شهدت بدايات العام الحالي 2026، تجدد تلميحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بمحاولة ضم جرينلاند الدنماركية إلى السلطة الأمريكية؛ ليتفاعل مع ذلك نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، دميتري ميدفيديف، الذي ألمح أيضًا إلى احتمال ضم جرينلاند لروسيا عبر استفتاء شعبي.
وثم جاءت تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، التي ادعى فيها أن جرينلاند ليست جزءًا طبيعيًا من أراضي الدنمارك؛ مما يعكس حرب التصريحات والسباق الدولي بين القوى الإقليمية للسيطرة على جرينلاند الغنية بمواردها من المعادن النادرة، بالإضافة إلى موقعها الاستراتيجي على الممرات البحرية المتحكمة في التجارة الدولية.
وتستعرض "الشروق"، الأهمية الاستراتيجية التي تجعل جزيرة جرينلاند في قلب صراع إقليمي بين القوى العظمى، وفقًا لمعلومات وردت في كتابي الملاحم الآيسلندية لفتريت هرينسن وتاريخ جرينلاند لكرستيان جولوف، ومواقع أسوشييتد برس، ومركز بلفور الأمريكي للدراسات الدولية، وهيئة كوبنهاجن الدنماركية للدراسات الدولية.
- أزمة دولية في جزيرة الجليد
أصبحت جزيرة جرينلاند محط أنظار العالم مع تصاعد التصريحات الأمريكية والروسية حول إمكانية سحب السيادة على الجزيرة من الدنمارك، فقد صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ثلاث مرات برغبته في ضمّ الجزيرة، بينما طرح ماركو روبيو وزير الخارجية الأمريكي، خيار شراء جرينلاند.
كما ادعى ستيفن ميلور مدير البيت الأبيض، أحقية الولايات المتحدة في جزيرة جرينلاند.
وارتفعت وتيرة التصعيد بعد نشر رسالة من الرئيس الأمريكي لحكومة النرويج يؤكد فيها أحقية الولايات المتحدة في جرينلاند، وكانت الرسالة موجهة إلى النرويج باعتبارها أول دولة اكتشفت الجزيرة الجليدية منذ 500 عام.
ومن جهتها، تفاعلت الحكومة الروسية، نظرًا لقربها من القطب الشمالي، حيث بدأ نائب رئيس مجلس الأمن الروسي ميدفيديف، بتلميحات لضم جرينلاند إلى روسيا من خلال تصويت شعبي، في إشارة إلى واقعة ضم شبه جزيرة القرم سابقًا.
وفي خطابه، عاد وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف؛ ليكرر الادعاءات الأمريكية بعدم اعتبار جرينلاند جزءًا طبيعيًا من أراضي الدنمارك.
- جرينلاند وهوية وطنية مختلف عليها
كانت جرينلاند جزيرة معزولة حتى اكتشفها البحارة النرويجيون في ثمانينيات القرن التاسع، لتستوطنها الجماعات النرويجية في الجزيرة القطبية سعيًا لتجارة العاج وجلود الحيوانات القطبية.
لكن قدوم "عصر جليدي مصغر" في القرن الثالث عشر أدى إلى تدهور حالة المستوطنات النرويجية في جرينلاند وانقراضها تمامًا، ثم عادت الدنمارك لاكتشاف الجزيرة واستيطانها في القرن الثامن عشر إبان وقوع النرويج تحت الاحتلال السويدي وعجزها عن إدارة جزيرة جرينلاند.
وصل المستكشفون الأمريكيون، إلى سواحل جرينلاند الشمالية المطلة على الولايات المتحدة عام 1905، وكانت الجزيرة خالية من التواجد الدنماركي.
وقد طالبت أمريكا، بفرض سيادتها على الجزيرة، ولكن بموجب تسوية بين الدنمارك وأمريكا، اشترت الأخيرة جزر فيرجن من الدنمارك مقابل التنازل عن أي مطالبات بجرينلاند.
وبعد استقلال النرويج عام 1905، خاضت نزاعا قانونيا مع الدنمارك لاستعادة سيادتها على الجزيرة باعتبارها من اكتشاف النرويج، ولكن محكمة دولية مؤقتة عام 1933 قضت بأحقية الدنمارك بالجزيرة.
- الجزيرة في قبضة الأمريكيين ومحاولة لشراء جرينلاند
سيطر الجيش الأمريكي على جرينلاند عام 1941 بناءً على طلب من المسئول الحكومي الدنماركي عن الجزيرة لحمايتها من الغزو الألماني، وقام المسئول بتلك الخطوة دون الرجوع للحكومة الدنماركية، لكن الولايات المتحدة تجاوبت مع طلب المسئول وأرسلت قوات عسكرية للسيطرة على الجزيرة واتخاذها قاعدة لضرب الغواصات الألمانية في المحيط الأطلسي الذي تطل عليه السواحل الجنوبية الغربية لجرينلاند.
بعد انتهاء الحرب، طالبت الولايات المتحدة الدنمارك ببيع الجزيرة مقابل 100 مليار دولار، لكن الدنمارك رفضت ذلك وطالبت القوات الأمريكية بالمغادرة. لكن هذا النزاع تزامن مع تأسيس حلف شمال الأطلسي (الناتو)؛ مما أدى إلى معاهدة بين البلدين عام 1951 أُقيمت بموجبها قاعدة عسكرية أمريكية في جرينلاند للإنذار المبكر ضد الصواريخ السوفييتية.
واستخدمت القوات الأمريكية جرينلاند بشكل سري كقاعدة للأسلحة النووية حتى تمّ افتضاح سرية العمل النووي في حادثة سقوط قاذفة نووية أمريكية وتسرب المواد المشعة في أراضي جرينلاند عام 1968.
- موقع استراتيجي للتجارة الدولية
يعتمد العالم على الممرات البحرية بين المحيطات الهادئ والأطلسي والهندي مثل قناتي السويس وبنما والمحيط المتجمد الشمالي، هذا الأخير تسيطر عليه جزيرة جرينلاند التي تقع تقريبًا في منتصف الممر الرابط بين المحيطين الهادئ والأطلسي.
وساعد التغير المناخي في رفع أهمية جرينلاند مع ذوبان جليد المحيط المتجمد لأشهر طويلة من السنة؛ مما جعل من الممكن استخدامها بشكل مستقر للتجارة العالمية والتحكم في مساراتها.
- كنز من المعادن النادرة
أظهرت الحكومة الأمريكية، وخاصة خلال الفترة الرئاسية الثانية لدونالد ترامب، اهتمامًا متزايدًا بالسيطرة على المعادن النادرة المستخدمة في إنتاج الطاقة الشمسية، وقد تجسد ذلك في المفاوضات مع أوكرانيا والمحادثات مع الصين التي تمتلك أحد أكبر مخازن المعادن النادرة في العالم.
وتعتبر جرينلاند من الأراضي الغنية بالمعادن النادرة، وقد ساعد التغير المناخي وذوبان الجليد في تسهيل التنقيب عنها داخل الجزيرة، ما يوضح سبب تزايد الاهتمام بها مؤخرًا.
- تنافس أمريكي - صيني - روسي
تسعى الصين إلى إنشاء شبكات من الممرات التجارية العالمية لبسط سيطرتها، مثل "مبادرة الطريق والحزام".
أما فيما يتعلق بجرينلاند، فقد أعلنت الصين عام 2018، عزمها على تنفيذ مبادرة "طريق الحرير" بإدارة صينية في القطب الشمالي، بينما أثار التواجد الصيني في مناجم التعدين في جرينلاند قلقًا أمريكيًا من توسع النفوذ الصيني في المنطقة.
تمثل جرينلاند منطقة ذات أهمية استراتيجية لروسيا، حيث تحتوي الجزيرة على أحد المواقع العسكرية الأمريكية الأكثر تقدمًا في القطب الشمالي، وهو قاعدة "باتافيك" الفضائية التابعة للجيش الأمريكي.
كما تتحكم جرينلاند، في مياه المحيط المتجمد التي تسعى روسيا لتوسيع نشاطها البحري فيها، بالإضافة إلى أن الجزيرة تطل على مدخل المحيط الأطلسي الذي تستخدمه روسيا في تجارتها الدولية.
- غير مضمونة الولاء
يقطن جرينلاند نحو 55 ألف شخص، أغلبهم من شعب الإنيويت غير الأوروبيين، الذين يتمتعون بحكم ذاتي تحت سيادة الدنمارك، وسط مطالب من سكان الجزيرة بإعلان الاستقلال واتخاذ سياسة خاصة بجرينلاند تضمن مصالحها.