من الكشري إلى سلال النوبة وكليم سيناء.. حكاية تراث مصري بين العالمية والاندثار - بوابة الشروق
السبت 17 أكتوبر 2026 11:53 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد اعتراض نادي الزمالك على التحكيم في القمة الـ133 ؟

من الكشري إلى سلال النوبة وكليم سيناء.. حكاية تراث مصري بين العالمية والاندثار

دينا النجار
نشر في: السبت 17 أكتوبر 2026 - 10:59 ص | آخر تحديث: السبت 17 أكتوبر 2026 - 11:00 ص

يحتفي العالم باليوم الدولي للتراث الثقافي غير المادي، في 17 أكتوبر من كل عام، وهي مناسبة تفتح ملف ذاكرة المصريين التي انتقلت عبر الأجيال في صورة حكايات وأغاني وحرف يدوية وعادات وتقاليد شكلت جزءًا من هوية المجتمع، يجب الحفاظ عليه ليس بتوثيقه فقط، بل بضمان استمرار ممارسته ونقل معارفه ومهاراته إلى الأجيال الجديدة.

لكن الحكاية لا تقف عند حدود الاحتفاء بهذا التراث، فبعض الحرف والممارسات التي عاشت بين المصريين لسنوات طويلة بدأت تتراجع، مع ابتعاد الشباب عن تعلمها ورحيل أصحاب الخبرة الذين يحملون أسرارها، وبين ما نحتفظ به في الذاكرة وما ننجح في نقله إلى الأجيال الجديدة، تظل التساؤلات قائمة كيف نحمي تراثنا؟.

• من السيرة الهلالية إلى النسيج الصعيدي

تتخذ ذاكرة المصريين أشكالًا متعددة، بعضها نسمعه، وبعضها نشاهده، وبعضها نلمسه بأيدينا، وتضم قوائم اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي 11 عنصرًا مصريًا، تتنوع بين الحكايات الشعبية والفنون والحرف والممارسات الاجتماعية المرتبطة بالحياة اليومية.

تبدأ الحكاية مع السيرة الهلالية، التي أُدرجت عام 2008، وهي ملحمة شعبية انتقلت عبر الرواة والحفظ الشفهي، لتقدم نموذجًا لحكاية لم تعتمد على كتاب وحده كي تستمر، بل على أصوات حملتها من جيل إلى آخر.

كان التحطيب، أو لعبة العصا، من بين العناصر المصرية التي أدرجتها اليونسكو على قائمتها عام 2016، ولا تتوقف حكايته عند المهارة الحركية، بل تمتد إلى تقاليد وقواعد يتعلمها الممارسون، لتظل اللعبة جزءًا من ثقافة شعبية متوارثة.

أما الأراجوز المصري، فقد أُدرج عام 2018 على قائمة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل، بوصفه أحد أشكال مسرح العرائس اليدوية التقليدي، الذي يجمع بين الحكي والضحك والنقد الاجتماعي.

وفي عام 2020، جاء دور النسيج اليدوي في صعيد مصر، بما يحمله من مهارات ومعارف توارثها الحرفيون في صناعة المنسوجات، لتطرح تجربته سؤالًا عن كيفية الحفاظ على هذه الخبرات وضمان انتقالها إلى الأجيال الجديدة.

ثم جاءت عناصر أخرى لتكشف عن تنوع هذه الذاكرة، ففي عام 2021، أُدرج الخط العربي بما يرتبط به من معارف ومهارات وممارسات، تلاه في عام 2022 إدراج المهرجانات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر، بما تحمله من تقاليد وممارسات احتفالية متوارثة.

وفي عام 2023، امتدت القائمة لتشمل النخلة وما يرتبط بها من معارف ومهارات وتقاليد وممارسات، إلى جانب الفنون والمهارات والممارسات المرتبطة بالنقش على المعادن، مثل الذهب والفضة والنحاس، وهنا لا يتعلق الأمر بالمنتجات النهائية وحدها، بل بالمعرفة التي يكتسبها الحرفي عبر الممارسة، وينقلها إلى غيره.

أما عام 2024، فشهد إدراج عنصرين آخرين، الحناء بما يرتبط بها من طقوس وممارسات جمالية واجتماعية، والسمسمية بما تتضمنه من معارف صناعة الآلة ومهارات العزف عليها، لتلتقي الزينة والفنون الموسيقية في مساحة واحدة من الذاكرة الثقافية.

وانضم الكشري المصري إلى القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي، في عام 2025، في إشارة إلى أن التراث لا يقتصر على الفنون والحرف القديمة، بل يمتد إلى الممارسات المرتبطة بالطعام والحياة اليومية.


• من النوبة إلى الواحات.. حرف مهددة بالاندثار

كشف أسامة الغزالي، الباحث في التراث الثقافي والطبيعي، وصاحب أول أطلس للحرف اليدوية في مصر، عن أبرز الحرف المهددة بالاندثار، قائلا إنها تختلف من منطقة إلى أخرى، بحسب طبيعة التراث المحلي، وتصنيفها يحتاج إلى النظر في عدد الحرفيين الذين يمارسونها، ومعدلات دخول أشخاص جدد إليها وخروج آخرين منها، إلى جانب قيمتها الثقافية وارتباطها بالأنماط التراثية، كما يجب التمييز بين الحرف التي اندثرت بالفعل، وتلك التي لا تزال قائمة لكنها مهددة بالاختفاء.

ومن بين الحرف التي يذكرها الغزالي، صناعة السلال النوبية من عيدان القمح، المعروفة باسم «سلال البروسي» في أسوان، والحقائب الجلدية المنسوجة في حلايب وشلاتين من شرائح جلود الإبل والأغنام، بطريقة تحاكي النول.

وتتنوع الحرف أيضا بين الكليم المصنوع بالنول الأرضي والأصباغ الطبيعية في سيناء، والكليم التقليدي في مرسى مطروح، والمشغولات الفضية في سيوة، والفخار والطواجن في قنا، وأنواع الكليم وحفر قرون الجاموس في أسيوط، إلى جانب حرفة حفر العظم التي اندثرت.

أما القاهرة فتشتهر بالنقش اليدوي على النحاس والتطعيم بالفضة، وإلى جانب الحرف التي تحتاج إلى التوثيق صناعة حصير القصبار في الدلتا ونحت جذوع النخيل وتحويلها إلى قطع فنية في الواحات.


• لماذا تندثر الحرف اليدوية في مصر؟

أرجع الغزالي تراجع الحرف اليدوية إلى مجموعة من العوامل، أبرزها ضعف العائد المادي، وعزوف الشباب عن تعلم المهن الحرفية، وضعف الدعم والوعي بقيمة المنتجات التراثية، موضحا أن بعض الشباب يفضلون أعمالًا تتيح لهم تحقيق دخل سريع، بدلًا من قضاء سنوات في تعلم حرفة قد لا تضمن لهم عائدًا مناسبًا، فيما تزيد المنافسة مع المنتجات المستوردة، خاصة الصينية، من صعوبة تسويق المنتج المصري.

ولا تقتصر الأزمة على ضعف الإقبال، إذ يشير الغزالي إلى تردد بعض الحرفيين في نقل خبراتهم إلى آخرين، خشية ظهور منافسين جدد، أو لعدم رغبتهم في بذل الوقت والجهد اللازمين للتدريب، وهو ما يهدد انتقال المهارات إلى الأجيال الجديدة، بحسب قوله.

• التوثيق.. خطوة نحو إنقاذ الحرف المهددة بالاندثار

يرى الغزالي أن توثيق الحرف لا ينبغي أن يقتصر على تسجيل تاريخها وتصوير منتجاتها، بل يجب أن يشمل الخامات والأدوات ومراحل التصنيع وتقنيات العمل، باستخدام الصور والفيديو والتسجيلات المكتوبة، حتى تظل المعرفة العملية متاحة للباحثين والحرفيين والأجيال الجديدة.

ويستشهد بتجربة توثيق حرفة التلي، التي أسهم تسجيل تقنياتها على يد إحدى آخر السيدات الممارسات لها في نقل المعرفة إلى فتيات أخريات، بما ساعد على استعادة المهارة واستمرار الإنتاج. ويرى أن هذه التجربة توضح كيف يمكن للتوثيق أن يتجاوز حفظ الذاكرة إلى إتاحة فرصة لإعادة إحياء الحرفة.

• أطلس أرشيفي للحرف اليدوية.. ذاكرة تحفظ ما قد يندثر

وسبق أن طرح الغزالي فكرة إنشاء «أطلس أرشيفي لتراث الحرف اليدوية المصرية»، يجمع الرسائل الأكاديمية وأبحاث الماجستير والدكتوراه والدراسات المتخصصة، إلى جانب الصور والتسجيلات التي توثق تقنيات التصنيع ومراحل الإنتاج، في مرجع واحد يمكن الرجوع إليه لفهم الحرف القائمة وتلك التي توقفت ممارستها.

ويضرب مثالًا بصناعة الفخار السيوي التقليدية التي مارستها نساء في واحة سيوة، موضحًا أهمية تسجيل تفاصيلها، بدءًا من نوع الطين والخامات وطرق معالجتها، وصولًا إلى التشكيل والزخرفة والتلوين؛ فوجود قطعة فخارية أو صورة لها لا يكفي لاستعادة الحرفة إذا ضاعت المعرفة المتعلقة بطريقة إنتاجها.

• إنقاذ الحرف.. هل يكفي دعم الحرفيين؟

استنادًا إلى خبرة امتدت نحو 12 إلى 15 عامًا من العمل والتعاون مع جهات ومؤسسات معنية بالحرف اليدوية، يرى الغزالي أن تطوير القطاع لا ينبغي أن يقتصر على دعم الحرفيين الحاليين، بل يجب أن يشمل توثيق تقنياتهم وضمان انتقال المعرفة إلى أجيال جديدة، إلى جانب تطوير الإنتاج والتسويق.

كما أكد أهمية التمييز بين الحرفي الذي يصنع المنتج، وبقية العاملين في سلسلة القيمة، مثل المصممين والمصورين والمسوقين ومديري المشروعات، الذين يسهمون في تطوير المنتجات ووصولها إلى المستهلك.

• 70% من جهود التطوير يجب أن تتجاوز الحرفيين

يقترح الغزالي توجيه نحو 70% من جهود تطوير القطاع إلى ما يتجاوز الحرفيين التقليديين، من خلال دعم المشروعات الريادية والمصممين والمدارس الفنية، إلى جانب التجمعات الحرفية القائمة، ويستند في ذلك إلى التحولات التي شهدها القطاع، من التجمعات المهنية والورش الصغيرة والأعمال المنزلية، إلى الشركات والمشروعات العاملة في الصناعات الإبداعية، معقبًا بأن اتساع دائرة العاملين في القطاع تشمل مصممي المنتجات والجرافيك والمصورين والمسوقين وغيرهم، يستدعي مراعاة اختلاف أدوارهم عند تصميم برامج الدعم، بحيث لا يقتصر التطوير على من يمارسون الحرفة بأيديهم.

• لماذا لا تكفي برامج دعم التجمعات الحرفية؟

يشدد الغزالي على أهمية استمرار دعم التجمعات الحرفية، مع تحديد احتياجات كل تجمع من الخامات والمعدات والتمويل والتدريب والتسويق. لكنه يشير إلى أن بعض محاولات التطوير تواجه مقاومة للتغيير أو اختلافًا بين احتياجات الحرفيين والحلول التي تقدمها الجهات الداعمة، مشيرا إلى أن توفير المعدات والآلات لا يضمن وحده تحسين الإنتاج، ما لم يصاحبه تدريب وتخطيط ومتابعة، بما يساعد على معالجة المشكلات التي تعوق استمرار الحرفة ونموها.

• التعليم الفني الفرصة الأخيرة.. 3 مسارات لإنقاذ الحرف اليدوية

يقترح الغزالي 3 مسارات لتطوير القطاع: الأول، دعم التجمعات الحرفية التقليدية ومعالجة مشكلاتها الفنية والتمويلية والتسويقية، والثاني، دعم المشروعات الريادية والإبداعية وأصحاب الورش الصغيرة والمصممين، لتوسيع مجالات التصميم والإنتاج والتسويق، والثالث، تفعيل دور المدارس الفنية في تعليم المهارات الحرفية والتقنيات التقليدية وتطويرها، مختتما حديثه عن خط التطوير، بقوله: "التعليم الفني هو آخر أمل لإحياء الحرف اليدوية وصون التراث المادي وغير المادي، ويجب الاهتمام بخريجيه للعمل في هذا المجال بدلا من العمل في مجالات أخرى لا تتعلق به".


صور متعلقة


قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك