بين البحث عن التفاعل والمشاهدات، تغيب أحيانا الاعتبارات الأخلاقية والدينية، وهو ما يُعد إنذارا بالخطر، خاصةً عندما يتحول التريند إلى أذى أو تهديد مباشر للصحة؛ وفي هذا السياق يوضح الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر الشريف، من خلال تصريحاته لـ"الشروق"، خطورة بعض أشكال المزاح والتريندات المنتشرة، موضحا ضوابط الدين الإسلامي لضبط السلوك العام.
الدين والمزاح بين الإباحة والضرر
أكد الدكتور أحمد كريمة، أن هذا النوع من المزاح المنتشر عبر التريندات ومواقع التواصل الاجتماعي يُفضل الكف عنه، خاصةً أن أغلب هذه التريندات لا تخلو من إساءة أو تشويه للسمعة أو فتح باب للاتهامات بين الناس.
وأوضح أن الدين الإسلامي هو دين الأدب والاحترام، وقد وضع ضوابط واضحة للمزاح، أبرزها ألا يتحول إلى سخرية من شخص أو إيذاء له، سواء كان أذى نفسيا أو معنويا، مشددا على أن المزاح الذي يُوقع الضرر بالآخرين محرم ومنهي عنه شرعا.
وأضاف كريمة، أنه إذا كان الإسلام قد نهى صراحة عن السخرية والاستهزاء بالناس، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ}، فإن الإيذاء الأكبر الناتج عن بعض التريندات، سواء بالتشهير أو التعريض بالأشخاص أو تعريضهم للخطر، يكون أولى بالتحريم والمنع.
تريند الماء المغلي وإلقاء النفس في التهلكة
وفيما يخص "تريند المياه المغلية"، أوضح الدكتور أحمد كريمة أن هذا النوع من التريندات يمثل خطرا حقيقيا على الصحة والحياة، خاصةً في ظل التحذيرات الصادرة من الجهات المختصة.
وأكد أنه طالما صدر تحذير رسمي من وزارة الصحة فإن الواجب هو الابتعاد التام عن هذا التريند، لأنه يندرج تحت مفهوم إلقاء النفس في التهلكة، وهو أمر منهي عنه في الشريعة الإسلامية.
وشدد على أن الفيصل في مثل هذه القضايا هو رأي وتحذير أهل العلم والاختصاص، سواء كانوا أطباء أو جهات رسمية مسئولة، لأن الحفاظ على النفس مقدم على أي تجربة أو محتوى بحثًا عن التفاعل أو المشاهدات.
مسئولية صانعي المحتوى وصناع التريندات
وحول مسئولية صانعي المحتوى ومطلقي التريندات، أكد الشيخ أن القاعدة الفقهية تقول إن المتسبب كالمباشر، وبالتالي فهو يتحمل مسئولية أخلاقية ودينية عما يترتب على المحتوى الذي يقدمه.
وأضاف أن على صانعي المحتوى دورا مهما في توجيه الناس إلى ما هو نافع ومفيد، بدلا من الانشغال بتريندات قد تضر الأفراد والمجتمع.
وأشار إلى ضرورة أن يتذكر صناع المحتوى أن العقول الصغيرة تهتم بما هو صغير، بينما العقول الكبيرة تهتم بما هو أكبر وأعمق، مؤكدا أن المجتمعات الواعية هي التي تستثمر طاقتها في المعرفة والبناء، لا في التفاهة وإيذاء الآخرين.
واختتم الدكتور أحمد كريمة حديثه بالتأكيد على أن الأولى بالمجتمعات الإسلامية أن تكون قدوة في تقديم المحتوى الهادف، خاصةً أن الدين الإسلامي يحث على العلم والمعرفة واحترام الإنسان، ويدعو إلى التوجه إلى ما يثري العقول ويخدم المجتمع، بدلا من تقليد ما لا يحمل فائدة أو قد يتسبب في أذى حقيقي للناس