أكثر من 8 آلاف فدان من أراضى الدولة وأخرى مملوكة لمواطنين بسطاء هى حصيلة أولية لأراضٍ جرى الاستيلاء عليها خلال العامين الماضيين فى محافظة قنا، حيث استولت عليها عصابات منظمة برزت لتمارس نشاطها بقوة السلاح فى وضح النهار دون خوف من عقاب أو وازع من ضمير.
فارتفاع أسعار الأراضى المبالغ فيه، وضعف دور جهاز الشرطة فى القبض على المتعدين، ساعدا فى تشكيل مجموعات كبيرة ومتفرقة داخل القرى والمدن تسعى جاهدة لكى تحقق ثراء سريعا أصبحت لا تحققه تجارة المخدرات أو السلاح فى صعيد مصر، فيما أضفى بعضهم نوعا من الشرعية حين استولوا على مساحات شاسعة بمساعدة بعض موظفى إدارات حكومية مثل الزراعة أو الرى أو الأملاك، والذين يقومون بتقنين أوضاع هذه العصابات وتقديم كل المساعدات التى تمكنهم من فرض سيطرتهم على الأرض.
«الشروق» اقتحمت عالم مافيا الأراضى فى قنا، ورصدت الطرق التى تتخذها هذه العصابات للاستيلاء على الأراضى، وكيف حققوا ملايين الجنيهات دون تعب أو جهد، ودور الأجهزة الحكومية فى التصدى لهذه الظاهرة.
عقب ثورة يناير ووصول سعر الأراضى بوسط مدينة قنا إلى 4 آلاف و10 آلاف جنيه لمتر المبانى الواحد، ومن 1000 إلى 5 آلاف جنيه للمتر بمنطقة كردون قنا الجديد والمناطق الجديدة، كل ذلك ساعد فى انتشار هذه الظاهرة، فيما شكلت كل مجموعة أشخاص شراكة فيما بينهم، فمنهم من يقوم بتحرير عقد شراء ومتابعة إجراءات تسجيله، ومنهم من يرهبون المواطنين، ومنهم من يتفاوض ويبتز، ومنهم من يتدخل حينما تتدخل الشرطة، كل ذلك لهدف واحد هو الاستيلاء على أراضى الدولة وأراضى البسطاء غير القادرين على حماية أنفسهم.
البداية تقوم هذه العصابات بتحرير عقود شراء صورية من أى شخص وريث كان يملك تكليفا زراعيا فى المنطقة المراد الدخول عليها، ومن ثم يقومون أولا بابتزاز صاحب الأرض وإجباره على دفع ما يزيد على 200 ألف جنيه أو يزيد حسب الموقع والمكان لتركه وعدم التعرض له، وإذا رفض يقومون بالاستيلاء على الأرض بقوة السلاح، وشعارهم فى ذلك على المتضرر اللجوء للقضاء.
خالد علم، أحد سكان مدينة قنا، ويمتلك قطعة أرض مساحتها 500 متر، قال إنه ورث هذه الأرض عن والده، وهى بحوزتهم منذ أكثر من 20 عاما، ومنذ أشهر قليلة فوجئ بقيام 7 أشخاص يساومونه على دفع مبلغ 200 ألف جنيه لترك الأرض له، وذلك بعدما قاموا بتحرير عقد بيع صورى لأنفسهم من شخص كان يملك تكليفا زراعيا بهذه المنطقة منذ مائة عام، وعندما رفض الانصياع والخضوع لهم بحجة أن التكليف لا يثبت ملكية، قرروا الاستيلاء على الأرض المحاطة بسور من الطوب الأبيض وقاموا بكسر الباب الحديدى والمكوث بداخلها والاستيلاء عليها، وحينما حرر محضرا بقسم الشرطة رفض الضباط الخروج معه لضبط المتعدين، مضيفا وجدت طريق القانون طويلا واللجان العرفية أصبحت لا تحل هذه المشكلات من كثرتها، وأحد أعضاء اللجنة قالها لى صراحة من لا يحمى أرضه لا يستحقها، فخفت على أبنائى من غدر وتهديدات هؤلاء البلطجية فاضطررت إلى إعطائهم المبلغ الذى طلبوه.
(م. خ) أحد من يعملون فى هذه التجارة، قال إنه عقب الثورة قام مجموعة أشخاص بتكوين جمعية فيما بينهم بالتعاون مع عدد من موظفى الأملاك والجمعيات الزراعية والرى لمعرفة من لهم تكليف فى المناطق التى يريدون الدخول عليها، أو التعرف على البائع الرئيسى لهذه الأرض، وهنا يلجأون لإحدى طريقتين أولاهما إذا كانت مساحة الأرض ناقصة، أى إذا كان صاحب الأرض يمتلك تكليفا بنحو 5 أفدنة منذ مائة عام مثلا وقام ببيع 4 أفدنة، لكون الأرض ناقصة بطبيعتها، هنا تتدخل هذه المجموعات وتحرر عقدا صوريا مع أحد الورثة بشراء هذه المساحة الناقصة، ثم معرفة من يمتلك أوراقا ضعيفة فى هذا المكان، ومن ثم يقومون بمساومته على دفع مبالغ معينة لتركه أو أخذ الأرض منه عنوة، أما الطريقة الثانية فهى أن يكون صاحب الأرض قد باعها منذ زمن طويل بأسعار رخيصة جدا، فيقومون بتحرير عقد منه بنفس المساحة وأيضا يساومون به صاحب الأرض لدفع مبالغ معينة أو اللجوء للقضاء.
وأضاف هذه تجارة مشروعة تحقق ثروات طائلة، خاصة مع ارتفاع أسعار الأراضى، وأصبح الآن العشرات يقومون بهذه التجارة، لافتا إلى أن هذا كله لن يتم بالشكل المطلوب إلا فى وجود علاقات قوية بمسئولين فى المصالح الحكومية وكله بينفّع كله.
محمد سيد عميش، المحامى، قال إن هناك أشخاصا كثيرين حققوا ثروات طائلة من العدم، وذلك بعد تعديهم واستيلائهم على أراضى الدولة بمساعدة بعض موظفى الهيئات الحكومية مثل الزراعة أو الرى أو الأملاك، ولذلك لابد من مواجهة مافيا الأراضى بسرعة إصدار تشريعات جديدة تغلظ عقوبة التعدى على أملاك الدولة، وتعديلها من جنحة إلى جناية، مع سرعة تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة بإزالات وتمكين أشخاص، وتعقب كل موظف ساعد هؤلاء باستخراج أوراق تقنّن أوضاعهم أو تساعدهم فى وضع أيديهم على الأراضى، مضيفا فى ظل غياب الأمن نشطت بعض الخلايا الإجرامية فى عدة صور منها تجارة الأراضى التى حققت ملايين الجنيهات.
من جانبه قال اللواء عادل لبيب محافظ قنا لـ«الشروق» إن هناك حملة إزالات مستمرة تقوم بها المحافظة بالتعاون مع قوات الشرطة لإزالة التعديات على أراضى الدولة التى أصبحت منتشرة، لقيام الكثيرين بمحاولة وضع أيديهم على أراضى الدولة، مشددا على استمرار حملات الإزالة بجميع المراكز وإعطاء رؤساء المدن والوحدات المحلية الصلاحيات للإزالة الفورية على أراضى الدولة وإعداد بيانات يومية بما تم تنفيذه، مع ضرورة المتابعة المستمرة لضمان عدم معاودة التعدى مرة أخرى، مضيفا نحن فى حاجة إلى تشريعات جديدة تغلظ العقوبات على المتعدين حتى يمكن الحد من هذه الظاهرة.