- سيد محمود: إمبراطورية نادية ترصد تحولات المجتمع المصري وتطرح أسئلة كبرى دون أن تفقد متعتها الفنية
أكدت الناقدة والأكاديمية الدكتورة سامية محرز، أستاذة الأدب العربي المعاصر بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، أن روايتها «إمبراطورية نادية» لا تسعى إلى إدانة أشخاص أو طبقة اجتماعية بعينها، وإنما تحاول مساءلة الأفكار الراسخة التي تتحكم في نظرتنا إلى الآخرين، وكشف التناقضات التي يحملها الإنسان بين ما يؤمن به وما يمارسه.

جاء ذلك خلال الندوة التي استضافتها دار «هن» بالمعادي لمناقشة الرواية الصادرة عن دار الشروق، وأدارها الكاتب والصحفي سيد محمود، وشهدت أيضًا حديثًا عن كتابها «إبراهيم ناجي.. زيارة حميمية تأخرت كثيرًا»، إلى جانب أحدث مشروعاتها الإبداعية.
واستهل سيد محمود اللقاء بالإشارة إلى أن الرواية تبدأ من شخصية «نرجس»، التي يكتشف القارئ تدريجيًا أنها ليست مجرد مديرة منزل، وإنما الشخصية التي تدير إيقاع الحياة داخل البيت، وأن غيابها لا يدفع ثمنه شخص واحد، بل ينعكس على حياة البطلة «نادية» والعالم المحيط بها. وأضاف أن دخول عدد من العاملات المنزليات إلى المنزل تباعًا يفتح الرواية على شخصيات وتجارب وخلفيات اجتماعية وثقافية متعددة، لتتحول إلى قراءة للتحولات التي شهدها المجتمع المصري، حيث يصبح المنزل فضاءً يلتقي فيه أشخاص ينتمون إلى طبقات وجنسيات وثقافات مختلفة.
وأشار إلى أن الرواية ترصد كذلك العلاقات الإنسانية التي تنشأ بين أصحاب المنزل والعاملات، والتي تتجاوز في بعض الأحيان إطار العمل لتتحول إلى صداقات ممتدة، كما تتوقف أمام أوضاع النساء في ثقافات مختلفة، مؤكدًا أن «إمبراطورية نادية» ليست رواية للتسلية، بل عمل يطرح أسئلة كبرى دون أن يفقد متعته الفنية.

من جانبها، أوضحت سامية محرز أنها اختارت الشكل الروائي بدلًا من السيرة الذاتية، لأن الرواية منحتها مساحة أوسع للخيال والسخرية واللعب الفني، كما أتاحت لها الابتعاد عن بطلتها والنظر إليها من الخارج، مؤكدة أن «نادية» تحمل ملامح منها، لكنها ليست نسخة مطابقة لها.
وأضافت أن البطلة تعيش صراعًا مستمرًا بين القيم التي اكتسبتها من التعليم والسفر، وبين الأفكار الموروثة التي نشأت عليها، وهو ما ينعكس في تعاملها مع العاملات المنزليات، فتسعى إلى التضامن معهن، لكنها تتراجع في كثير من الأحيان أمام القناعات الراسخة بداخلها. وأكدت أن هذا التناقض هو المحرك الأساسي للرواية، التي لا تقدم شخصيات مثالية، وإنما تكشف الصراعات الداخلية التي يعيشها الإنسان بين أفكاره وسلوكه.
وأشارت إلى أنها استعانت، في بناء هذا العالم، بما طرحه علاء الأسواني في رواية «نادي السيارات» حول تكوين الصورة النمطية للخادم، مؤكدة أن هدفها لم يكن إصدار أحكام، وإنما مساءلة هذه التصورات، وتعريتها داخل نفسها أولًا، وداخل أبناء الطبقة التي تنتمي إليها، معتبرة أن الكتابة كانت بالنسبة لها وسيلة لمراجعة الذات قبل مساءلة الآخرين.
وتحدثت محرز عن ظروف كتابة الرواية، موضحة أنها بدأت المشروع باللغة الإنجليزية، لكنها توقفت بعدما أدركت أنها لا تستطيع التعبير بصدق عن وعي شخصياتها وثقافتها بهذه اللغة، فوضعت المخطوط جانبًا حتى انتهت من كتابها «إبراهيم ناجي.. زيارة حميمية تأخرت كثيرًا»، ثم أعادت كتابة الرواية بالعربية.
وأضافت أن كتاب إبراهيم ناجي منحها ثقة أكبر في التعامل بحرية مع مستويات اللغة العربية، بعد النجاح الذي حققه لدى القراء، ولذلك سمحت لنفسها في «إمبراطورية نادية» بالانتقال بين الفصحى والعامية، ليس في الحوارات فقط، وإنما داخل السرد أيضًا، لأن اختلاف مستويات اللغة جزء من تكوين الشخصيات وطريقة تفكيرها.

وأوضحت محرز أن بطلة رواية «إمبراطورية نادية» تعيش العالم من خلال مخزونها الثقافي والخيالي أكثر مما تعيشه كما هو في الواقع، فكل موقف تمر به تستدعي له نصًا أدبيًا أو صورة راسخة في ذاكرتها. وضربت مثالًا بمشهد ذهاب البطلة لاختيار عاملة منزل، إذ لا ترى المرأة الواقفة أمامها بقدر ما تستحضر في ذهنها شخصية الخادمة في مسلسل الرسوم المتحركة «توم آند جيري»، فتختلط الصورة الكرتونية بالواقع، قبل أن تكتشف لاحقًا الفجوة بين ما صنعه خيالها وما هو موجود بالفعل. وأكدت أن هذا المشهد يكشف كيف تصوغ الصور الذهنية والأفكار المسبقة نظرتنا إلى الآخرين، وأن السخرية في الرواية موجهة في المقام الأول إلى البطلة نفسها وتناقضاتها، لا إلى الشخصيات الأخرى، لافتة إلى أنها تجنبت تحويل النص إلى منبر لشرح القضايا الكبرى، مفضلة الاكتفاء بإشارات تتيح للقارئ إنتاج دلالاته بنفسه، لأن الأدب -في رأيها- لا ينبغي أن يلقن القارئ رسائله مباشرة.
وأكدت أن المسافة الزمنية التي فصلتها عن الأحداث الحقيقية التي استلهمت منها الرواية كانت ضرورية، إذ منحتها رؤية أكثر موضوعية، وحولت النص من الميلودراما إلى السخرية والكوميديا السوداء، كما أضافت إلى تجربتها نماذج إنسانية وثقافية متنوعة انعكست على بناء الشخصيات.
كما تناولت محرز كتابها «إبراهيم ناجي.. زيارة حميمية تأخرت كثيرًا»، مؤكدة أنه لم يكن سيرة تقليدية، وإنما «سيرة مزدوجة» تجمع بين جدها الشاعر الكبير، والقاهرة، وتجربتها الشخصية، مشيرة إلى أنها تعمدت تأخير الكتابة عنه لأنها لم تكن ترغب في تكرار ما كُتب عنه، وإنما أرادت تقديم رؤية جديدة تستند إلى الوثائق والخيال الروائي معًا، ولذلك فإن انتقالها من هذا الكتاب إلى كتابة «إمبراطورية نادية» لم يكن انتقالًا بين مشروعين مختلفين، بل امتدادًا لمشروع إبداعي واحد باللغة العربية.
وكشفت في ختام الندوة عن عملها على كتاب جديد مستوحى من معرضها الفني «آناه.. حوارات مع الذكاء الاصطناعي»، الذي أقيم بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، موضحة أنها ابتكرت شخصية تحمل اسم «آناه» وخاضت معها حوارات فكرية وفلسفية صاحبت الأعمال الفنية بالمعرض، وتعمل حاليًا على تحويل هذه التجربة إلى كتاب يقدم قراءة للعلاقة المتبادلة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، باعتبار أن كليهما يمثل مرآة للآخر.
واختتمت محرز حديثها بالتأكيد على أن الكتابة لا تقضي على تناقضات الإنسان، لكنها تجعله أكثر قدرة على رؤيتها وتأملها، معتبرة أن وعي الكاتب بهذه التناقضات هو البداية الحقيقية لفهمها.