في ذكرى رحيل حسنين هيكل.. كيف روى ذكريات 90 يوما في زنزانة سبتمبر؟ - بوابة الشروق
الثلاثاء 17 فبراير 2026 2:30 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

في ذكرى رحيل حسنين هيكل.. كيف روى ذكريات 90 يوما في زنزانة سبتمبر؟

محمد حسين
نشر في: الثلاثاء 17 فبراير 2026 - 1:13 م | آخر تحديث: الثلاثاء 17 فبراير 2026 - 1:13 م

تمر الذكرى العاشرة لوفاة الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل اليوم، 17 فبراير؛ ففي مثل هذا اليوم غادر لدار البقاء بعد مشوار طويل في الصحافة امتد لما يزيد عن السبعين عاما كان فيها صاحب الاسم الأهم في مصر والعالم العربي.

بداية الرحلة


وبدأ الأستاذ هيكل رحلته مع الصحافة من محطة جريدة "الإيجبيشيان جازيت"، وخاض خلالها مهمة تغطية معارك الحرب العالمية، ثم مجلة آخر ساعة، والتي كان أصغر من تولى رئاسة تحريرها، وبعدها كانت أخبار اليوم، وعاش لفترة ذهبية على رأس جريدة الأهرام في مرحلة طويلة انتهت بخروجه منها بعد خلاف مع الرئيس الراحل أنور السادات، وامتد أثر ذلك الخلاف لدرجة أن السادات وضع اسمه من بين قائمة المعتقلين.

وعاش هيكل في سجن لمدة 90 يوما، وهي تجربة روى عنها في مناسبات وحوارات، ووصفها بأن "أطيافها كانت تزوره كثيرا وتأتيه في مشاهد مختلفة".

وجمعها الكاتب الصحفي محمد الباز ضمن فصل من كتابه: "هيكل المذكرات الخفية: السيرة الذاتية لساحر الصحافة العربية"، التي صدرت عن دار ريشة في 2021.

سقوط الحواجز.. دراما تاريخية في السجن


يقول هيكل: "كانت تجربة السجن بالنسبة لي من أغنى التجارب التي مررت بها، فأنا كصحفي أشتغل بقضايا الرأي، احتمال السجن موجود في الأفق طوال الوقت، ولكنه كان بالنسبة لي مجهولا، وكان أسوأ شيء بالنسبة لي هو الحبس الانفرادي".

وتابع: "عندما دخلت التجربة وجدتها غاية في الغنى، مصر كلها كانت موجودة، كنت طرفا في تجربة أخوضها مرتين: مرة كصحفي يتابع ما يجري في حدث ضخم، ومرة كمعايش لرموز كل ما له قيمة في مصر".

وأضاف: "أعتقد أنه ليس هناك كتجربة السجن، فهناك تسقط حواجز كثيرة بينك وبين الآخرين، المرحوم عبدالعظيم أبوالعطا مثلا لم أكن أعرفه جيدا، كنت أعرفه كشخص عام، بعد 3 أسابيع قضيناها معا في زنزانة واحدة، قامت بيننا صداقة قوية، في السجن تظهر معادن الناس، الجيد في الإنسان يظهر بقوة، والسيئ أيضا، هناك نعرف الآخرين بدون براقع".

وواصل: "ما ساعدني في التجربة الجديدة على كل شيء شعور أحسست به منذ اللحظة الأولى للقبض عليّ، وهو شعور الصحفي أولا وأخيرا، لقد وجدت هذا الشعور يعطيني نوعا من الانسلاخ عن الواقع، أحسست أنني مراقب يتابع الأحداث أكثر مما هو ضحية من ضحاياها، وكنت شديد الثقة -حتى في تلك اللحظات الأولى- أنني سأكتب في يوم من الأيام قصة ما جرى، وهكذا فإن السير في العملية كلها تراجع ليفسح المجال للصحفي كي يتابع ويراقب ويتأمل ويربط أطراف الدراما التاريخية التي تتحرك حوله، بصرف النظر عن أنه هو نفسه جزءً منها".

العملية رقم 9.. ليلة القبض على الأستاذ


وعن ليلة الاعتقال يحكي هيكل: "في حوالي الثانية من صباح 3 سبتمبر 1981 كانت هناك طرقات على باب شقتي بالإسكندرية، حيث كنت هناك بعد عودتي من باريس، كان معي في الشقة ليلتها اثنان من أبنائي، وسمع أحدهما طرقات الباب فذهب ليجد اثنين من ضباط مباحث أمن الدولة يطلبان منه فتح الباب، فجاء لإيقاظي من النوم، فذهبت وفتحت باب الشقة لهما ودعوتهما إلى الدخول، وقالا لي على الفور إنني مطلوب لمباحث أمن الدولة".

ويستكمل: "نظرت في ساعتي، وكانت الساعة الثانية صباحا، ذكرتهما بأنني أنا الذي صنعت عبارة (زوار الفجر) في مقالاتي بالأهرام في وقت الرئيس عبدالناصر، فكيف يحدث ذلك في عصر الديمقراطية؟".

ويردف: "كان الضابطان -والحق يُقال- مهذبين في تصرفاتهما، قالا إنهما في أشد الأسف، ولكنهما مكلفان بأمر يتحتم تنفيذه.. سألت ما إذا كان عليّ أن أحزم حقيبة كبيرة لغياب طويل؟، وكان ردهما: ليس أكثر من يوم أو يومين.. سألتهما ما إذا كنا سنذهب إلى القاهرة، وإذا كان ذلك فهل نذهب في سيارتي؟، كان ردهما بالنفي، ثم أضافا أن هناك ترتيبات لكل شيء".

وتابع: "حزمت حقائبي وشددت يد ابني، ولم أرغب في إيقاظ أصغر أبنائي حتى لا يتأثر بما يراه يحدث أمامه، وخرجت من باب الشقة، راعني ما رأيت، ففي الردهة خارج البيت كانت هناك ثلة من الجنود المسلحين بالمدافع الرشاشة، وكان أحد الضباط يمسك بجهاز لا سلكي يُبلغ فيه أولا بأول تفاصيل عملية الاعتقال".

واستكمل: "التفت فوجدت المصعد جاهزا في الدور السابع حيث شقتي، وفي داخله ضابط مُسلح بمدفع أوتوماتيكي، ثم اكتشفت أثناء هبوط المصعد أن كل أدوار العمارة التي أسكن فيها محتلة بالجنود، وكانت أصداء أجهزة اللا سلكي التي يحملها بعضهم تُصدر أصواتا موحشة في ظلام الليل وسكونه، وعندما نزلنا إلى مدخل العمارة راعني مرة أخرى ما رأيت؛ فقد كان المدخل محتلا بقوة مُسلحة كبيرة، وسمعت أحد الضباط يهمس بجهازه اللا سلكي بأن العملية رقم 9 قد نُفذت، وتساءلت بأسى: إذن، فأنا العملية رقم 9؟، لم أتلقَ جوابا، لكنه كان واضحا أن ذلك بالفعل هو رقم عملية القبض عليّ".

بعد الإفراج.. لقاء مع مبارك وحيرة في وسيلة العودة إلى البيت

وبعد 3 أشهر شهدت اغتيال الرئيس السادات في أحداث المنصة، وتولى حسني مبارك بعد فترة انتقالية، وجاءت لحظة الإفراج، وقال عنها هيكل: "جاء من أخرجنا لأجد نفسي أمام رئيس الجمهورية الجديد، بعد أن انتهى اللقاء، سأل أحد الجالسين: ماذا سنفعل بعد ذلك؟، رد عليّ دون اهتمام: ولا حاجة.. خلاص، روح بيتك، كان سؤالنا هو كيف سنعود إلى بيوتنا، لقد جئنا في سيارات البوليس، والآن يقولون لنا عودوا إلى بيوتكم".

وأردف: "فتحي رضوان قال: سأذهب إلى منزلي سيرا على الأقدام، طلبنا أن تحملنا سيارة البوليس لنعود لنأخذ حاجاتنا، فؤاد سراج الدين لم يكن متعجلا العودة إلى منزله، قال إنه سيعود إلى قصر العيني ليتناول الغداء وينام قليلا ثم يعود إلى بيته الساعة الخامسة، أما أنا فقلت له: إنني سأذهب إلى بيتي فورا، لا أريد أي شيء آخر".

واصل: "بعد خروجي من السجن كنت أستقبل زواري في الجناح رقم 827 بفندق المريديان، لأن بيتنا كان في حالة بياض، زوجتي اقترحت أن نجدد شيئا بعد عشر سنوات، وكان المقاولون يعملون بهمة ونشاط حتى قُبض عليّ ذات ليلة، وكانت زوجتي خلال عملية البياض في بيت ابن علي، فلما أُفرج عني قالت إن بيت علي مثل علبة السردين، لا يسع أكثر من خمسة أشخاص، واقترحت أن نُقيم في فندق ريثما ننتهي من البيت".

"بعد 90 يوما في السجن كنت أخشى أن أكون قد فقدت عادة الحوار مع الناس المتحضرين، كان أمامي ناس طيبون لطفاء ظرفاء، لكن لم يكن أحد منهم يتحدث في الثقافة أو السياسة من أول الشاويش عبدالتواب إلى الشاويش عبدالجبار".



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك