار قد يمنح النظام هدوءًا ظاهريًا مؤقتًا، إلا أن تكلفته ستكون باهظة الثمن؛ إذ سيؤدي إلى تعميق حالة العزلة الدولية وتحويل إيران إلى دولة منبوذة بالكامل، كما أنه يخاطر بإحداث انشقاقات داخل الرتب المتوسطة في الجيش الإيراني وقوات الأمن الذين قد يرفضون توجيه السلاح نحو عائلاتهم، مما قد يحول الاحتجاج السلمي إلى نزاع مسلح داخلي طويل الأمد.

المسار الثاني: تقديم «تنازلات كبرى»

يهدف هذا المسار إلى امتصاص الغضب الشعبي المتزايد دون المساس بصلب النظام. قد يتضمن ذلك إعلان استقالة الحكومة الحالية، وتقديم وعود بإصلاحات اقتصادية هيكلية، وربما العودة غير المشروطة إلى طاولة المفاوضات النووية لرفع العقوبات فورًا. يبحث هذا الخيار في إمكانية تقديم أكباش فداء من المسؤولين المتورطين في ملفات فساد لتهدئة الشارع، مع تخفيف القيود الاجتماعية وفرض حالة من الانفتاح المنضبط. لكن معضلة هذا المسار تكمن في «أزمة الثقة»؛ إذ يرى عدد لا بأس به من المحتجين أن أي وعود بالإصلاح في ظل البنية الحالية هي مجرد محاولة لشراء الوقت، مما قد يجعل التنازلات تُفهم على أنها علامة ضعف، وتدفع الشارع لرفع سقف مطالبه إلى حد المطالبة بتغيير الدستور نفسه.

المسار الثالث: «انقلاب ناعم» من داخل بنية السلطة

في هذا السيناريو، تقوم قيادات الحرس الثوري بتهميش النخبة الدينية التقليدية وتتولى زمام الأمور بشكل مباشر تحت ذريعة حفظ الأمن القومي. تتحول إيران هنا من ثيوقراطية دينية إلى ديكتاتورية عسكرية بصبغة قومية، تحاول مخاطبة الوجدان عبر خطاب يركز على العظمة الوطنية، بدلاً من الشعارات الدينية التي فقدت بريقها. هذا المسار قد يسعى أيضًا إلى عقد صفقة مع الغرب تضمن بقاء النخبة العسكرية مقابل التخلي عن الطموحات النووية والتدخلات الإقليمية للنظام. ومع ذلك، فإن هذا التحول قد يصطدم بعقبة الشرعية الداخلية، إذ أن الشارع المطالب بالديمقراطية قد لا يقبل استبدال العمامة بالبدلة العسكرية، مما يجعل تبنى هذا الخيار مقامرة قد تؤدي إلى تفتت الجبهة الداخلية للنظام نفسه.

إن ما حدث في إيران ليس مجرد سحابة صيف، بل هو زلزال سياسي وصلت ارتداداته إلى عمق مراكز القرار في بيت الرهبري. قد لا يصل ربيع طهران غدًا، لكن المؤكد أن شتاء النظام الثيوقراطي قد بدأ.

لقد أثبتت التجربة أن الأنظمة التي تفشل في التكيف مع تطلعات شعوبها تنتهي دائمًا إلى المواجهة الحتمية مع التاريخ. وسواء اختارت القيادة الإيرانية القمع أو المناورة أو التحول الهيكلي، فإن الحقيقة الثابتة هي أن إيران ما بعد يناير 2026 لن تشبه أبدًا ما قبلها. لقد كسر المتظاهرون حاجز الخوف. وفي علم الاجتماع السياسي، عندما يتحرر الشعب من الخوف، تصبح مسألة سقوط النظام مسألة وقت، لا مسألة احتمالية.

- مدرس العلوم السياسية بجامعة القاهرة



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك