«الرّوع».. رواية تحفر عميقًا في الذاكرة وتروي سيرة الفزّاعة التي تحولت إلى مرآة للهواجس الإنسانية - بوابة الشروق
الإثنين 18 مايو 2026 4:12 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

«الرّوع».. رواية تحفر عميقًا في الذاكرة وتروي سيرة الفزّاعة التي تحولت إلى مرآة للهواجس الإنسانية

شيماء شناوي
نشر في: الإثنين 18 مايو 2026 - 11:07 ص | آخر تحديث: الإثنين 18 مايو 2026 - 11:08 ص

-يتحرك القاسمي في الرواية على مستويين متوازيين.. الأول واقعي مباشر يتعلق بحماية المزرعة.. والثاني رمزي ونفسي أكثر عمقًا

-تقدم الروع قراءة عميقة في آليات صناعة الطغيان وكيف يشارك الناس أنفسهم في تضخيمه وتصديقه

 

تبدو رواية "الرّوع" للروائي العماني زهران القاسمي، والصادرة عن دار الشروق في طباعتها المصرية، وكأنها تنطلق من فكرة شديدة البساطة: فلاح يصنع فزاعة "خيال مآتة" لحماية مزرعته. لكن هذه البساطة سرعان ما تتشقق لتكشف عن عالم نفسي معقد، تتحول فيه الفزاعة من مجرد دمية منصوبة في الحقل إلى كائن رمزي يبتلع صاحبه والقرية بأكملها. فالرواية لا تتحدث عن "الرّوع" بوصفه شيئًا يُخيف الطيور فقط، بل عن الخوف نفسه حين يتحول إلى سلطة داخل الإنسان وخارجه.

منذ الصفحات الأولى ينجح القاسمي في خلق مناخ غرائبي مشحون بالتوتر، حيث يبدأ النص بصورة صادمة لجثة مصلوبة، قبل أن تتكشف تدريجيًا العلاقة بين هذه الصورة وبين بطل الرواية "محجان"، فهذا الافتتاح لا يؤدي فقط وظيفة التشويق، بل يضع القارئ مباشرة داخل عالم الرواية القائم على الالتباس: ما الحقيقي وما المتخيل؟ ما النفسي وما الواقعي؟ وما الذي يمكن أن يفعله الخوف حين يستقر طويلًا في أعماق الإنسان؟

تعتمد الرواية على بناء نفسي شديد الدقة لشخصية البطل "عبيد بن ربيع" الملقب بـ محجان، ذلك الرجل القروي البسيط، الهادئ، المنظم، الذي لا يبدو مؤهلًا إطلاقًا للتحول الذي سيطرأ عليه لاحقًا، وهنا تكمن براعة القاسمي، إذ لا يقدم شخصية مضطربة منذ البداية، بل يجعل التحول ينمو تدريجيًا من داخل التفاصيل اليومية الصغيرة، من كلمة عابرة توقظه من سكونه، ثم عودته إلى مزرعة والده المهملة، ثم الخراب الذي تحدثه الحيوانات، لتبدأ رحلة بناء "الرّوع".

غير أن الفزاعة في الرواية ليست وسيلة حماية فقط، بل مشروع نفسي كامل، فمحجان لا يصنع "روعًا" عاديًا مثل بقية الفزاعات المنتشرة في الحقول، بل يبني كائنًا استثنائيًا، يختار له جذعًا صلبًا بعناية، ويجمع له ملابس الموتى، ويمنحه هيئة مرعبة وعينين فارغتين قادرتين على ابتلاع العالم، ومنذ تلك اللحظة يبدأ الحد الفاصل بين الإنسان وما صنعه بالتلاشي تدريجيًا.

ومنذ اللحظة الأولى التي تُغرس فيها الفزاعة في الأرض، يتغير إيقاع العالم من حولها، الطبيعة تتجمد، الحيوانات تضطرب، ثم القرية التب تبدأ في نسج الحكايات حولها، هنا يدخل النص من الواقعية إلى منطقة أقرب إلى الواقعية السحرية، لكن من دون افتعال أو قطيعة مع المنطق الداخلي للرواية، فكل ما يحدث يبدو ممكنًا داخل عالم القرية المشبع بالخرافة والأساطير والخوف الجمعي.

ولا يمكن قراءة الرواية بمعزل عن الموروث الشعبي العماني الذي يستحضره القاسمي بذكاء كبير، فالخوف هنا لا يولد من الفراغ، بل من تراكم طويل للحكايات الشفوية عن الجن والكهوف والبيوت المهجورة والكائنات الليلية الغامضة، هذه الأساطير التي تربى عليها محجان منذ طفولته تعود لتشكل وعيه وتغذي اضطرابه النفسي. ولهذا يبدو "الروع" وكأنه خلاصة لذاكرة جمعية كاملة، لا مجرد اختراع فردي.

يتحرك القاسمي في الرواية على مستويين متوازيين؛ الأول واقعي مباشر يتعلق بحماية المزرعة، والثاني رمزي ونفسي أكثر عمقًا، حيث تتحول الفزاعة إلى امتداد لذات محجان المكبوتة، فراح يسقط عليها رغباته وهواجسه وشعوره بالنقص، حتى انتهى الأمر بأن أصبح هو نفسه جزءًا منها.

ومن اللافت أن الرواية تستفيد من تقنيات سردية متعددة، مثل الاسترجاع الزمني، بحيث لا يتقدم السرد في خط مستقيم، بل يعود باستمرار إلى طفولة محجان ومخاوفه القديمة، وكأن الكاتب يريد القول إن ما يحدث الآن ليس انفجارًا مفاجئًا، بل نتيجة تراكمات نفسية دفينة ظلت تنمو بصمت. فالرعب في الرواية ليس حادثًا، بل تاريخًا داخليًا طويلًا.

كما ينجح القاسمي في خلق تداخل شديد الذكاء بين الواقعي والفانتازي. القارئ لا يعرف على وجه اليقين إن كانت الفزّاعة حية فعلًا، أم أن الأمر كله انعكاس لاضطراب محجان النفسي. لكن الرواية لا تهتم أصلًا بحسم هذه المسألة، لأن المهم ليس “حقيقة” الروع، بل تأثيره. فالخوف حين يترسخ يصبح حقيقيًا مهما كان مصدره.

تتجاوز الرواية الحكاية الفردية لتصبح تأملًا في السلطة والخضوع، ليصبح الروع أكبر من مجرد "خيال مآتة" أو فزاعة، بل رمز لكل سلطة تتغذى على خوف الناس منها، لذلك حين يبدأ محجان في إحراق بقية "الأرواع" في القرية، يبدو كأنه يريد احتكار الرعب نفسه، سلطة واحدة، خوف واحد، وصوت واحد، وهنا تتحول الرواية إلى قراءة عميقة في آليات صناعة الطغيان، وكيف يشارك الناس أنفسهم في تضخيمه وتصديقه.

يعتمد القاسمي أسلوبيًا على لغة مكثفة لكنها غير متورطة في الزخرفة، لغة تنبع من البيئة التي يكتب عنها، وتستفيد من اللهجة المحلية بوصفها جزءًا من روح العالم الروائي، لا مجرد زينة لغوية، والحوار باللهجة العمانية يمنح الشخصيات صدقًا وحيوية، كما يعزز الإحساس بأن هذا العالم حقيقي ومأهول بأهله وأصواتهم وتفاصيلهم اليومية.

كذلك تحضر الطبيعة في الرواية بوصفها عنصرًا فاعلًا لا خلفية صامتة، فالأشجار، والريح، والجبال، والأفلاج، والظلال، وحتى العتمة، كلها عناصر تدخل في نسيج الرواية النفسي لذلك يبدو المكان شديد الحضور، إلى حد أن القارئ يكاد يشم رائحة التراب المبتل ويرى تغير الضوء على سفوح الجبال في صورة يبدو معها المكان نفسه كأنه يتنفس مع الشخصيات ويشاركها خوفها واضطرابها.

في "الرّوع" يواصل زهران القاسمي مشروعه القائم على استخراج الدهشة من البيئة العمانية المحلية، لكنه ينجح هذه المرة في الذهاب أبعد من ذلك؛ إذ يحول مفردة قروية بسيطة إلى سؤال إنساني واسع عن الخوف والسلطة والعزلة والهشاشة البشرية، فتكون الرواية سبيلًا يكشف كيف يمكن لفكرة صغيرة أن تتحول إلى قدر، وكيف يستطيع الإنسان أن يصنع سجنه بيديه ثم يصدّق أنه عاجز عن الهروب منه.

زهران القاسمي، شاعر وروائي عُماني، صدر له العديد من الأعمال الأدبية المتنوِّعة في الشعر والقصص والرواية. من أبرز أعماله الروائية: "جبل الشوع" 2014، "القنَّاص" 2014، الفائزة بجائزة الإبداع الثقافي العُمانية 2015، "جوع العسل" 2017، و"تغريبة القافر" الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية 2023، كأول أديب عماني يفوز بالجائزة. تشتهر كتاباته بأسلوبه الشاعري وتصويره العميق للواقع القروي والبيئي في سلطنة عمان، عبر لغة تجمع بين الأسطورة والواقعية الاجتماعية.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك